أصدرت نقابة الصحفيين التونسيين تقريرها الشهري عن “وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية”، وسجلت فيه سلسلة اعتداءات استهدفت الصحفيين/ات خلال شهر مايو 2025.
وكما في تقارير الأشهر السابقة، كانت الصحفيات التونسيات ضمن الفئة الأكثر تضررًا، ما يثير تساؤلات ملحة حول مستوى الحماية الممنوحة لهن، سواء في الميدان أو داخل المؤسسات الإعلامية، في سياق عام يشهد تضييقًا متصاعدًا على الحريات الصحفية.
النساء الأكثر تعرضًا: شهادات توثق المضايقات والاعتداءات
رصد التقرير 18 حالة اعتداء، من بينها 10 حالات استهدفت صحفيات، توزعت بين اعتداءات جسدية ولفظية وتضييقاتٌ أمنية وإدارية خلال أداء مهامهنَ.
في 30 مايو 2025، تعرضت الصحفيتان ملاك بن دخيل (موقع نواة) وشيماء الهمامي (موقع كشف ميديا) للدفع والمنع من التصوير من قبل أعوان أمن، أثناء تغطيتهما لتحرك مساند لإضراب جوع أعوان مركز النهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة. وتمت عرقلة عملهما الصحفي، ما أدى إلى إتلاف هاتف الهمامي.
في 14 مايو 2025، تعرضت الصحفية المستقلة نهلة حبشي للعنف اللفظي والتهديد من قبل أحد المواطنين أثناء تغطيتها في الشارع، مما دفعها لتقديم شكاية لدى الفرقة المختصة بمكافحة العنف ضد المرأة.
وتفسر خولة شبح منسقة التقرير عن وحدة الرصد بنقابة الصحفيين التونسيين، أن تعرض الصحفيات لاعتداءات يعود لسببين رئيسيين: أولاّ لارتفاع عدد الصحفيات النساء مقارنة بالرجال وثانيًا وقع استهدافهن لأنهن نساء مما يعرضهن يشكل خاص للعنف القائم على النوع الإجتماعي.
مضايقات مستمرة: المراقبة الأمنية والإدارية تطارد الصحفيات
لا تقتصر الانتهاكات على ما يجري في الشارع أو خلال التغطيات، بل تمتد إلى مراقبة وضغوط أمنية وإدارية تضع الصحفيات تحت ضغط دائم.
تلقت الصحفية بقناة “المشهد”، أميمة بن خلف، اتصالًا هاتفيًا من رقم مجهول. المٌتصل، الذي ادعى أنه من “جهة أمنية”، طرح عليها أسئلة تتعلق بمؤسستها الإعلامية وزملائها، ومواضيع عملها، وحتى تحركاتها في مدينة سوسة.
كما تعرضت الصحفية بإذاعة “أمل”، عواطف سويدي، لمضايقات من أحد موظفي مجلس النواب أثناء تغطيتها من داخل البرلمان، رغم تدخل نائب لصالحها.
وحسب التقرير، تم إلزامها بالبقاء في فضاء صحفي ضيق، ضمن بروتوكول “غير مبرر” يقيّد حرية الصحفيين في التحرك والوصول إلى مصادر المعلومات.
القانون كسلاح: المرسوم 54 يواصل خنق حرية الصحافة
يظل المرسوم 54 نقطة سوداء في سجل حرية التعبير بتونس، إذ يُستخدم لملاحقة الصحفيين والحد من حريتهم.
في 12 مايو 2025، خضعت الصحفية بإذاعة “القصرين”، سعيدة بن مسعود، للاستجواب من قبل فرقة مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات، إثر شكاية من المديرة العامة لمؤسسة الإذاعة التونسية.
ورغم إبقائها في حالة سراح، اعتبرت النقابة الواقعة “شكلاً من أشكال الضغط المؤسسي على الصحفيات.”.
في 14 مايو 2025، استمعت الشرطة لصحفية موقع “بلا قناع”، حذامي الطرابلسي، بعد شكوى من مواطن نُشر تصريحه على شبكات التواصل.
ورغم أخذها إذنه مسبقًا، تم استدعاؤها، وتعرضت لتهديد مباشر من الشاكي أمام رجال الأمن.
كلما ارتفع الاحتجاج… ارتفعت الإعتداءات
في تصريح خاص لـ”هنَّ” تتحدث خولة شبح، منسقة وحدة الرصد بنقابة الصحفيين التونسيين، عن خصوصية شهر ماي المنقضي، الذي تميز “بنوعٍ من الحركيةٍ تمثلت في ارتفاع نسبة الإحتجاج على ضوء إعتقال الحقوقي والقاضي أحمد صواب، إضافة إلى التزامن مع موسم رياضي حافل، كما تطور نشاط مجلس نواب الشعب’’.
وتشير شبه إلى أنه كلما ارتفعت نسبة الاحتجاج والتظاهر، “ارتفعت معها بالضرورة حصيلة الاعتداءات ضد الصحفيين بحكم تواجدهم في الميدان للتغطية، فتصبح الصحفيات هدفًا مباشرًا للتضييق والعنف، وعرضةً أكثر لخطاب الكراهية والتحريض، مما يعرقل عملهن في نقل الحقيقة وتوثيق الأحداث”.
وتؤكد خولة شبح على أن وحدة الرصد “سجلت ارتفاعا كبيرا في خطاب الكراهية، التشويه والتحريض، ضد صحفيين وحتى ضد النقابة في أكثر من مناسبة”.
وفي سؤالنا عن مدى تواصل هذه الإعتداءات، ترى شبح أن ذلك مرتبط بـ“التحركات الإحتجاجية، بالحق في النفاذ إلى المعلومة والوضع الراهن بصفة عامة”.
توصيات لوقف الانتهاكات وحماية الصحفيات
دعت نقابة الصحفيين التونسيين إلى وقف التصعيد ضد الصحفيات، واعتبرت الانتهاكات المتكررة تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة وسلامة الصحفيات، وحق المواطن في الحصول على المعلومة.
وقدمت النقابة في تقريرها الشهري مجموعة من التوصيات: مطالبة مجلس نواب الشعب بضمان حرية الصحفيات في تغطية كل مراحل عمل المجلس، والسماح بالحوار الصحفي وتغطية مشاريع القوانين.
كما أوصت بمراجعة بروتوكول العمل داخل البرلمان، وإلغاء القيود غير المشروعة المفروضة على تحركات الصحفيين.
أيضا، طالبت النقابة، بإلغاء المناشير الإدارية المقيدة لحق النفاذ إلى المعلومة، وتفعيل آلية النشر التلقائي للبيانات الرسمية.
بالإضافة إلى توفير الحماية الأمنية للصحفيات أثناء التغطيات الميدانية، ومحاسبة كل من يشارك في الاعتداء عليهن، سواء كانوا أمنيين أو مدنيين.















