“الصحة الجنسية ليست ترفًا”.. موريتانيات يكسرن التابو في رحلة التوعية والمواجهة 

في زوايا الهامش، حيث تهمس المعاناة بصوت خافت، تولد البطولات الهادئة، هناك، في أحياء نواكشوط، تتقدم نساء موريتانيا الصفوف في معركة غير متكافئة ضد الصمت، والتقاليد، والخوف. سالكة احميدة وأمل حميدي، وجهان للوعي والجرأة، إمرأتان تقاومان الممارسات التي تُكبّل النساء منذ الطفولة، مؤمنتان أن التغيير يبدأ بكلمة، ويتعزز بقصة، ويستمر بإصرار.

هما نموذجان من العمل النسوي الباحث عن تغيير حياة النساء والفتيات في مجتمعهن، وذلك من خلال جهودهما في التوعية بالصحة الجنسية ومكافحة الممارسات الضارة، التي يسلّطن الضوء من خلالها على أهمية التثقيف الجنسي والوقاية من الأمراض المنقولة جنسيًا.

في مواجهة التابو.. تقاليد الآباء والأجداد

في حديثها لمنصة “هنَّ”، تعتبر السالكة احميدة، المرأة الشجاعة والمصمّمة على إحداث تغيير حقيقي، أنها من خلال “جمعية التقدم لرفاه المجتمع”، تقوم ومن معها “بتنظيم جلسات توعوية ميدانية في الأحياء الأكثر هشاشة في مقاطعات الميناء، الرياض، وعرفات، نناقش خلالها مواضيع حساسة مثل تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، الزواج المبكر، تنظيم الأسرة والعنف ضد المرأة”.

وتؤكد أنهم يعتمدون في جلساتهم على استراتيجيات متنوعة حسب الجمهور المستهدف، حيث “نركز على جانبين؛ الجانب الصحي، وقصص واقعية”.

“نستخدم لغة بسيطة لشرح مخاطر الختان والزواج المبكر، ونروي تجارب نساء عانين من هذه الممارسات لإثارة التعاطف”، توضح السالكة احميدة، رئيسة جمعية التقدم. 

وتشير الناشطة إلى أنهم يربطون المواضيع بالدين، “نوضح أن الختان ليس فرضًا إسلاميًا، بل هو عادة اجتماعية موروثة، ونناقش كذلك الأعباء الاقتصادية للزواج المبكر وتأثيره على الأسر”.

ورغم أن المجتمع بدأ يُبدي تقبّلًا للأفكار الجديدة، إلا أن اقتحام هذه التابوهات يواجه تحديات، والتي تكشفها احميدة في حديثها لهذه المنصة “بعض الأهالي يرفضون الحوار، ويتمسكون بما يسمونه ’تقاليد الآباء والأجداد‘، كما نواجه فتاوى دينية متضاربة، لكننا نستعين بآراء فقهاء متنورين لتجاوز هذه العقبات”.

وترى المتحدثة أن التغيير ممكن، “لكنه يحتاج إلى صبر، ودعم حكومي، وإشراك الإعلام… لقد بدأنا نلاحظ نتائج إيجابية، تتجلى في انخفاض نسبة ختان الإناث بعد حملات التوعية، وبعض النساء اللواتي كن متمسكات بالعادات أصبحن اليوم ناشطات ومدافعات عن التغيير”.

“التغيير لا يأتي بسرعة، لكنه ممكن”، تقول الناشطة التي تطالب بـ”تفعيل القوانين، وبث برامج توعوية باللهجة المحلية، فالتقاليد يمكن أن تتغير مع الوقت، بالصبر والعمل الجاد”. 

“الصحة الجنسية ليست ترفًا” 

أما أمل حميدي، الناشطة النسوية وصاحبة الموقف الحقوقي، فتؤكد أن الصحة الجنسية في موريتانيا لا تزال من أكبر التابوهات الاجتماعية.

وتؤكد، حميدي لـ”هنَّ”، على أنه رغم الأرقام المقلقة والواقع الميداني، إلا أنه “مازال الصمت يخيم على موضوع الصحة الجنسية، خاصةً في مجتمع محافظ كالمجتمع الموريتاني”.

“من الضروري أن نُدرك خطورة تجاهل التثقيف الجنسي، وأن نبحث عن الوسائل المناسبة للتوعية”، تضيف أمل. 

وترى الناشطة الموريتانية أن “الصحة الجنسية ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة طبية واجتماعية، وإهمالها يعرض الجميع للخطر، فالأمراض الجنسية مُعدية وقد تؤدي إلى عواقب وخيمة”.

وتوضح لـ”هنَّ”، أنه “في الآونة الأخيرة، ظهرت جهود شبابية لإنتاج محتوى توعوي، وأطلقت وزارة الصحة حملة حول لقاح الفيروس الحليمي البشري”.

ورغم هذه المبادرات، وفق المتحدثة، “مازالت الفجوة كبيرة، حيث لا توجد برامج توعية منهجية في المدارس، والإعلام يتعامل مع الموضوع بحذر مفرط. والشباب يفتقرون إلى المعلومات الأساسية حول صحتهم الجنسية، ويواجهون بالوصم حين يسألون”.

“علينا أن نُدرك أن التثقيف الجنسي ليس دعوة للتحرر، بل وسيلة وقاية، وضمان لكرامة الجسد، واحترام للإنسان، وحماية للمجتمع… لا يمكن الحديث عن مجتمع سليم ونحن نتجاهل أحد أخطر أبواب الصمت والعنف والمعاناة”، تشدد الناشطة. 

ترى الناشطتان أن التغيير ممكنًا، رغم العثرات؛ تعمل سالكة وأمل وغيرهن من النساء بلا كلل لتغيير واقع النساء والفتيات في موريتانيا، وهنّ على يقين أن التقاليد ليست قدَرًا، بل يمكن أن تتغير إذا توفر الإيمان، والوعي والعمل المشترك.

وغم أنه ليس من السهل أن تهزم العادات المتجذرة، ولا أن تفتح نوافذ الضوء في جدران صمّاء من الموروث والصمت، لكن سالكة وأمل تثبتان أن الحكاية لا تنتهي عند الألم، بل تبدأ منه. 

وفي موريتانيا، هناك نساء يرفعن صوت الوعي وسط الضجيج، يؤمنّ بأن للجسد كرامة، وللحياة حقٌ في الأمان والمعرفة. ومع كل خطوة، يُعاد رسم ملامح مجتمع أكثر إنصافًا، تَخضَرُّ فيه احتمالات الأمل، وتحفظ فيه كرامة النساء. 

اقرأ أيضا

  • سوق الغزل.. ملاذُ مهمشاتِ مراكش

    خلف أكوام من القفاطن المطرزة والجلالب الملونة المستعملة، تجلس نساء جمعهن شظف العيش، يفترشن الأرض وينتظرن ظهور السائحات الأجنبيات أو المغربيات الباحثات عن ضالتهن في بضاعة عتيقة بعيدا عن غلاء أسعار المحلات الفارهة.  سامي صبير/هوامش بابتسامة خجولة تستقبلنا نعيمة، الأرملة السبعينية، التي تلخص قصتها في حديث لمنصة هوامش، “أمضيت حياتي بكاملها في هذا السوق، كان…

    Hounna | هنّ|

  • الدورة الشهرية خلال رمضان.. “وصمة عار” أم أمر طبيعي ؟

    "كنت أتساءل كل شهر رمضان، لماذا يصوم إخوتي الذكور الشهر كاملا، بينما أنا رمضاني ناقص، وعليّ تعويض تلك الأيام المسروقة من الشهر بعد انتهائه… لم أكن أفهم معنى أن الحائض ممنوعة من الصوم والصلاة"، تستهل فاطمة ذات الـ32 ربيعا والمقيمة في الرباط حديثها لـ"هنّ"، مضيفة "في أول رمضان لي، طلبت مني أمي تناول الطعام في…

    Hounna | هنّ|

  • عام على زلزال المغرب.. النساء والأطفال أكبر ضحايا إنتظار إعادة الإعمار

    يعيش المعطي وعائلته تحت سقف من القماش؛ في عدة خيم أصبحت لهم غرفة معيشة صغيرة مستقلة عن غرفة النوم، الخيمة الثانية مليئة بجميع الأثاث والأشياء التي تمكنوا من استعادتها بعد أن كانت مدفونة تحت أنقاض منزلهم، والتي يأملون أن يملؤوا بها منزلهم مرة أخرى، إن تمت إعادة إعماره. ويعيشون في منطقة نائية على مشارف جماعة…

    Hounna | هنّ|

  • من الجداريات إلى الرياضة: كيف تحاول الجزائريات استعادة الفضاء العام؟ 

     تقف مايسة حواس، ذات الثلاثة والعشرين ربيعًا، وراء جداريات عدة في شارع كريم بلقاسم، المسمى سابقًا بـ"تلملي"، حيث تتموقع مدرستها، فهي طالبة في “المدرسة العليا للفنون الجميلة” بالجزائر العاصمة. فن الشارع ليس بالأمر الجديد في الجزائر، فالكثير من الفنانين تركوا بصمتهم فوق جدران المدينة، ولكن النادر في هذا المجال هو أن تكون أصابع امرأة وراء…

    تينيري مجهول|