الراب الجزائري يتسلق كراهية النسويات نحو الترندات

في الجزائر، شهدت ساحة الراب مؤخّراً تحوّلاً لافتاً، حيث ارتبطت موجة معينة من هذا الفن بخطاب موجّه ضدّ النساء والحركة النسوية. ولم يعُد هذا الخطاب مجرّد أغان عابرة، بل برزت في هذا التيار وجوه تُلقب بـ”قاهر النسويات” مثل المغني (تراب كينغ)، أو أخرى أنتجت أغاني كاملة لمهاجمة النسوية مثل المغني (يوبي)، مما حوّل هذا العداء لدى متابعيهم ومتابعاتهم إلى مادة للتسلية اليومية بين فئات من الشباب والمراهقين والمراهقات.

لم يتوقّف الأمر عند الموسيقى، بل تحوّل هؤلاء المغنّون المؤثّرون إلى قادة رأي يوجّهون الشارع الرقمي في قضايا الرأي العام؛ فمع انتشار حملة “افضحي المتحرّش”، -وهي حملة إلكترونية أطلقتها جزائريات سنة 2025 لتصوير متحرشين ونشر صورهم عبر وسائل التواصل كنوع من الردع ضدّ هذه الظاهرة-، خرج المغني “تراب كينغ” رادّا على النساء بوصفهن “ناقصات عقل” وأنّهن لا يفرّقن بين التحرش والمعاكسة، وهو ما أيّده الكثير من المعلقين الشباب الذين تبنوا خطابه حرفياً. 

وفي حادثة اغتصاب عدد من الأطفال العام الماضي في ولاية وهران، خرج المغني نفسه ليلوم الضحايا، معتبراً أنّه على الأولياء تربية أولادهم على “الخشونة” لتفادي مثل هذه الحوادث. ومؤخّراً، تمّت دعوته إلى بودكاست “كافيين” الجزائري ليُعيد نشر هذه الخطابات؛ فهل أصبحت معاداة النسوية وسيلة سهلة لحصد ملايين المشاهدات؟

في هذا التقرير، تتبع منصة “هنَّ” رحلة تحوّل هذا التيار في الراب الجزائري من فنٍّ للتعبير عن الهموم الاجتماعية وأزمات الشباب الحياتية، إلى صناعة رقمية وتجارية تبنّت فكر “الريد بيل” (الحبة الحمراء) وهي تعبيرة لمجتمع افتراضي وفلسفة فكرية نشأت على منصّة ريديت كردّ فعل على ما يصفونه بـ “التغوّل النسوي”، وتهدف إلى تفكيك طبيعة العلاقات من منظور ذكوري، ومناهضة القوانين الأسرية التي يرون أنّها تنحاز للنساء على حساب حقوق الرجال، وهي عبارة عن إعادة إنتاج خطاب كراهية النساء والتطبيع معه. 

جذور الراب الجزائري 

في دراسته السوسيولوجية، يقول الدكتورعبد السلام فيلالي “الباحثون عن الأمل: أزمة الهوية لدى الشباب الجزائري من خلال أغاني الراب”، فإنّ “فنّ الراب واكب ظهوره وبداية انتشاره في الجزائر غمرة التحولات الاجتماعية في نهاية الثمانينيات، وبخاصّة في مدينة الجزائر. بدأت حينها فرق شبابية تتبنّى هذا اللون الذي أخذ يزاحم سطوة موسيقى الراي؛ فظهرت مجموعات مثل “Hamma Boys” وألبومها الأول “الخرافة الجزائرية”، وفرقة “Intik”، وفرقة “MBS” التي عرف ألبومها “أولاد البهجة” الصادر سنة 1998 نجاحاً كبيراً، بالإضافة إلى فرقة “Double Kanon” (دوبل كانون) التي انطلقت من مدينة عنابة سنة 1997 عبر ألبومها “كاميكاز””.

ويذكر الكاتب أنّ “فن الراب اعتُبِر تاريخياً “صوت الشباب الجزائري” وملازماً للتعبير عن قضايا الأحياء الشعبية، حيث سعى صنّاعه إلى تسليط الضوء على واقع الأشياء بلغة جريئة تنتقد الظواهر الاجتماعية المزمنة، وتفشّي البطالة، وغلاء الأسعار، وأزمات المنظومة التعليمية. وما ميّز هؤلاء الشباب أنّهم انحدروا من الأوساط الشعبية البسيطة واشتركوا في صفة “لي حيطيست” (العاطلين عن العمل) العاجزين عن تلبية متطلباتهم الأساسية كالسكن والاستقرار؛ فكان صنّاع الراب بمثابة شهود ينقلون تفاصيل ما يعيشه جيلهم من إحباطات وتطلّعات”.

لكنّ الراب الجزائري لم يستمر على هذا الحال، فمع مرور الوقت، تراجع دوره كصوت يعبّر عن مشاكل الشارع، ليتحوّل إلى موسيقى تجارية هدفها الأول هو الربح والأرقام. ومع هذا التحوّل، ظهرت موجة جديدة وجدت في الهجوم على النساء والنسويات أسهل طريق لجمع المشاهدات، وهو أمر يُشبه تماماً ما حدث لـ الراب في أمريكا، موطنه الأصلي، عندما تحوّل إلى تجارة. 

وفي هذا السياق، يتقاطع تحوّل الراب مع صعود ما يُعرف بـ”الثقافات الفرعية الذكورية”. وحسب الباحث أحمد عبده الذي جاء ذكره في مقال الثقافات الفرعية المنحرفة والثقافات الفرعية الأخرى للباحثة خليفي حفيظة، فإنّ هذه الثقافات الفرعية تشكّل “أنساقاً متماسكة تصنع عالمها الخاص داخل الثقافة العامة للمجتمع”؛ وهي تماماً الديناميكية التي تغذي ثقافة الـ”Bro” (الأخوة الذكورية المغلقة) والتي تُعرّفها الصحفية الأميركية آن فريدمان في مقالها على موقع The Cut بأنها “بنية رقمية واجتماعية نشأت بالأساس كمجموعات تستهدف النساء”.

في الحالة الجزائرية، تترجم هذه “الثقافة الفرعية” على أرض الواقع من خلال خلق لغة مشفرة وقوانين شارع جديدة يتزعمها مغنو الراب؛ حيث يتحول العداء المشترك للحراك النسوي وإهانة المرأة إلى “شرط انتمائي” وصك عبور يثبت من خلاله المراهق رجولته وولاءه للمجموعة (The Bro)، مما يمنح هذه الفئات شجاعة جماعية وهمية لاختراق المساحات الآمنة للنساء وتحويل الفضاء العام إلى بيئة معادية.

يُشير مقال نُشر في موقع منشور بعنوان “عنف الإيقاع والقافية: إيمينيم يكره الجميع، لكنّه يكره النساء أكثر” (ترجمة مريم ناجي)، إلى أنّ “اللغة في الراب الأمريكي غدت عنيفة ومبتذلة تاريخياً كانعكاس للحياة الصعبة في الأحياء الفقيرة، حيث الجريمة والعنف جزء من اليوميات. لكن شركات الإنتاج سرعان ما حوّلت هذا العنف الاجتماعي إلى معادلة تجارية موجهة ضدّ النساء”. 

وفي هذا السياق، أصبح بعض مغنّيي الراب يُشيرون إلى النساء كأدوات جنسية كوسيلة لاستعراض الفحولة وإثبات الرجولة. ولعلّ النموذج الأبرز لهذه الجدلية العالمية هو “إيمينيم”؛ الذي اقتحم وسطاً يُسيطر عليه السود ليُصبح أحد أبرز رموز الراب. لكن خلف هذه العبقرية الفنية، تتدفّق كراهية واضحة للنساء في معظم أغانيه؛ وتظلّ أغنيته الشهيرة “Kill You” واحدة من الأعمال التي تكرّس العنف اللفظي ضدّ النساء بكلماتها الصادمة.”

لذلك، يُمكن القول أنّ تحوّل كراهية النساء إلى تجارة سائدة عابرة للحدود، تُساهم في زرع هذه الأفكار في عقول المراهقين على أنها علامة قوّة وتميّز؛ فاللغة التي ولدت في الأصل كصرخة تحرّر ضدّ التهميش والظلم الاجتماعي، تحوّلت اليوم إلى أداة يوجّهها الصنّاع والجمهور معاً لمحاصرة النساء في الفضاء العام.

عندما تتحوّل كلمات الأغاني إلى تهديد يومي

إنّ التحوّل الذي مسّ الراب الجزائري يجد آثاره المباشرة في الحياة اليومية التي تعيشها النساء. وفي هذا الصدد، تُصرّح شيماء (25 سنة) لمنصة “هنَّ” قائلة: “من حقّي أن أتنقل في مكان لا أُجبر فيه على سماع كلمات بذيئة أو رسائل تقلّل من احترام النساء وتطبّع مع الإهانة والعنف اللفظي. هذا الجو يجعل المكان أقلّ أمانًا ويؤثّر على إحساسي بالراحة”.

وتُشير شيماء إلى انتقال هذا التلوّث السمعي إلى سلوك ملموس بين الشباب الذين باتوا يقلّدون هذه الألفاظ والعبارات في حياتهم اليومية: “أصبح استعمال الشتائم أو الكلمات الجارحة أكثر انتشارًا وكأنّه أمر عادي، وهو ما يُساهم في نشر ثقافة عدم الاحترام، ويؤثّر سلبًا على أخلاق المجتمع، خاصّة بين الشباب”.

كما أنّ هذا التطبيع اللفظي، يتحوّل لدى الفئات الأصغر سناً إلى ممارسات يومية على أرض الواقع؛ وهو تماماً ما تراه هبة (19 سنة) في يومياتها، حيث تروي لمنصة “هنَّ” تجربتها: إنّ “انتشار هذه الأغاني بين الشباب والمراهقين —وهم الفئة المستهدفة بالأساس— لم يعد مجرد تسلية، بل تحوّل إلى تهديد أمني مباشر ومحاولة لفرض وصاية مجتمعية على أجسادنا، وبخاصّة الفتيات اللواتي لا يرتدين اللباس المتوقّع مجتمعياً. أنا أعيش في حالة توتّر مستمر، وأحاول دائماً تفادي أيّ تواصل معهم في وسائل النقل أو الأماكن العمومية خوفاً من التحرّش أو التحريض ضدّنا”.

وتسترسل هبة في تفكيك سلوك هؤلاء الشباب من واقع تجربتها: “تلك الأغاني توهمهم أنّ تواجد النساء في الفضاء العام ولباسها هو دعوة أو مبرّر لتصرفاتهم، وتمنحهم شعوراً وهمياً بالقوة يبرّر سلوكياتهم في الشوارع، الشواطئ، والمحطات، وصولاً إلى الفضاء الافتراضي”.

وفي تشخيصها لأبعاد هذا التهديد، تعتبر الناشطة النسوية أوكريد شريفة في تصريحها لمنصة “هنَّ”: “أنّ الأثر المباشر يظهر في عدة مستويات، أبرزها التطبيع مع العنف الرقمي، حيث تسمح هذه المحتويات بتمرير مفردات مسيئة في أوساط المراهقين وكأنّها لغة تواصل عادية لا تستوجب الردع أو الشعور بالذنب، كما تحرّض بعض الأغاني على التحرش بالنساء كأداة للضبط الاجتماعي، وتعزّز في المراهقين شعوراً مزيفاً بالوصاية على أجساد النساء. وما يغذي هذه الجرأة هو غياب الخوف من العواقب الاجتماعية، نظراً لوجود خلفية رقمية تحتضنهم وتمنحهم شجاعة جماعية وهمية تتمثّل في التفاعلات والإعجابات على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وتسترسل أوكريد مؤكّدة على وجود علاقة طردية واضحة بين زيادة التحرّش في الشارع والشجاعة التي تمنحها هذه المنصات للمراهقين؛ لأنّ الشارع أصبح امتداداً للمنصّة الرقمية. فعندما يُشاهد المراهق أنّ مغنيه المفضّل يحصد ملايين المشاهدات وهو يقلل من قيمة النساء، يُترجم ذلك في وعيه كضوء أخضر لممارسة السلوك نفسه لإثبات الذات والاندماج مع ثقافة “الرجلة”. 

وتختتم فكرتها بالإشارة إلى أنّ هذه الأعمال تساهم في تشويه مطالب النساء القانونية والاجتماعية عبر تصويرها كأدوات دخيلة تهدف لتفكيك الأسرة، مما يحوّل حقوق النساء إلى مادة للسخرية و”تريند”، وبالتالي تحويل القضية العادلة إلى هدف للهجوم لإثبات الانتماء لثقافة الشارع.

الحبّة الحمراء: من الفضاء الافتراضي إلى الشارع الجزائري 

خلف هذا الاندفاع الشبابي وشجاعته الرقمية الوهمية في الشارع، تقف أيديولوجيا منظمة وعابرة للحدود؛ إذ تُعرّف الباحثة الأمريكية في الدراسات الكلاسيكية “دونا زوكربيرغ”  تيّار الحبة الحمراء في كتابها “ليس كل الرجال موتى” بأنّه حركة رقمية تجمع فئات من “الذكوريين” والمناهضين للحركة النسوية وحقوق النساء. وتوضّح الباحثة أنّ هذا التيار، الذي برز بشكل لافت سنة 2014، يتكوّن في أغلبه من فئات شابة تستخدم الفضاء الافتراضي لنشر خطاب هجومي ومنظم ضد النساء.

هذا التيار الرقمي العنيف، بات يجد أصداءه وتطبيقاته الملموسة في الجزائر؛ فبحسب مقال نُشِر في الوسيلة الإعلامية “الشروق” للصحفية ليلى حفيظ، فإنّ هذا الفكر لم يعٌد مجرد ظاهرة عابرة. وتذكر الصحفية أنّه منذ فترة ليست بالقصيرة، باتت تظهر مناشير فيسبوكية تُهين وتحتقر النساء بطريقة بغيضة مقيتة وغريبة، عبر صفحات تحمل أسماء دالّة على مضامينها مثل: “لا تتزوج”، و”الرجال الجدد في المدينة”، و”العازفون عن الزواج”، و”ميغتاو”، و”ما نتزوجوش”.

وتُضيف الصحفية ليلى حفيظ في مقالها، أنّها في البداية اعتقدت أنّ الأمر اعتباطي ولا يعدو كونه صفحات ترفيه وتسلية وما يتم نشره فيها مجرد نكت ودعابات، لكن مع الوقت، تأكّد لها أنّ الأمر جدي تماماً. ونشر تلك الأفكار المناهضة والمحاربة للنساء عموماً وللنسوية خصوصاً، هو عمل ممنهج يقوده أفراد من مجتمع افتراضي منظم يُدعى “الريد بيل” أو “الحبة الحمراء”.

و لقراءة هذا التغلغل الفكري وأبعاده الاجتماعية، تُفكّك الباحثة في علم الاجتماع العام، فاطمة بن سليمان، هذه الديناميكية في تصريحها لمنصة “هنَّ”: “أصبحت كراهية النساء بالنسبة لبعض مغنيي الراب والفنانين مادة سهلة للتسويق، والأخطر أنّ الغضب الذي كان يُوجَّه سابقاً نحو التهميش والبطالة والأزمات، أصبح في بعض الحالات يُعاد توجيهه نحو النساء”. 

سوسيولوجياً، تضيف الباحثة، “هذه ليست ظاهرة جديدة؛ ففي أوقات الأزمات غالباً ما تُحمَّل الفئات الأقل قوة مسؤولية مشكلات لا تملك صنعها. وهكذا تتحوّل النساء إلى “كبش فداء” يُستثمر في مهاجمته لتحقيق الشهرة والتفاعل، بدلاً من توجيه النقد إلى البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج الإحباط أصلاً”.

وتستطرد بن سليمان قائلة: “نجاح خطاب ‘الحبة الحمراء’ في الجزائر وجد بالأساس أرضية اجتماعية خصبة ينمو فيها؛ ولهذا فإنّ هؤلاء الفنانين لم ينقلوا الخطاب بحذافيره، بل أعادوا صياغته بما يتماشى مع الثقافة المحلية وربطوه بقيم ومعتقدات موجودة مسبقاً حول أدوار الجنسين، ليقدموا للشباب الذين يعيشون ضغوطاً اقتصادية أو أزمات هوية تفسيراً بسيطاً لمشكلات معقّدة. فبدلاً من مناقشة الأسباب البنيوية الحقيقية، يُقنع الشاب بأنّ النساء أو النسوية هنّ سبب معاناته، ممّا يجعل هذا الخطاب جذاباً وسهل الانتشار لأنّه لا يقدم حلولاً، بل يقدم عدواً”.   

وتُحذّر بن سليمان من الأثر التراكمي: “الخطورة الحقيقية هنا لا تكمن في أنّ أغنية واحدة قد تغيّر سلوك شخص، بل في التكرار اليومي والسمعي الذي يجعل خطاب إهانة النساء يبدو طبيعياً عبر الأغاني والمنصات والنكات المتداولة، ممّا يزحزح حدود المقبول اجتماعياً لتتحوّل الإهانة إلى ‘مزحة’ والاحتقار إلى ‘رأي’، وتُصبح كراهية النساء وسيلة لإثبات الانتماء وإظهار الرجولة أمام الأصدقاء”.

الخوارزميات تُضخّم كراهية النساء 

بالعودة إلى رصد أغاني الراب التي جعلت من معاداة النسوية مادّة أساسية لبناء هويتها الفنية، تبدو لغة الأرقام ونسب المشاهدة دليلاً مادياً على ارتباط هذا الخطاب بالنجاح التجاري؛ فالمغني “يوبي” (Youppi) حصد نحو 750 ألف مشاهدة في أغنيته التي تحمل عنوان “فيمينيزم” (Feminism) والمخصصة بالكامل لمهاجمة الحركة النسوية. 

أما المغني “تراب كينغ” (Trap King)، فقد نالت أغنيته “Coherent” أكثر من 13 مليون مشاهدة، متضمّنة شتائم صريحة في ظل عدد كبير من تعليقات المعجبين التي تُبارك كلماته. ولم يتوقف الأمر عند حدود الشتم اللفظي، بل تحوّل إلى استعراض بصري؛ ففي أغنيته “Funking” التي حقّقت حوالي 7 ملايين مشاهدة، تضمن النص إساءات مباشرة للنساء، بينما ظهرت في الفيديو كليب عارضات يرقصن حوله، كآلية لإثبات القدرة على الجمع بين شتم النساء وإشراكهن في العمل في آن واحد، وهو ما عكسه تفاعل الجمهور في التعليقات بوصفه “إذلالاً للنسويات”، ليقول أحدهم “تحية كبيرة لهذا الرابور الذي أذل النسويات.. يشتمهن ويذلهن وهنّ يرقصن حوله”. 

وفي السياق ذاته، قدّم المغني “MK” في أغنيته “نوبة ذعر” (مليون ونصف مشاهدة) عملاً يتضمّن شتم و تشيئ لأجساد النساء، وقذفاً بأبشع الصفات وسط تفاعل لافت في التعليقات.

هذا التلازم الشرطي بين خطاب الكراهية والمشاهدات المرتفعة يطرح تساؤلات جوهرية حول دور خوارزميات المنصّات الرقمية في مكافأة المحتوى الاستفزازي. و لقراءة هذه الجدلية التقنية والاجتماعية، تُفكك الباحثة في علوم الإعلام والاتصال (تخصّص ميديا ومجتمع)، ياسمين صفوان، أبعاد الظاهرة لمنصّة “هنّ” قائلة: “إنّ خوارزميات منصّات التواصل الاجتماعي لا تهتمّ بالمعايير الأخلاقية للمحتوى، بل تركّز حصراً على مدّة بقاء المستخدم وحجم تفاعله. فكلّما أثار الفيديو الغضب أو الصدمة، زادت التعليقات والمشاركات، ممّا يدفع الخوارزمية لاعتباره محتوى ‘ناجحاً’ وتقترحه على نطاق أوسع. ولهذا نجد مقاطع مليئة بالإهانات تحقّق ملايين المشاهدات بينما يختفي المحتوى المتوازن بسرعة”. 

وتُضيف صفوان: أنّ”بعض مغنّيي الراب يدركون جيداً أنّ إثارة الغضب وصفة تسويقية مضمونة تجلب المشاهدات المليونية والأرباح الإعلانية، مما يحوّل العنف اللفظي ضد النساء إلى أداة استثمارية بحتة فيما يُعرف بـ”اقتصاد البوز” أو “اقتصاد الترند”، حيث ترتبط قيمة المحتوى بقدرته على الاستفزاز وليس بجودته”.

وتشير الباحثة إلى “عائق تقني ونفسي آخر يُعرف بـ”الفقاعة الرقمية”؛ فعندما يشاهد الشاب مقاطع تهاجم النساء أو تتبنى فكر “الريد بيل” ويتفاعل معها، تبدأ الخوارزمية باقتراح المزيد من المحتوى المشابه. وبعد فترة، ينعزل داخل دائرة مغلقة توهمه بأنّ المجتمع كلّه يتبنى هذه الأفكار؛ بينما الحقيقة أنّ ما يراه هو مجرّد كسر صغير اختارته له الخوارزمية، ممّا يغذي التعصّب تجاه النساء”.

ومع ذلك، تختتم ياسمين صفوان تصريحها بتفكيك وهم الأغلبية ووضع الحل البديل: “المجتمع الجزائري ليس كتلة صماء؛ فهناك فئات واسعة ترفض خطاب الكراهية وتدافع عن الاحترام المتبادل، ولا ينبغي إسقاط ما نراه على ‘تيك توك’ أو ‘يوتيوب’ على الواقع بأكمله، لأنّ الخوارزميات تضخّم الأصوات الصادمة وتخفي الأصوات الهادئة”. 

وتكمن المشكلة في إلتقاء خوارزميات تبحث عن التفاعل، وصنّاع يبحثون عن الشهرة، وجمهور يتفاعل مع الصدمة؛ ولهذا أصبح من الضروري اليوم تعزيز التربية الإعلامية والوعي الرقمي لدى الشباب لكسر هذه التبعية الفكرية”.

وتجمع كافّة المصادر التي استشارتها منصّة “هنَّ” على أنّ تنامي خطاب كراهية النساء في الراب الجزائري ليس مجرد صدام عابر للأجيال أو مجرّد أذواق موسيقية مختلفة، بل هو انعكاس لتقاطع بين ثلاثة عوامل؛ خوارزميات رقمية تبحث عن التفاعل، وصُنّاع محتوى يترجمون الغضب الاجتماعي المتراكم إلى مكاسب تجارية سريعة، وأرضية اجتماعية هشّة تُعاد فيها صياغة الأفكار العابرة للحدود لتبرير كراهية النساء؛ ليتحوّل الشارع الرقمي في النهاية إلى امتداد ليوميات تشحن العنف ضدّ النساء، إما من خلف الشاشات أو في الواقع على حد سواء.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • الخادمات المنزليات.. إستعبادٌ للقاصرات في المغرب 

    رغم دخول قانون يمنع تشغيل خادمات المنازل اللواتي لم يبلغن سن الرشد؛ حيز التنفيذ في أكتوبر من السنة الماضية، إلا أن هذا القانون لم يجد طريقه بعد إلى التطبيق، بحيث لاتزال العديد من الأسر المغربية، تشغل القاصرات المنحدرات من القرى والبوادي، وتلك صورة يصفها الكثير من المدافعين عن حقوق الإنسان بأنها "عبودية حديثة". وجعل هذا…

    Hounna | هنّ|

  • طالبات فاس ينتفضن من أجل تحسين النقل والسكن  

    في مشهد يعكس عمق الأزمة التي تعيشها الجامعة المغربية، عرفت مدينة فاس خلال بداية الموسم الجامعي 2025 موجة جديدة من التحركات الطلابية قادتها طالبات الأحياء "الجامعية سايس 1 و3"، إلى جانب  طالبات ينتمين إلى "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب" و"النهج الديمقراطي القاعدي"، تنديدا بالأوضاع المزرية التي تعرفها البنية التحتية لمؤسسات السكن الجامعي العمومي.  وجاءت هذه التحركات…

    شادي بخاري|

  • تمييز “جندري”: جزائريات يُستبعدن من الترقية والمناصب القيادية

    عام 2012، أُطلق على البرلمان الجزائري اسم برلمان "الحفافات" أو "مصففات الشعر"؛ وهي تسمية أُطلقت على برلمانيات سابقات فزن في الانتخابات عبر نظام الكوتا النسوية، لأنّ كثيرين رأوا نجاحهن في الانتخابات لا يستند إلى كفاءة أو حضور سياسي كافٍ. جاء نظام الكوتا النسائية ضمن الإصلاحات الدستورية لعام 2008، الهادفة إلى تعزيز مشاركة المرأة سياسياً؛ إذ صدر القانون العضوي…

    ماجدة زوين|

  • صمود عاملات”سيكوميك” يتقاطع مع الشارع.. عندما يصبح نضال العاملات قاطرة للتحركات الشبابية

    نظمت عاملات "سيكوم/ميك" يوم الإثنين الماضي احتجاجاً جديداً على عدم الاستجابة لمطالبهنَ المشروعة وعلى سياسة الظلم والمماطلة المستمرة.  وتأتي هذه الاحتجاجات ضمن سلسلة تحركات متواترة، تأكيداً لإصرار عاملات وعمال "سيكوميك" في مكناس على الحصول على حقوقهم كاملة. وتُعتبر قصة عاملات "سيكوميك" في المغرب واحدة من أبرز فصول النضال العمالي الطويل في قطاع النسيج، حيث تجسد…

    أميمة عدواني|