
في زمنٍ تتداخل فيه المعاناة بالرسالة، تبرز قصة الدكتورة وردة، طبيبة الأسرة التونسية المتخصصة في طب الحروب والكوارث، كأحد الرموز المضيئة للنضال الإنساني من أجل فلسطين.
هذه طبيبة لم يكن اختيارها للطب مجرد قرار مهني، بل كان انحيازًا أخلاقيًا ووجدانيًا؛ تجاه قضية آمنت بها منذ طفولتها، أو كما تصفها هي لمنصة “هنَّ”، بـ”المتلازمة التي لا تفارقني”.
من الرياضيات إلى الطب.. التحول الكبير
كانت وردة متفوقة في اختصاص الرياضيات خلال المرحلة الثانوية، وكان من المنتظر أن تواصل دراستها في الهندسة؛ غير أن “حرب الفرقان” (2008-2009) التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، شكلت لحظة مفصلية في حياتها.
“غيّرت هذه الحرب كل مخططاتي” تقول وردة،وهي تسرد لـ“هنَّ” كيف شاهدت بأم عينيها “فظاعة الدمار والموت، وشعرت بأن مكاني ليس في الهندسة، بل في صفوف الأطباء الذين يسعفون الجرحى وسط الحروب والدمار”.
تخصص نادر من أجل واقع قاسٍ
اختارت الدكتورة وردة أن تتخصص في طب الحروب والكوارث، وهو مجال يُعنى بتأهيل الأطباء للتدخل الفعّال في حالات الحرب والكوارث الطبيعية، حيث تُتخذ القرارات في بيئة فوضوية ووسط نقص حاد في الموارد.
منحها هذا التخصص نظرة طبية شاملة تجاه ما يجري في غزة، حيث تشير إلى جرائم صحية ممنهجة، منها استهداف الطواقم والمنشآت الطبية، إضافة إلى تشويه النسل بفعل التعرض للأسلحة والمواد الكيميائية، وهو ما يؤدي إلى عيوب خلقية لدى الأجنة.
وتؤكد الدكتور وردة على أنها “كارثة تتجاوز الحاضر لتهدد مستقبل أجيال كاملة”.
أكثر من شعارات: دعم فعلي ومستمر
دعم الدكتورة وردة للقضية الفلسطينية لا يقتصر على الشعارات، فهي سفيرة “منظمة سمير” البريطانية، التي تعمل على دعم الطلبة والقطاع الصحي في غزة عبر التعليم عن بعد، تقديم المعدات الطبية، وتوفير المساعدات الإنسانية.
ومن تونس، تتكفل وردة بالتعريف بالمنظمة، وجمع التبرعات، وتأمين الدعم اللوجستي لطلبة الطب وعائلاتهم.
وتشدد على أن انخراطها في القضية هو “التزام كامل، لا أتوانى عن تقديم أي شيء يمكن أن يساعد غزة”.
تجربة “الحراك العالمي إلى غزة”
رغم كونها أمًا وزوجةً، لم تتردد الدكتورة وردة في المشاركة في “Global March to Gaza”، وهي مبادرة عالمية لكسر الحصار عن غزة عبر معبر رفح.
لكن الرحلة التي بدأتها من تونس إلى مصر كانت محفوفة بالمخاطر؛ حيث تعرضت، إلى جانب بقية المشاركين، للملاحقة، والمنع، والاعتداء من قبل السلطات المصرية.
عن تلك التجربة تقول وردة لـ“هنَّ”، “تم ترحيلنا إلى القاهرة، تمت ملاحقتنا ومراقبتنا، اضطررت حتى لمغادرة الفندق نحو إقامة سرية”.
ولكن ورغم كل شيء، تعتبر وردة أن هذه التجربة زادت من إصرارها على مواصلة الطريق.
نحو غزة… بحرًا
اليوم، تستعد الدكتورة وردة لمرحلة جديدة من نضالها، حيث ستشارك في “أسطول الحرية 4” (Global Soumoud Flotilla 4) ضمن فريق السلامة الطبية، وهي مبادرة دولية تهدف إلى كسر الحصار عن غزة عبر البحر، وتوصيل المساعدات الطبية والإنسانية.
في هذه الرحلة، ستكون وردة مسؤولة عن تقديم الرعاية الصحية للمشاركين على متن السفن، وسط ظروف مناخية وبحرية صعبة، ما يتطلب جهوزية تامة وتدريبًا عاليًا.
التزام لا يتزعزع
في كل محطة من حياتها، تثبت الدكتورة وردة أن الطب قد يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة، وأن الانحياز للحق لا يكون بالشعارات فقط، بل بالفعل والممارسة اليومية. إنها لا ترى في القضية الفلسطينية مجرد تضامن، بل تعتبرها قضيتها الشخصية.
“القضية الفلسطينية ليست خيارًا سياسيًا، إنها التزام إنساني وأخلاقي… إنها روحي”، تختم الدكتورة.


















