خُلّد عيد الشغيلة في الفاتح من ماي بالمغرب بطعم المرارة والخذلان، فبعد خمس سنوات من تولّي الحكومة الحالية مسؤوليتها في تدبير الشأن العام، وهي فترة تميّزت برهانات كبرى وشعارات طموحة؛ في مقدمتها بناء “الدولة الاجتماعية”، وتعزيز القدرة الشرائية، وتحقيق العدالة المجالية؛ مازالت السمة الغالبة هي غلاء المعيشة، بل تراجعت المقدرة الشرائية، وزاد تأثير تضارب المصالح، فضلا عن بطء تنزيل بعض الإصلاحات أو محدودية أثرها على الفئات الهشّة.
ولم تخلُ هذه الولاية الحكومية من تحديّات عميقة، فرضتها تحولات دولية متسارعة، وارتفاع معدلات التضخم، وتداعيات أزمات اقتصادية عالمية أثرت بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للمواطنين والمواطنات، لكن بالمقابل كل الإصلاحات التي تدّعيها الحكومة لم تحقّق نتائج إيجابية للشعب في العموم، ولا تزال الهشاشة تخيّم على فئات واسعة منه.
واكبت منصة “هنَّ” فعاليات فاتح ماي بالرباط، وساءلت قيادات حقوقية ونقابية لتقييم خمس سنوات من عمل الحكومة، فكان الإجماع على ضعف مكتسبات الحوار الاجتماعي، كما أنّ واقع النساء لم يشهد التحوّل المأمول، خصوصا في ما يتعلّق بالمشاركة الفعلية في مواقع القرار، سواء داخل المؤسسات المنتخبة أو داخل آليات الحوار الاجتماعي، حيث يظل حضور النساء محدوداً مقارنة بمكانتهنّ داخل سوق الشغل والمجتمع، كما تُطرح باستمرار إشكالات تتعلّق بالفوارق المهنية والأجرية، وصعوبة الولوج إلى مناصب المسؤولية، واستمرار مظاهر الهشاشة في بعض القطاعات التي تشغل فيها النساء نسبا مهمة.
فاتح ماي يسائل الأحزاب والنقابات والحكومة حول مواقع النساء العاملات
في تصريح لمنصة “هنَّ”، قالت خديجة هدي، رئيسة اللجنة المركزية للعمل النسائي بنقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، إنّ “العيد الأممي للطبقة العاملة، يطرح العديد من الأسئلة على الأحزاب السياسية حول ما قدّمته للنساء المنتميات للطبقة العاملة ، وما إذا كانت تتوفر على برامج تمييزية أو دفعات تمييزية تُمكّن النساء من الوصول إلى مواقع صنع القرار داخل الهيئات المقرّرة للأحزاب والمنظمات النقابية، عن تموقع النساء في هياكلها التنظيمية، ومشاكلهن في البرامج النقابية، ويسائل أيضا الحكومة عن القرارات التي اتخذتها لإنصافهن”.
وأضافت خديجة هدي أنّ “تموقع النساء داخل الهياكل المقررة لهذه المنظمات يظل إشكالا قائما، مشيرة إلى أنّ حضورهن داخل الحوار الاجتماعي ضعيف، حيث إنّ أغلب المشاركين في جلسات الحوار مع المسؤولين الحكوميين من الرجال، وقد تغيب النساء بشكل كامل أحياناً، وهو ما يؤدّي إلى تغييب همومهن، ومشاكلهن سواء في القطاع الخاص أو العام”، معتبرة أنّ “هذا الوضع يطرح تساؤلات على مختلف المنظمات النقابية”.
وأوضحت المتحدّثة ذاتها أنّ “الحكومة وباعتبارها الشريك الثالث والفاعل الأساسي الذي يجمع بين الأحزاب والنقابات، تتحمّل بدورها المسؤولية، إذ إنّها الجهة التي تقرر، وتمأسس، وتتحكّم في مختلف المسارات”.
وتضيف أنّ “فاتح ماي يسائل الحكومة الحالية، التي قدمت نفسها كحكومة كفاءات وحكومة دولة اجتماعية، غير أنّه “بدأ يُنظر إليها كحكومة تضارب المصالح وحكومة “الفراقشية” في كل شيء”.
وأشارت إلى أنّ “هذه الحكومة، وبالرغم من وجود نساء ضمن مكوناتها، لا تعطي أهمية كافية لأوضاع النساء، معتبرة أن النساء، اللواتي يشكلن نصف المجتمع، لا يتم استحضارهن إلا في المناسبات أو في سياقات مرتبطة بالمنظمات الدولية”.
كما أكّدت على أنّ “محطة فاتح ماي تظل مناسبة لتقييم مدى التزام مختلف الشركاء، من أحزاب سياسية ومنظمات نقابية وحكومات متعاقبة، بما يرفعونه من شعارات”، معتبرة إياها تمرينا تطبيقيًّا حقيقيا لما يؤمنون به.
وزادت قائلة “إنّ النساء الموظفات والأجيرات تعانين الويلات في غياب الدعم في العمل”، مؤكّدة على أنّ “النساء تجدن أنفسهن عرضة للإهانة، والتحرش لحفظ مواقعهن. والدليل ما يحدث بالضيعات الفلاحية، حيث فقدت أجيرة جنينها بسبب تسلّط مسيري الشركة، هذا بالإضافة إلى ما تعانينه في المزارع الفلاحية، في شركات المناولة، وفي شركات الكبلاج النساء مثل “الروبو”..، ولا رقيب وفي غياب تام لتطبيق فصول مدونة الشغل، ففي القطاع الخاص يرفض المشغلون الحوامل.
وأضافت: “ليست هناك تكافؤ الفرص في ولوج المناصب العليا، متاعب نفسية تتكبدها النساء في صمت، دون أن تتحرّك الحكومة إلى إنصافها، فما تطلبه النساء فقط منحهن كل الحقوق التي تستحقنها، العيش الكريم، وإصلاح القوانين المجحفة في حقهن من قبيل مدونة الأسرة”.
مكتسبات جزئية مقابل تفاقم مؤشرات الهشاشة الاجتماعية
أوضحت فاطنة أفيد، عضو المجلس الوطني للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وخبيرة في الهجرة والنوع الاجتماعي في تصريح لمنصة “هنَّ” أنّ “المغرب عرف خلال السنوات الخمس الأخيرة جولات متعددة من الحوار الاجتماعي بين الحكومة، والمركزيات النقابية، في سياق اقتصادي واجتماعي اتسم بتحديات متزايدة، من تداعيات الجائحة، إلى موجة التضخم، وارتفاع كلفة المعيشة”، مشدّدة أنه “بالرغم من بعض المكتسبات إلا أن تقييم هذه المرحلة يكشف عن فجوة واضحة بين ما تحقق فعليا، وما تطمح إليه الطبقة العاملة”.
وفيما أبرزت أن المكتسبات المحققة تبقى جزئية، مقابل تفاقم مؤشرات الهشاشة الاجتماعية، شددت فاطنة أفيد على أن “بناء دولة اجتماعية حقيقية يمر عبر إعادة توجيه السياسات العمومية نحو العدالة الاجتماعية، ووضع الكرامة الإنسانية في صلب الاختيارات الاقتصادية، فالأرقام مهما كانت دقيقة، تظل بلا معنى إن لم تنعكس إيجاباً على حياة المواطنات والمواطنين”.
وأفادت المتحدثة ذاتها أن “مجموعة من المطالب الأساسية دون استجابة كافية، من بينها إقرار زيادة حقيقية في الأجور تراعي غلاء المعيشة، إرساء عدالة ضريبية فعلية، عبر فرض ضريبة على الثروة وتخفيف العبء عن الأجراء والأجيرات، ربط الامتيازات الجبائية بخلق الشغل اللائق، تعزيز الخدمات العمومية، خاصّة في الصحة والتعليم، وضمان حماية اجتماعية شاملة ومنصفة”.
وزادت قائلة إن “الحوار أسفر عن مكتسبات من قبيل الرفع من الحد الأدنى للأجور (SMIG) بنسبة بلغت 15.5 بالمائة، إلى جانب تحسينات جزئية في بعض التعويضات الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية الإجبارية، كما تم توقيع عدد من الاتفاقات القطاعية التي همّت فئات معينة من الأجراء والأجيرات”.
غير أن هذه الإجراءات، تضيف أفيد “ورغم أهميتها، ظلت محدودة الأثر أمام التحولات الاقتصادية العميقة؛ فالتضخم التراكمي ما بين 2022 و2025 بلغ حوالي 15 بالمائة، ما جعل التحسن الحقيقي في القدرة الشرائية لا يتجاوز 0.4 بالمائة، وهو رقم يعكس تآكل الزيادات الأجرية أمام ارتفاع الأسعار”.
كما أشارت إلى أن المعطيات التي قدمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT) في تقريرها حول “البارومتر الاجتماعي 2025” تؤكد أن الوضع الاجتماعي لا يزال مقلقاً، مما يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات العمومية في خلق فرص شغل لائقة، خاصّة في ظل ما يسمى بـ”مفارقة النمو”، حيث تبقى قدرة الاقتصاد على خلق مناصب الشغل ضعيفة جداً (مرونة تشغيل لا تتجاوز 0.05 بالمائة).
النساء العاملات.. هشاشة مضاعفة وحقوق غير مكتملة
القيادية والحقوقية فاطنة أفيد أبرزت أيضا أنه “لا يمكن الحديث عن الحصيلة الاجتماعية دون التوقف عند وضعية النساء العاملات، التي تعكس بدورها اختلالات عميقة في السياسات العمومية. فرغم بعض المبادرات، ما يزال المغرب لم يصادق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190، وهي اتفاقية أساسية لحماية النساء من العنف والتحرش في أماكن العمل، ناهيك عن العنف الرقمي الذي أصبح يشكل خطرا كبيرا على النساء وأسرهنّ”.
وأفادت أنّ “النساء تواجه وضعية مركبة، حيث لا يقتصر الأمر على الهشاشة في سوق العمل، بل يمتد إلى ‘ازدواجية العمل’، إذ تتحمل النساء أعباء العمل المنزلي غير المؤدى عنه، رغم ما يتطلبه من جهد يومي يساهم في إعادة إنتاج الحياة الاقتصادية والاجتماعية، دون أي اعتراف أو احتساب اقتصادي، كما أن صورة النساء في الإعلام لم تعرف التحول المنشود، إذ لا تزال الصور النمطية حاضرة بقوة، مما ينعكس سلباً على ترسيخ مبدأ المساواة. ويزداد الوضع تعقيداً في ظل غياب إدماج فعلي للتربية على المساواة داخل البرامج التعليمية، وهو ما يحرم الأجيال الصاعدة من بناء ثقافة قائمة على الإنصاف وتكافؤ الفرص”.
وتؤكد الأرقام المرتبطة بالعنف ضد النساء، بما في ذلك العنف الرقمي، حسب المتحدثة ذاتها، أنّ “الظاهرة مازالت مقلقة، وتسجل مستويات مرتفعة، في غياب سياسات وقائية فعالة وآليات حماية كافية”.
وشددّت على أنّ “وضعية النساء العاملات تحتاج لتحقيق المساواة الفعلية في المستويات، حيث المساواة في الأجور، تعميم الحماية الاجتماعية على كل العاملات، خاصّة في القطاعات الهشة، تجريم فعلي للتحرش في أماكن العمل، وتوفير آليات إنصاف حقيقية للضحايا، ظروف عمل إنسانية تحفظ الكرامة، وتضع حداً للاستغلال، الاعتراف بالعمل المنزلي كعمل اقتصادي له قيمة، ووضع سياسات تدعمه، وتمكين النساء من مواقع القرار، لأن من لا يُمثَّل لا يُنصف”.
“ملفات ساخنة” مطروحة على طاولة التفاوض
في تصريح لمنصة “هنَّ”، اعتبرت سليمة زيداني، المستشارة البرلمانية عن فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمجلس المستشارين، إنّ “محطة تقييم مسار الحوار الاجتماعي خلال السنوات الخمس الأخيرة تكتسي طابعا مفصليا، ووصفت هذه الولاية بأنها ولاية التأسيس والوفاء بالالتزامات”، رغم ما اعترضها من هزات اقتصادية عالمية وتحديات ضخمة غير مسبوقة.
وأضافت أنّ الفريق، ومن خلال موقعه الترافعي داخل مجلس المستشارين وبفضل المقاربة التشاركية، نجح في “انتزاع مكتسبات تاريخية” استجابت لانتظارات الشغيلة المغربية، مشيرة إلى أنّ أبرز هذه المكتسبات تمثلت في مأسسة الحوار عبر اتفاقي 30 أبريل 2022 و29 أبريل 2024، واللذين أسفرا عن زيادة عامة في الأجور بقيمة 1000 درهم (ما يعادل 100 يورو)، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجر في القطاعين الصناعي والفلاحي، فضلا عن إصلاح ضريبي على الدخل من المرتقب أن يعزّز المقدرة الشرائية ابتداء من يناير المقبل”.
وفي المقابل، أبرزت أن هذه الحصيلة الإيجابية “لا تعني الانتشاء أو التوقف”، مشيرة أن هناك ملفات وصفتها بـ”الساخنة” مازالت مطروحة على طاولة التفاوض وتشكل خطوطا حمراء لا تقبل التأجيل.
وأوضحت في هذا السياق أن قانون الإضراب يظل من بين أبرز هذه القضايا، مشددة على رفض أي نص تشريعي من شأنه “تفريغ هذا الحق الدستوري من محتواه أو تكبيله”، ودعت إلى قانون يضمن حماية الأجير والأجيرة وتوازن القوى.
وبخصوص إصلاح أنظمة التقاعد، أفادت المتحدثة ذاتها أنه يجب ألا يتم “على حساب الفئات الهشة أو المكتسبات التاريخية للمنخرطين والمنخرطات”، مؤكدة على ضرورة أن يكون إصلاحا شموليا وتضامنيا، وسجلت كذلك رفضها لما وصفته بـ”استمرار التضييق على العمل النقابي في بعض القطاعات”، مطالبة بتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة داخل المقاولات.
كشف الفاتح من ماي بالمغرب، عن مفارقة لافتة بين خطاب اجتماعي واعد وواقع معيشي يزداد تعقيدًا، أين تتآكل المكاسب أمام موجات الغلاء وتتعمّق الهشاشة، خاصّة في صفوف النساء العاملات. وحسب ما وضّحته مصادرنا في هذا التقرير، فإنّ الحلول تكمن في إنشاء حوار اجتماعي حقيقي لا صوري، يضع حقوق الطبقة الشغيلة وخاصّة منها النساء المهمّشات ضمن أولويات برامجه.



















