“لا أعرف كيف سأبدأ في رواية قصّتي” بهذه الكلمات المتردّدة تبدأ مريم (اسم مستعار) في سرد قصّتها المشحونة بالألم، قصّة تحمل بين طيّاتها وجعا من المنظومة الصحيّة والاجتماعية وتحمل خوفا من مستقبل دون أمومة.
“تزوّجتُ منذ إثني عشر سنة، وككلّ النساء قرّرت أن أؤجّل الإنجاب قليلا لكنّني لم أكُن أعلم أنّه سيُؤجّل لأكثر من عقد”، عبّرت مريم بكلمات متناثرة أخرى عن شعورها بالذنب تُجاه قرار التأجيل وتعتبره سببا من أسباب التأخّر في الإنجاب.
تتشابه قصّة مريم مع قصص العديد من النساء اللواتي يُلقين باللوم على أنفسهن لأنّهن قرّرن تأخير الإنجاب أو تزوّجن في سنّ متأخّرة، وذلك قبل اللوم على المنظومة الصحية والاجتماعية التي لا تُراعي التغيّرات الإجتماعية ولا تحترم خصوصياتهن المندرجة ضمن مبادئ الحقّ في الإنجاب.
ما هو الحقّ في الإنجاب؟
يُعتبر الحقّ في الإنجاب جزءا من الحقّ في الصحّة الإنجابية ككلّ، والتي تشمل الحقّ في متابعة الحمل وتقصّي الأمراض الانجابية والحقّ في الإجهاض والولادة والتغطية الاجتماعية وهو حقّ مكفول بالقانون التونسي حسب أخصائي أمراض النساء والتوليد فتحي المرايحي.
يُشير المرايحي إلى القانون عدد 93 لسنة 2001، المؤرّخ في 7 أوت 2001، والذي يتعلّق بالطب الإنجابي في تونس أين يهدف إلى تنظيم المساعدة الطبية على الإنجاب ومعالجة مشكلات العقم في إطار الزواج، مع ضمان كرامة وحرمة المشاركين/ات.
وإن كان هذا القانون يُعتبر من المكاسب الحقوقيّة في فترة صدوره إلاّ أنّه الآن أصبح دون تطلّعات الراغبات في الإنجاب من زوايا متعدّدة سواء المتزوّجات أو الراغبات في تحقيق حُلم الأمومة يوما ما. بالنسبة للمتزوّجات فإنّ منظومة التغطية الاجتماعية لا تفي بالحاجة حسب عدد من النساء اللواتي قدّمن شهادتهنّ لموقع “هنّ” فهي منظومة إقصائية ولا تُقدّم فرصا تتماشى مع تقنيات الطبّ الحديث.
تشترط منظومة الضمان الاجتماعي توفير المساعدة الطبية من أجل الإنجاب شرط أن يكون عُمر النساء أقل من الأربعون سنة وأن لا ينتفعن أكثر من ثلاث مرّات من أدوية التلقيح الصناعي. “هُناك حالات تستوجب العديد من المحاولات، لقد انتفعتُ ثلاث مرّات من المساعدة على الإنجاب لكنّ حالتي استلزمت ثلاث مرّات إضافية ولم يحصل حمل إلى الآن.. تكلفة الأدوية غالية جدّا ولا يُمكن للثلاث محاولات التي يُوفّرها صندوق الضمان الاجتماعي أن تكون كافية لمعظم الحالات.” حسب قول إحدى النساء التي كانت بصدد أخذ موعد من مصحّة خاصّة.
“تضاءلت فُرصي في الإنجاب منذ أن تخطيّت 38 سنة، فقد غطّى لي صندوق التأمين على المرض الثلاث محاولات الأولى، لكنّ جسدي لم يستجيب ولجأت إلى محاولات عديدة بعد ذلك لم يُغطيها الصندوق” تُكمل مريم قصّتها وتستذكر قصّة صديقتها التي رفض الصندوق أن يُغطّي تكلفة المساعدة على الإنجاب لأنّها في الأربعين من عُمرها.
“كيف يغيب عن المسؤولين أنّ النساء لم تعُد تتزوّج باكرا وأنّ سنّ الأربعين ليس الاّ بداية حياة زوجية للعديد منهن؟ هل يجب أن يُعاقبن على قراراتهن؟” تتساءل مريم.
التلقيح الصناعي: أمل للنساء دون سنّ الأربعين
عندما نُقارن منظومة التغطية الاجتماعية في ما يتعلّق بحقّ الإنجاب في تونس مع الدول المجاورة وكذلك مع دول الاتحاد الأوروبي. نلاحظ أنّ منظومتنا أفضل من تلك المعتمدة في الدول المجاورة من حيث الوضع الاجتماعي-الاقتصادي، لكنّها مع ذلك تبقى قابلة للتحسين -حسب المرايحي-، فبإمكاننا إدخال تعديلات وتطويرات جديدة، والاستفادة من التجارب المقارنة التي راكمتها هذه المنظومات خلال الأربعون سنة الماضية، والتي اعتمدت على البحث العلمي لمواجهة التغييرات. هذه التجارب تُمكّن من استعمال آليات الضمان الاجتماعي لتوسيع الخدمات التي تقدّمها. حسب قوله.
يُشير المرايحي أيضا إلى أنّه بإمكاننا أن نستلهم من تجربة المملكة المتّحدة لتوسيع سنّ الاستفادة من 40 سنة إلى 43 سنة، كما هو معمول به في عدد من الدول. كذلك يُمكن مراجعة سقف محاولات التلقيح الاصطناعي، ورفعه من ثلاث محاولات إلى أربع، بما يتماشى مع التطوّرات العالمية.
عندما نتخّذ النظام الأمريكي كمثال، نجد أنّ شروط الاستفادة من المساعدة على الإنجاب تتضمن أن يكون عمر النساء أقل من 43 سنة، أن تكون فترة العقم أقل من سنتين، أن لا يتجاوز عدد المحاولات غير الناجحة للإنجاب 6 محاولات بالتلقيح داخل الرحم (Insemination)، أن لا يتجاوز عدد الدورات الخاصة بالتلقيح الاصطناعي (FIV) ثلاث دورات،و أن يكون مخزون البويضات مناسبًا، أي لا يقلّ عن حدّ معيّن يحدّده الأطباء.
في تونس، تُعتبر فرص نجاح التلقيح الصناعي (FIV) تقريباً مستقرّة مادامت المستنفعة لم تتجاوز الأربعون سنة. فبعد ثلاث محاولات من التلقيح الصناعي هناك حوالي 60 و 70 بالمائة من النساء الأقل من الأربعون سنة ينجحن في الإنجاب، لكن بعد ثلاث أو أربع محاولات تلقيح هناك أقل من 20 بالمائة فقط من النساء اللواتي تجاوزن 40 سنة نجحن في الإنجاب.
وحسب الخبراء والخبيرات في المجال، فإنّ الأربع محاولات الأولى التي باءت بالفشل تٌقلّل من إحتمالية النجاح في المرّات المقبلة بصفة حادّة، خاصّة عندما يتجاوز عمر النساء الأربعون أو إذا كان مخزون البويضات (Reserve ovarienne faible) قليل. حسب قول المرايحي.
يتجاوز الحقّ في الإنجاب المساعدة الطبية وتحفيز الخصوبة، فهناك مشكلة أعمق تتمثّل في الحقّ في تجميد البويضات الذي يُعتبر حلاّ للنساء اللواتي يرغبن في الزواج المتأخّر أو اللواتي لم تُفكّر بعد في فكرة الزواج دون أن تعيش في ضغط مستمّر مع “ساعة الرمل الإنجابية” ودون الانخراط مستقبلا في رحلة التلقيح الصناعي.
تجميد البويضات: حقّ مهضوم
تروي حنان (اسم مستعار) وجعا آخر من السياسات الصحية في تونس، فهي مديرة برامج في إحدى المنظّمات الحقوقية التي تُدافع عن الحقوق الإنجابية، ممّا يزيد من وجعها الوعي بقضيّتها وعيا مضاعفا. بدأت القصّة عندما شُخّصت بأنّها مُصابة بمتلازمة تكيّس المبايض PCOS ويجدُر بها -من بين الحلول- تجميد بويضاتها للحفاظ على الخصوبة خاصّة وأنّها تجاوزت الثلاثين.
“كان الحلّ الأمثل بالنسبة لي هو أن أقوم بعملية تجميد البويضات خاصّة وأنني لا أفكّر في الزواج، لكن القانون التونسي يمنع ذلك وتكلفته خارج البلاد غالية جدّا. مالذي يدفعني إلى القيام بتجميد بويضاتي خارج البلاد في حين أنّه يُمكنني أن أقوم بها في بلدي التي يُفترض أنّها من أكفأ البلدان في الصحّة الإنجابية على مستوى التشريعات وعلى مستوى جودة الخدمات؟.. هذا شيء مؤسف”، تضيف في حديث لمنصة “هنَّ”.
ويُحاول بعض الكوادر الطبية الذين قُمنا باستشارتهم/ن حول الموضوع أن يُغيّروا قليلا من قانون تجميد البويضات والذي يشمل النساء المتزوجّات بموافقة مشتركة مع الزوج أو الفتيات اللواتي يُصبن بالأمراض الخبيثة، لكن هذا القانون لم يأخذ بعين الاعتبار التغيّرات الاجتماعية والتي أصبحت فيها النساء تتزوّج في سنّ متأخّرة.
وينصح الدكتور فتحي المرايحي بوضع استراتيجية وطنية وشاملة لحماية الأجنّة وترتكز على ثلاث نقاط أساسية من أجل الانتفاع أكثر بتجميد البويضات، وهي مراجعة التشريعات للتوسّع في تجميد البويضات لدواعي وقائية أو اجتماعية مهما كان العمر مع ضبط قواعد أخلاقية وقانونية واضحة، تكوين الإطار الطبي المختصّ، وتعميم وحدات متخصّصة في حفظ البويضات.
كما يرى ضرورة ضمان العدالة في النفاذ إلى التجميد عبر إيجاد آليات دعم مالي للنساء المهتمّات بالأمر لتعميم الاستفادة من خلال خطوط التمويل.
ويؤكّد على توعية النساء حول تراجع الخصوبة مع التقدّم في السنّ وإدماج مفهوم الحفظ الوقائي للخصوبة في برامج التربية على الحقوق الجنسية مع التشجيع على الزواج والإنجاب في سن مبكّرة.
ما ينصحُ به المرايحي يتّفق حوله مجموعة من الأطبّاء الذين أكّدوا بأنّه قد حان الوقت لتحسين قانون البويضات من أجل تعميم فائدته على جميع النساء دون استثناء مع ضبط قواعد أخلاقية تحفظ سير التجميد دون استغلاله.
وغير ذلك فإنّ منظومة الضمان الاجتماعي يُمكن أن تُرفّع من سنّ الانتفاع من التلقيح الصناعي إلى 43 سنة كما هو الحال في المملكة المتحّدة والإضافة في عدد محاولات الانتفاع من الخدمات.
لا شكّ بأنّ فرص الإنجاب بعد سنّ الأربعين تُصبح أقلّ وأنّ قوانين الصحّة الانجابية في تونس كانت جيّدة في الوقت الذي وُضعت فيه، لكن حان الوقت لتحسينها خاصّة في ما يتعلّق بتجميد البويضات حتى يكون للنساء فرصا أوفر للاختيار بين تجميد البويضات أو الانخراط في رحلة المساعدة على الإنجاب التي بإمكانها أيضا أن تُقدّم فرصا أوفر عبر الترفيع في عُمر الانتفاع والترفيع أيضا في عدد محاولات المساعدة الطبية.



















