بدأت ملامح القلق تظهر على طفل أم محمد، البالغ من العمر تسع سنوات، بعد تغيّر مفاجئ في سلوكه دون تفسير واضح؛ حيث فقد شهيته، انعزل عن محيطه، وبدأ يطرح أسئلة جريئة لا تتناسب مع عمره.
دفعت هذه التغيرات والدته إلى البحث عن استشارة نفسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تصطدم بالحقيقة الصادمة: “ابن عمه، الذي يكبره بأربع سنوات، تحرش به”.
تقول أم محمد، (اسم مستعار): “لو ما كنت خايفة على ابني ما تكلمت، وقع الجريمة كان كبير جدًا على نفسيتي”.
وتروي أن الصدمة الحقيقية كانت عندما لاحظت محاولة ابنها لمس طفل أصغر منه بطريقة مريبة، وعند مواجهته، اعترف بما تعرض له.
انهارت الأم لحظتها، حيث “جاني خوف وتقزز وقلق، حسّيت إن الشي اللي مرّ به ممكن يأثر في ميوله أو حياته بالكامل”، وفق روايتها.
لكن الألم النفسي لم يكن وحده في المشهد، إذ واجهت العائلة إنكارًا قاسيًا، فعندما أُبلغ الأب، وواجه شقيقه، كان الرد اتهامات بالكذب ومحاولات لإسكات الأم بحجة “لمّ الشمل”.
وتوضح أم محمد: “ما حد حس بيا… لكني مش ندمانة. الأهم الآن علاج طفلي ومساندته”.
عشرون عامًا من الصمت… وجرح لا يندمل
تحمل قصة “هناء” الوجع ذاته، وإن امتد به الزمن، فعلى الرغم من مرور عشرين عامًا على تحرش خالها بها وهي في الخامسة من عمرها، لا يزال الأثر حاضرًا، “ما كنتش فاهمة… كان يعطيني نقود وحلوى باش نسكت”.
استمر الاعتداء عامًا كاملًا، قبل أن تكتشف لاحقًا أن إحدى بنات خالتها تعرضت للأمر نفسه، لكنها قوبلت بالضرب والتكذيب حين حاولت البوح بالحقيقة.
هذا الخوف دفع هناء للصمت سنوات طويلة، وفي مراهقتها فقط، حين قرأت قصة مشابهة، أدركت حجم ما تعرضت له: “انتهكت طفولتي، صرت نخاف حتى من والدي وإخوتي. ومع هذا حاولت نحمي بنات خالتي ونراقبه”، تقول هناء.
اليوم، يعيش المعتدي حياته بشكل طبيعي، بينما هناء، مازالت تحاول خياطة جرح عميق في النفس، “هو كمل حياته… وأنا ما زلت نعالج في طفلة انكسرت من زمان”، تكشف هناء.
المحاكم تستقبل… والمجتمع يصمت
تؤكد محامية ليبية – فضّلت عدم ذكر اسمها– أن محكمة بنغازي تستقبل قضايا تحرش بالأطفال “بشكل دائم وبعدد مرتفع مؤخرًا، دون وجود إحصاءات دقيقة بسبب حساسية الملف. وتوضح أن أكثر من 95 بالمائة من حالات التحرش يكون المعتدي فيها قريبًا من الدرجة الأولى، ما يدفع العائلات إلى التكتم خوفًا من الفضيحة”.
وتقول: “القانون الليبي يعاقب المتحرش جنسيًا بالسجن حتى ثلاث سنوات، لكن التنازل شائع بسبب ضغط العائلة أو تهديد المعتدي”.
وتروي لنا أن إحدى القضايا التي تابعتها، كانت لـ”سيدة اكتشفت تحرش شقيقها بابنها ذي السبع سنوات داخل حديقة المنزل، لكنها تراجعت عن اتخاذ أي إجراء قانوني خوفًا على سمعة العائلة”، وهكذا بقيت الجريمة طيّ الصمت.
المدرسة… ساحة أخرى للانتهاكات
وفي السياق ذاته، تقول الخبيرة النفسية والاجتماعية والتربوية، ورئيس الاتحاد النسائي ببنغازي، ورئيس المنظمة الليبية للإرشاد والعلاج النفسي، ومديرة إدارة الدعم والإرشاد النفسي بقطاع التعليم، الدكتورة نادية البكوش، إن “حالات التحرش الجنسي واضطرابات الهوية ارتفعت بشكل لافت داخل المدارس”.
وتضيف: “الأهل يفضلون حماية السمعة بدل حماية أبنائهم… وهذا يمنح المتحرش جرأة أكبر، لأنه يعلم مسبقًا أن العائلات ستقوم بالتستر على الجريمة”.
وتعزو الأسباب لـ”عوامل اجتماعية وأسرية، إلى جانب التعرض غير المراقب للإنترنت وغياب الرقابة الأسرية”، مشيرة إلى أن “برامج توعوية تستهدف أولياء الأمور بالتعاون مع الأوقاف والشؤون الإسلامية”، مؤكدة على “أهمية الدور الإعلامي في كسر الصمت”.
تحذير نفسي: الصمت يفاقم الجريمة
من جانبه، يؤكد الأخصائي النفسي والاجتماعي خالد عطية أن “التحرش الجنسي ضد الأطفال ظاهرة خطيرة ومنتشرة في المجتمع، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من الحالات لا يُبلّغ عنها بسبب الخوف والخجل”.
ويؤكد عطية على أن غياب الوعي المجتمعي، وضعف الاستقرار الأسري، وعدم الثقة بين الأبناء وذويهم، “كلها عوامل تُسهم في تفشي هذه الظاهرة، خاصة في ظل غياب الاحتواء والاستماع الحقيقي للأطفال”.
ويحذر الأخصائي من آثارها النفسية بعيدة المدى، موضحًا أن “الأطفال المتعرضين للتحرش قد يعانون من اضطرابات نفسية حادة، والاكتئاب، واضطرابات السلوك”.
ودعا إلى ضرورة التوعية والمواجهة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال، “لأن الصمت لا يحمي الضحية، بل يحمي الجاني” كما يؤكد عطية.
هذا، وبينما يتسلل المتحرشون في المجتمع كذئابٍ منفردة، تتربص بالأطفال، مستفيدين من تابوهات المجتمع وصمته؛ تبقى قصص أم محمد وهناء حالات ليست فردية، بل نماذج لواقع يتكرر في الخفاء، ومادام المجتمع يختار الستر بدل المواجهة؛ ستستمر هذه الجرائم في التفاقم، وسيبقى الأطفال يدفعون ثمن صمت لا ذنب لهم فيه.
تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR



















