الانتخابات التشريعية بالجزائر: الأضعف في تاريخ البلاد بتراجع الحضور النسائي 

أثارت النتائج الأوليّة للانتخابات التشريعية السابعة في تاريخ الجزائر منذ استقلالها، عاصفة من الجدل المتواصل والسجال السياسي والحقوقي، الذي لم يهدأ بعد رغم ترويج السلطة لنجاح العملية الانتخابية. 

تأتي هذه العملية لتكشف عن تحولات جذرية في المشهد السياسي والجزائري بشكل عام،  وعن جدليّة العلاقة بين المواطِنة والمواطن الجزائري بالمنظومة الحاكمة؛ خاصّة بعد تسجيل نسبة الإقبال الأضعف في تاريخ البلاد في حال تم تأكيد هذه النتائج.

وبالتوازي مع هذا العزوف، تصدّرت الأحزاب التقليدية الموالية للسلطة كراسي البرلمان، في حين تراجعت قوائم الأفراد المستقلين بعد أن سجّلت طفرة خلال التشريعيات السابقة.

سبق  الانتخابات التشريعية، سجال بدأ منذ تعديل القانون الانتخابي، وحملة انتخابية باهتة، فضلا عن التشكيك في نزاهة المسار الانتخابي بفعل المادة  200، وسط تساؤلات قلقة حول تراجع الحضور النسائي وتآكل الامتيازات التي مُنحت  للنساء بهدف تعزيز  مشاركتهن السياسية.

النتائج  الأضعف في تاريخ البلاد!

سجّلت الانتخابات التشريعية الجزائرية، التي جرت الخميس الموافق لـ2 يوليو نسبة المشاركة الأضعف في تاريخ البلاد،  إذ بلغت 20.79 بالمائة في الداخل، و10.67 بالمائة في الخارج، حسب ما كشفته السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات على موقعها الرسمي خلال عملية الفرز الأوليّ. 

هذا التراجع، الذي كان للنساء الرصيد  الأكبر فيه ترشّحاً واقتراعاً، يطرح إشكالات يعزوها خبراء وخبيرات في الشأن الجزائري إلى أزمة ثقة بالمنظومة الحاكمة، وأزمة هيكلية تتعلّق بمناخ سياسي طارد  لهنّ، منذ انطلاق الحملة الانتخابية،  وهو ما ستتنعكس نتائجُه مستقبلا تحت قبّة البرلمان.

تنافست خلال الانتخابات التشريعية الجزائرية  793 قائمة انتخابية تضم حوالي 10 آلاف مرشّح ومرشّحة، عبر مختلف الدوائر الانتخابية في البلاد، منها 613 قائمة تتبع 32 حزبا سياسيا، إضافة إلى قائمة واحدة تتحالف فيها عدّة أحزاب سياسية، و125 قائمة حرّة. 

أمّا بالنسبة للدائرة الانتخابية خارج الجزائر، فقد تنافست فيها  54 قائمة تضم 432 مرشّحا ومرشّحة، منها 47 قائمة تتبع 16 حزبا سياسيا وقائمة واحدة في إطار تحالف حزبي، إضافة إلى 6 قوائم حرّة.

الإنتخابات التشريعية: انعكاس لإرادة السلطة؟

شهدت  الانتخابات التشريعية لهذه السنة تراجعا في المؤشرات التنافسية يتجاوز 65 بالمئة مقارنة بتشريعية 2021. أمّا القوائم المستقلة، فقد عرفت بدورها انكماشا حادّا، إذ تراجع عددها من أزيد من 1200 قائمة في انتخابات 2021 إلى 125 قائمة فقط في الاستحقاق الحالي، وهو ما يُشير إلى تقلص حضور هذا النمط من الترشّح، وعودة صعود الأحزاب التقليدية وهيمنتها على البرلمان.

استمرت “جبهة التحرير الوطني” حسب ما تكشفه النتائج الأوليّة غير الرسمية المتداولة -المقرّبة من النظام الحاكم- في الهيمنة على جلّ مقاعد البرلمان بحصولها على 84 مقعدا (في انتظار تثبيت النتائج)، مع صعود لافت للأحزاب المقرّبة الأخرى مثل “جبهة المستقبل” و “التجمّع الوطني الديمقراطي”، وسط حضور محتشم للقوائم المستقلة.

وفي الواقع، لا يُمكن قراءة هذه المعطيات الأوليّة، التي تعيد هندسة وتشكيل المشهد السياسي في الجزائر بشكل جذري بمعزل عن السياق الراهن، سيما عندما نقارنها بنتائج تشريعيات 2021 التي جاءت عقب الحراك الشعبي (2019) بحوالي سنتين. فحينها، عملت السلطات على تشجيع القوائم المستقلة بهدف امتصاص الغضب الشعبي، باعتبار أنّ الأحزاب التقليدية كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بالمنظومة السابقة في المخيال الشعبي.

لكن ما يحدث اليوم، لا يمكن أن  يُترجم  إلأّ تحوّلا نوعيا في إرادة السلطة الحاكمة ورغبتها في تأمين “حزام حكومي منضبط” داخل أروقة البرلمان الجديد،  بعيدا عن  مغامرة القوائم المستقلة التي لا تجمعها ايديولوجيا موحدّة، وتتمتع بمطلق حرّية التصويت داخل المجالس المنتخبة.

المادة 200 وتداعياتها على السباق الانتخابي

هذه النتائج الانتخابية الضعيفة، والتي تُثير نقاشا متواصلا حول الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع غير المسبوق، تكشف في الواقع عن ملامح “أزمة الانتخابات التشريعية” في الجزائر التي بدأت تتشكّل وتطفو على سطح النقاش العام منذ لحظة الإعلان عنها.

هذا المشهد الانتخابي، الذي بدا مشحونا بالكثير من الجدل ووصل إلى حدّ التشكيك في نزاهة المسار، برز تحديدا منذ أكثر من سنة عقب مصادقة نواب البرلمان على المادة 200 من القانون العضوي لنظام الانتخابات، والتي كان هدفها المعلن محاربة “المال الفاسد” وضمان نزاهة العملية الانتخابية.

في البداية، احتفى كثيرون وكثيرات بهذه المادّة واعتبروها وسيلة لـ”أخلقة الحياة السياسية” وحرب ضدّ تزوير الانتخابات والتجاوزات، وقد حذّر في المقابل حقوقيون وحقوقيات وسياسيون وسياسيات من تأثيرها سلبا على مسار العملية الانتخابية، وتحوّلها إلى أداة “تطهير إداري وتصفية للمعارضة”.

ورغم التنديدات والتحذيرات التي بدأت منذ لحظة مناقشتها، مرورا بالمصادقة عليها وصولا إلى تطبيقها، إلاّ أنّه لم يتم إلغاؤها أو تنقيحها. وبمقتضاها، وقعت المفارقة التي أشار إليها مراقبون ومراقبات للشأن الجزائري، حيث وجد البرلمانيون والبرلمانيات الذين صوّتوا بـ ” نعم” لمرور هذه المادّة أنفسهم اليوم مقصيين بموجبها. 

إذ أقصت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أزيد من 300 مترشّح ومترشّحة، بما فيهم نواب ونائبات طمحوا للترشّح لعهدة ثانية.

وفي هذا السياق، علّق النائب عبد الكريم بن خلاف عن جبهة العدالة والتنمية في تصريح إعلامي قائلا: “إنّ قرار الإقصاء من الترشّح للتشريعيات لم يكُن مبرّرا من السلطة المستقلة، وجاء دون تعليل قانوني يوضّح الأسباب الدقيقة المستند إليها؛ خاصّة وأنّ الاعتماد على مفاهيم فضفاضة في الصياغة القانونية يحدّ من سلامة التطبيق، ويجعل العملية برمّتها عرضة للاحتمالات والتأويلات الذاتية”.

ومن بين القوائم التي طالها الرفض، قائمة حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية”(RCD) في العاصمة، وهو أحد أكبر أحزاب المعارضة. في المقابل، تساءل المترشحون والمترشحات الذين رُفضت ملفاتهم حينها عن المعايير الجديدة للتقييم، خاصّة وأنهم تقدموا في تشريعيات 2021 بالشروط والملفات نفسها وتم قبولهم.

وفي هذا الفضاء المشحون بالجدل المتواصل والأسئلة المفتوحة التي لم تجد إجابات حاسمة  بعد،  حول حدود المادة 200 وما تسبّبت فيه الإقصاءات من ارتباك على الساحتين السياسية والحقوقية، بدأت الحملة الانتخابية باهتة، وكأنّها  مرور سريع ومبكّر لفترة الصمت الانتخابي، حيث افتقرت لأيّ حماس شعبي أو حركية سياسية ممّا اعتاد عليه الجزائريون والجزائريات في السابق، فنادرا ما تمّ تسجيل لقاءات مباشرة بين المترشحين  والمترشحات والمواطنين  والمواطنات في الساحات العامة، واكتفى أغلب المترشحون والمترشحات بالترويج لحملتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

“أزمة ثقة”  في المنظومة الحاكمة

رغم أنّ أكثر من 24 مليون جزائري وجزائرية مسجلون في القوائم الانتخابية، إلاّ أنّ عدد الناخبين والناخبات الذين أدلوا بأصواتهم لم يتجاوز 5 ملايين ناخب وناخبة، وهي نسبة متدنيّة تعكس عزوفا عن الصندوق لم يسبق للجزائر أن سجّلته سابقاً.  

في قراءتها لظاهرة العزوف الانتخابي، تُرِجّح أستاذة القانون العام والباحثة زهور وعمارة، في حديثها لمنصّة “هنّ”، أنّ هذه النتائج تعكس “أزمة ثقة عميقة في المنظومة القائمة”، معتبرة أنّ الفعل الانتخابي لم يعد يمثّل أولوية في وعي المواطن والمواطنة الجزائري، وأنّه لا يمكن قراءة هذا العزوف بمعزل عن السياق الحالي في البلاد.

وتوضّح الحقوقية أنّ تدنّي نسبة المشاركة إلى حدود 20% لا يعبّر عن رفض للممارسة الديمقراطية بحد ذاتها، بقدر ما يترجم “أزمة جدوى” فالرغبة في التصويت ترتبط طردياً بيقين المواطن بأنّ صوته يصنع فارقا حقيقيا، وبقناعته بمدى قدرة المؤسسات التشريعية على الاستجابة لانشغالاته ومطالبه. 

كما تُضيف الحقوقية، أنّ هذه النسبة الضئيلة تكشف بوضوح عن أنّ الغالبية العظمى من الكتلة الناخبة لم تجد في الخطاب السياسي أو البرامج المطروحة ما يلامس ويعالج واقعها.

وتتابع وعمارة في حديثها للمنصة: “فئة الشباب  الذين يشكّلون الثقل الديمغرافي الأكبر في المجتمع  يواجهون تحديات معيشية خانقة كالبطالة والغلاء، مما جعل الأولويات الاقتصادية تزيح همّ الاهتمام بالسياسة، خاصّة في ظل غياب برامج واقعية تطرح حلولا لواقعهم اليومي الذي أصبح أكثر تعقيداً”.

ما وراء ضعف تمثيلية النساء في المشهد الانتخابي!

تُشير بيانات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر إلى ترشّح 2032 سيدة من أصل 9854 مترشحاً، أي ما يعادل نحو 21 بالمئة من إجمالي المرشحين. وهو رقم ضعيف يعكس تراجعاً حاداً مقارنة بالانتخابات التشريعية الماضية في يونيو 2021، حين ترشحت نحو 8305  من النساء ضمن القوائم الحزبية والحرّة، تحصّلت 34 منهنّ على مقاعد في البرلمان من أصل 407 مقاعد.

ورغم أنّ عدد النساء المسجّلات في القوائم الانتخابية يقارب 11.5 مليون ناخبة، بحسب السلطة المستقلة، إلاّ أنّ نسب الإقبال والتصويت الفعلية جاءت مخيبة للتوقعات، ولم تعكس هذا الثقل الديمغرافي والانتخابي الحاسم.

وفي هذا الاتّجاه، ترى الحقوقية زهور وعمارة أنّ”تراجع ترشّح النّساء هو نتيجة لتراكمات سياسية وقانونية واجتماعية وتنظيمية” مؤكّدة أنّ انحسار التمثيلية النسائية في الساحة السياسية لا يرتبط بنتائج الانتخابات الحالية فحسب، وإنّما هو وليد تراكمات بدأت واستمرت خلال السنوات الأخيرة، سواء داخل الأحزاب أو في الفضاء العام.

وتضيف وعمارة: “داخل الأحزاب، على سبيل المثال، تتولّى نسبة قليلة جدّا من النساء القيادة، وغالبا ما يتعرّضن لحملات تشكيك ووصم أكثر من تقييم أدائهنَّ السياسي.  إضافة إلى ذلك، فإنّ تجربة المجالس التشريعية السابقة لم تبرز حضورا قويا للنائبات في التشريع، أو الرقابة، أو قيادة المبادرات البرلمانية وهو ما جعل الكثير من النساء لا يرين في البرلمان فضاء يُمكن أن يحدثن فيه تأثيراً حقيقيا”.

ومن العوامل الأخرى التي تحول دون تمكين حقيقي للنساء،  حسب الباحثة، هو غياب ضمانات جادّة تحمي النساء من العنف السياسي، تراجع العمل الحزبي، ضعف التكوين السياسي للكوادر النسائية، غياب آليات داخل الأحزاب لتشجيعهن على الترشح، فضلا عن التراجع عن نظام المحاصصة (الكوطا) في القانون الانتخابي الجديد، والذي كان يضمن حدّاً أدنى من التمثيل النسائي ويفتح المجال أمام بروز قيادات نسائية”.

هذه العوامل، حسب محدّثتنا،  تتشابك لتشكّل بيئة طاردة للنساء داخل المشهد السياسي أو تبقيهن بعيدا عن دائرة التأثير الحقيقي ما يحول دون تمكين حقيقي ومستدام لهنّ.

وفي الواقع، لا يُمكن قراءة هذه الأرقام دون ربطها بالسياق الراهن في البلاد وتوجّهات السلطة الحالية، وحالة الفتور وأزمة الثقة التي تدق ناقوس الخطر سيما فيما يتعلّق بعلاقة  المواطنة المواطن  الجزائري بالمنظومة الحاكمة. 

فالمواطن أو المواطنة لم يعُد يجد في المنظومة الحالية طريقا للخلاص، بل بات يعيش عزلة سياسية مخيفة، تستدعي من السلطات مراجعة القانون الانتخابي وعلاقتها بمواطنيها ومواطنتها، مع اتخاذ مراجعات نقدية جادّة. 

اقرأ أيضا

  • التشهير.. سلاح يغتال النساء 

    يعتبر التشهير من أكثر الأسلحة استخداما في الاغتيال المعنوي، ضد النساء المشتغلات في المجال العام، فتلك الوصفة السحرية لإزاحتهن من الواجهة تبدأ بنشر "إشاعة" أو معلومة لها علاقة بسمعتهن، وهكذا بدون أدنى مجهود وبسبب الضغط الأسري والمجتمعي تتراجع الضحية إلى الوراء، وفي أحيان كثيرة تختفي عن الأنظار، وتضع حدا لنشاطها السياسي أو الحقوقي، ولطالما استخدمت…

    Hounna | هنّ|

  • الافلات من العقاب يشجع على اغتيال السياسياتِ في ليبيا

    جريمة الاغتيال السياسي، واحدة من عمليات التصفية التي تستهدف الخصوم السياسيين في ليبيا، منذ الانفلات الأمني الذي أعقب إسقاط نظام القذافي في عام 2011.  وأصبحت كابوسًا يترصد السِياسيات الليبيات اللاتي خرجن للمطالبة بحقوقهن في العمل السياسي والاجتماعي. وأدى الفشل في ملاحقة ومحاسبة الجناة في قضايا اغتيال السياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان؛ إلى ظهور ثقافة الإفلات…

    Hounna | هنّ|

  • انتظارات التونسيات من الرئيس القادم للبلاد: “تحقيق العدالة الاجتماعية المفقودة في تونس” 

    دعا الرئيس التونسي قيس سعيد، إلى إجراء انتخابات رئاسية في 6 أكتوبر الجاري، حسبما أشار بيان رسمي مقتضب من الرئاسة، صدر مطلع شهر يوليوز الماضي. وتأتي هذه الانتخابات الرئاسية في سياق انتخابي "تم خلاله ضرب كل ما تم تركيزه من مبادئ الانظمة الديمقراطية"، حسب نشطاء حقوق الإنسان في البلاد، كما يرجح في سابقة من نوعها…

    ريم بلقاسم|

  • النساء والسياسة في الجزائر.. مكاسب تتآكل وطُموح يتراجع

    تُعدُّ المشاركة السياسية للنساء مؤشرًا أساسيًا على مدى ترسّخ مبدأ المساواة داخل المجتمعات، إذ تعكس قدرتها على إدماج مختلف الفاعلين في عملية صنع القرار. وفي هذا السياق، لم تعد المرأة عنصرًا هامشيًا في الحياة العامة، بل طرفًا فاعلًا في معادلة التنمية السياسية، وإن ظل حضورها متفاوتًا تبعًا لخصوصيات السياقات الوطنية. في الجزائر، تكتسب هذه المشاركة…

    نجوى راهم|