الاحتجاجُ بصيغة المؤنث1

الجزء الأول: 

ولد الحراك النسوي في تونس كحركة نضالية حقوقية لم تنفصل يوما عن المعارك الوطنية والدولة المدنية، فمنذ عهد بورقيبة بدأت تتشكّل ملامح وعي نسوي خاصّة بعد صدور مجلة الأحوال الشخصية، حيث بدأ هذا الوعي يتشكّل تدريجيا داخل قاعات الجامعة، في النقابات، والنوادي الثقافية وعلى رأسها نادي الطاهر الحداد الذي مثّل النواة الأولى لولادة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والتي تبلورت فيها الحركة النسوية بشكل رسمي ومنظّم، وكان لمؤسّساتها دورا بارزا في المطالبة والترافع على حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق النساء بشكل خاصّ، فكانت مناضلات مثل سناء بن عاشور، حفيظة شقير، بشرى بلحاج حميدة، إلهام المرزوقي، وراضية النصراوي وغيرهن من الناشطات النسويات، في طليعة الحركة النسوية، وفي مقدّمة الحركات الاحتجاجية التي طالبت بالحقوق والمساواة.

للغوص أكثر في جذور الحركة النسوية في تونس وصمودها، لابدّ أن نعود بالذاكرة إلى رموزٍ عاصرت حقب القمع في أوج سطوته، لنستعيد معهنّ ملامح النضال الطلابي والنقابي والنسوي بداية من عهدي بورقيبة وبن علي وما بعد الثورة وصولا  إلى ما بعد 25 جويلية.

في تأسيس نسوية الدولة

لم يكن الاحتجاج النسوي في تونس وليد اللحظة، بل ضربت جذوره في عمق التاريخ النضالي للبلاد، حيث كانت النساء شريكات فاعلات في ملحمة التحرير الوطني ضدّ المستعمر الفرنسي. وفي هذا السياق، نستحضر الحضور النسائي البارز في التحرّكات الشعبية التي دعا إليها “علي بلهوان” في 8 أفريل 1938، وما تلاها من أحداث فارقة في 9 أفريل، حيث سجّلت النساء حضورهن في الشارع إلى جانب الرجال.

ومع الإستقلال سنة 1956،  وبعد أشهر قليلة من نفس السنة يوم 13 أوت صدرت مجلّة الأحوال الشخصية التي استبشرت بها النساء التونسيات ومثّلت آنذاك اللبنة الأولى  لتمكين النساء من جملة من الحقوق الأساسية، وفي مقدّمتها إلغاء تعدّد الزوجات ومنع الطلاق الشفاهي.

رغم  أهمية هذه المجلّة وما أثارته من صدى إيجابي داخل الوطن وخارج حدوده، إلاّ أنّها لم تمنع الحقوقيات النسويات من إبداء تحفظّات جوهرية على نصوصها.  حيث أنّ المجلّة، ورغم أهميتها تكرّس في طيّاتها “السلطة الأبوية” في شكل وصاية بورقيبة، ولا تحقّق المساواة الكاملة  التي تطمح لها النساء.

هذا الوعي النقدي، هو ما شرحته الحقوقية وأستاذة القانون حفيظة شقير، والتي تُعدُّ من أبرز الوجوه النضالية التي واكبت أجيالاً مختلفة، ومن مؤسّسات نادي الطاهر الحدّاد، قائلة لمنصّة “هنّ”: “لقد كان إصدار مجلّة الأحوال الشخصية مكسباً تاريخياً،  لكنّنا تفطّنا كحقوقيات لاحقا إلى أنّ أحكامها تكرّس الهيمنة الأبوية، ومن هنا انطلقت معركتنا من أجل المساواة التامة. بدأنا أوّلا بالعمل على الوعي داخل الأسرة وقدّمنا تحرّكات ميدانية عديدة، لتتطوّر مطالبنا لاحقاً نحو ضرورة تنقيح المجلّة ومواكبتها لتطلّعاتنا”. 

صورة للناشطة الحقوقية حفيظة شقير هي ومجموعة من الناشطات

قراءة شقير وتحفظّها على مجلة الأحوال الشخصية في تلك الفترة  تتقاطع مع قراءة الباحثة في سوسيلوجيا الجندر سهام بن علي التي ترى أنّ مجلة الأحوال الشخصية  “لم تأتِ نتيجة نضال نسائي شعبي، بل فُرضت من الأعلى كجزء من مشروع حداثي تقدّمي استخدم قضايا النساء لتعزيز شرعية النظام، فيما تُرِكَت القيادات النسوية الرسمية داخل إطار الحزب الحاكم دون استقلالية تنظيمية”.

حرصت السلطة البورقيبية آنذاك حرصا شديدا على أن لا تسمح بتأسيس”نسوية مستقلة”، بل كانت تسمح عبر سلطتها الرقابية  بنسوية مؤطّرة من الدولة تضبط من خلالها الحقوق وفق ما يتناسب ويتناغمُ مع مصالحها لا ضدّها. وبالتالي النشاطات والتحركات النسوية لم تكن مستقلة تماما بل كانت دائما تحت غطاء الدولة وتحت جناح الزعيم أو كما يُسمّى” الأب الروحي”  الحبيب بورقيبة.

وفي هذا السياق، تشكّل بداية وعي نسوي ومحاولات من قبل جملة من الناشطات  النساء في تلك الفترة طالبن بمكاسب وحقوق تدعم النضال المحلي بالانفتاح على المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، والاطلاع على الاتّفاقيات الأممية، وفي مقدّمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). ونتيجة لتلك الضغوط والتحرّكات النسوية المستمرة حسب حفيظة شقير، فقد رضخت الدولة للمطالب، وصادقت تونس رسميا على هذه الاتفاقية  سنة  1985 مع بعض التحفّظات،  لتفتح بذلك فصلاً جديداً من فصول النضال النسوي التونسي نحو العدالة والمساواة.

ولجت شقير في سبعينات القرن الماضي هي ومجموعة من النساء الناشطات  للنشاط النقابي، وبدأت بالتزامن مع ذلك تتشكّل ملامح الحركات نسوية، ومن بين التحرّكات التي شهدها الوسط النقابي في تلك الفترة هو الإضراب العام الأول للعاملات بقطاع النسيج  بعد صدور القانون 72 الذّي فتح البلاد للرأسمال الدولي وللتصدير.  وفي هذا السياق، تقول محدّثتنا أنّها هي وثلة من الناشطات والنقابيات قمن بمساندة النساء العاملات في إضرابهن والتضامن معهن.

في تلك الفترة بدأ الوعي النسوي يتشكل تدريجيا لدى الطالبات والمثقفات والعاملات بفعل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية خاصّة مع  صعود النظام الرأسمالي  في العالم والتأثر  بحركة ماي 1968. وبدأت النساء ينخرطن في شتّى الهياكل النقابيّة بهدف الدّفاع عن حقوقهنّ ورفضهن للاستغلال.

تقول شقير: “هذا الوعي دفعنا للدفاع أيضاً عن قيم الديمقراطية، وكنّا نتحرك ونشارك في كلّ التحركات ونناضل من أجلها رغم صعوبة الأمر أمنياً. كنا نطالب ونعارض بتنقيح قانون الجمعيات لـ 7 نوفمبر 1959، لأنّه وضع قيوداً لممارسة العمل الجمعياتي، ومكّن السلطات من سلطة مطلقة، فهي من تقرّر من تمنحه تأشيرة نشاط الجمعية“.

كانت النساء تقُدن تحركات احتجاجية ومظاهرات في الشوارع التونسية دفاعاً عن النقابيين المعتقلين، وتحاولن رغم قلّة عددهن مقارنة بالذكور آنذاك،  إلاّ أنهنّ كنّ موجودات. لكن أجهزة الدولة كانت تمارس سلطة رقابية واضحة ساعية إلى حصر هذا الحضور ضمن أطرها الرسمية وقد بلغت هذه الرقابة الأمنية والملاحقة في الفضاءات العامة حدّ منع النساء من الاحتفال باليوم العالمي للدفاع عن حقوق النساء (8 مارس)، في محاولة لفرض الولاء للدولة  واحتكار الرمزية النضالية في شخص “الحبيب بورقيبة”، وعزل الناشطات عن  انتمائهن الأممي.

“كنّا دائماً كمجموعات نسائية صغيرة نحاول الخروج للشارع والمطالبة بالحقوق يوم 8 مارس الموافق ليوم الدفاع عن حقوق النساء، لكنّ ذلك كان صعباً، كنّا نتعرّض للتخوين لأنّ السلطات تعتبر أنّه عيد مستورد من الخارج، وأنّ عيد النساء الحقيقي في تونس يتوافق مع تاريخ صدور مجلة الأحوال الشخصية 13 أوت”، تقول شقير لمنصة “هنّ”.

رغم أهمية ما تقوم به الناشطات آنذاك، ترى حفيظة أنّ هذا النوع من التحركات كان نخبويًا، خاصّة فيما يتعلّق بالدفاع عن قيم الديمقراطية والمساواة، على عكس المطالب النقابية التي يمكن أن  تتّسع وتحمل قاعدة جماهيرية أوسع. فقد كانت تنطلق أغلب هذه التحركات الاحتجاجية بإتّجاه الشارع، أو حملات المناصرة بالأساس من نوادي أو ملتقيات وفضاءات مغلقة، وهو بالضبط ما حصل حين خرجت هي وجملة من الناشطات من نادي الطاهر الحداد باتجاه جامعة الدول العربية في مظاهرة كبرى تنديداً بمجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982.

وتوضّح شقير: “لقد انطلقنا احتجاجًا وتنديدًا بالمظلمة، ونتيجة لتلقينا بيانات من فلسطين ولبنان تطالب بالمساندة”.

مجموعة من المقالات الصحفية التي تعبر عن وعي نسوي وحقوقي خلال تلك الفترة

وحين اندلعت انتفاضة الخبز سنة 1984،  كانت حفيظة هي وجملة من الرفيقات على غرار راضية النصراوي، بشرى بالحاج حميدة، وغيرهن من المناضلات الأخريات،  بادرن بجملة من التحرّكات من أجل إنزال عقوبة الإعدام  إلى  السجن المؤبد تجاه الشباب الذي تم ايقافهم في انتفاضة الخبر.  

وتقول أنّ ذلك تزامن  مع تأسيس الرابطة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهو ما مكنّهنّ من كتابات التقارير والمرافعات لدى السلطات والمطالبة بالحقوق. كما تُؤكّد على أنّ “نشاط الحركة النسوية بدأ فعليا  في الشارع  منذ سنة 1986، لكنّه تدعّم بعد تأسيس الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات سنة 1989 بعد حصولها على التأشيرة القانونية، بعد سنة من اعتلاء الرئيس زين العابدين بن علي سدّة الحكم”.

ظلّ النشاط النسوي في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة غير مهيكل، وبقي غير معترف به رسمياً ككيان مستقل. إذ كان حضور النساء في الحركات الاحتجاجية آنذاك محدوداً، بل ومغيّباً في كثير من الأحيان، لا سيما ضمن التحرّكات النقابية والطلابية، حيث استمرّت الهيمنة الذكورية على الفضاء العام والشارع. 

وفي المقابل، اقتصر ظهور النساء في الغالب على المناسبات الرسمية، ضمن حضور شكلي واستعراضي يخدم الصورة الدعائية للدولة، دون أن يُتاح لهنّ مساحة حرّة أو مستقلّة لممارسة نشاطهنّ النضالي بعيدًا عن الوصاية الرسمية، إضافة إلى ذلك ُترِكَت القيادات النسوية الرسمية داخل إطار الحزب الحاكم دون استقلالية تنظيمية بل وتمّ احتواء أغلبها تحت جناح الحزب الحاكم عبر تأسيس الإتحاد الوطني للمرأة التونسية، وقد شمل القمع أيّ محاولة لاستقلاليته، مثل التضييق بالملاحقة القضائية أو سحب جوازات السفر لبعض الناشطات.

وتعتبر  الباحثة في الجندر سهام بن علي أنّه ”كان يتم استدعاء المرأة كرمز للتحديث، لكن داخل إطار رقابي يحدّ من ظهورها كفاعلةٍ احتجاجية، ما جعل الشارع يحتفظ بطابعه الذكوري في صنع القرار وتنظيم التجمعات. لكن، مع تزايد الاحتجاجات الاجتماعية في الثمانينيات، بدأت طبقات نسائية مختلفات في اجتياز الخطّ التمييزي، دون أن يتحوّل ذلك إلى تغيير بنيوي في الثقافة الاحتجاجية”.

بداية استقلال نسبي وتوسّع دائرة القمع 

بعد سنوات من النشاط في “نادي الطاهر الحداد”، تمكّنت نساء النادي أخيرا من الحصول على التأشيرة القانونية لتأسيس الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، بعد صعود زين العابدين بن علي سدّة الحكم. كانت هذه الجمعية أوّل هيكل نسوي مستقل تماماً عن الحزب الحاكم، يتبنّى خطاباً حقوقياً راديكاليًا يربط بين حقوق النساء والديمقراطية الشاملة. وبالتزامن مع تلك الفترة تأسّست جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية وكانت  تركّز على الجوانب الأكاديمية والتنموية وحقوق النساء الاقتصادية.

أصبحت الحركة النسوية خلال تلك الفترة أكثر تنظيما وبدأت الناشطات تتحسّس الاستقلالية وامتدّت لتشمل  المطالبة بجملة من الحقوق الاجتماعية والسياسية والدفاع عنها،  مثل  الدفاع عن الحريات الفردية في الفضاء العام، وهو ما تجسّد سنة 2004 عبر التصدّي لما عُرف بـ”حملات الأخلاق الحميدة”. 

شنّت السلطات الأمنية في تلك الفترة، حملات تضييق واسعة استهدفت الشباب والنساء في الشوارع والحدائق العامة بدعوى الحفاظ على الآداب، مستخدمةً الفصل (226 مكرّر) من المجلة الجزائية كأداة للقمع.  وقد انتفضت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وثلّة من الحقوقيات والناشطات والحقوقيين ضدّ هذه الممارسات، معتبرات إيّاها “عسكرة للأخلاق” وارتدادًا عن المشروع الحداثي للدولة.

ومثّلت هذه المواجهة محطّة فارقة، حيث نجحت الناشطات في تعرية تناقض النظام الذي يسوّق نفسه كحامٍ للنساء دولياً بينما يمارس وصاية أمنية وأبوية على أجسادهن وحريّاتهن. من جهتها، توسّعت الحركات الاحتجاجية في تلك الفترة، رغم القمع البوليسي، ضدّ العنف المسلّّط على النساء خاصّة بعد بعث “لجنة المرأة بجمعية النساء الديمقراطيات”. 

وفي هذا السياق، تقول حفيظة شقير: “كان النشاط النسوي في تلك الفترة رغم التضييقات الأمنية مستقلا وكنّا معارضين ومعارضاتٍ  للنظام”. 

وبالتوازي مع الحركات النسوية المدافعة عن حقوق الإنسان، والتي أثمرت تنقيح مجلّة الأحوال الشخصية، وغيرها من المكاسب، كانت هناك مواجهة تخوضها النساء أحيانا بصوت غاضب وأحيانا بصمت،  فلم تكن المواجهة في عهد بن علي سوى فصلٍ أكثر شراسة من صراعٍ وجودي انطلق منذ أواخر عهد بورقيبة، وقام في جوهره على استراتيجية “الاستئصال” الممنهج لقيادات حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي سابقاً). 

وفي خضم هذه الحرب الدائرة بين السلطة والإسلام السياسي، وجدت الناشطات التونسيات المنتميات لهذا التيار أنفسهن في قلب رحى القمع،  فلم يكن نضالهن ترفًا سياسيًا، بل كان صمودًا غريزيًا ضد آلة أمنية استهدفت تفتيت الروابط الأسرية والاجتماعية كأداة للضغط السياسي. وبينما كانت القيادات الرجالية  وحتى النساء تُغيب في غياهب السجون أو المنافي، كانت الناشطات والزوجات والأمهات يقدن التحركات والاعتصامات أمام المحاكم، في الشوارع وفي ساحات الكليات. تواصل هذا الصمود مع توسّع  دائرة القمع بعد المنشور” 108″  الذي استهدف حرية لباس التونسيات وحق الكثيرات في الولوج إلى الفضاءات العامة  كالجامعة، والمؤسسات وغيرها.

 وفي هذا السياق ترى الباحثة في الجندر سهام بن علي أنّه “خلال فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تحوّلت النساء إلى رمز دعائي يُستخدم في مواجهة الإسلاميين، فأُقيمت احتفالات 8 مارس داخل قصر المؤتمرات بحضور مميز للنساء كواجهة، بينما واصلت الدولة إعادة إنتاج التمييز الجندري عبر آليات الولاية ومنع زواج التونسية بغير المسلم، في المقابل، أنشئت جمعيات نسوية ورشات واعتصامات صغيرة”. 

ولعلّ ما يفسّر ضعف التحركات الاحتجاجية بشكل عام والنسوية بشكل خاص في تلك الفترة، هو ما كانت تفرضه الحركة  السياسية آنذاك، حيث كانت هذه الحركة تنشط خاصّة بعد الاستقلال ضمن مناخ سياسي تتوزع فيه الشرعية السياسية بين قطبين وهما السلطة التي قادت التحرر الوطني، ومعارضة نابعة من داخل الحركة الوطنية نفسها.  

هذا الإنغلاق والرقابة الصارمة أثّرت بشكل واضح على الحركة السياسة، وعلى نشاط الحركات النسوية؛ التي لم تجد الظروف التي تغذيها بل قد ساهم هذا التقييد والضبط السياسي في تأخير ظهورها وتنظيم النشاط النسوي لكنها لم تمنع تسرب الوعي ونموه لدى جيل كامل من النسويات  اللواتي سيصبحنَ فاعلات ومؤثرات في  المشهد السياسي والحقوقي لاحقا.

استمر نظام بن علي على ذات الوتيرة من القمع الأمني التي أسس لها العهد البورقيبي، مكرّسا هيمنة وسطوة الحزب الواحد وسط محاولات تصفية المعارضة، وفي هذا السياق يقول الدكتور والباحث في علم الإجتماع السياسي المولدي القسومي في حديثه لـ”هنّ”:  “استمرّت هذه العملية حتى بداية الستينات، حين تحوّل المشهد نحو نظام الحزب الواحد. تلا ذلك ظهور معارضة شكلية في محاولة لإضفاء صبغة من الديمقراطية الهشّة، وهو وضعٌ استمر حتى سنة 2011.”

لكن رغم ذلك، بدأت حركات اجتماعية  تطفو بين الحين والآخر، وعي طلابي ونقابي ينمو، ونشاط نسوي ينظّم رغم الضغط والتضييق.

الاحتجاج داخل أسوار الجامعة 

كانت الجامعة التونسية، رغم وجود الأمن الجامعي، المعقل الذي لم ينجح نظام بن علي في  تدجينه أو السيطرة عليه بشكل كامل، فكانت الجامعة التونسية حينها متنفسا للطلبة، وفضاء للتمرّد والغضب والاحتجاج.

فمنذ سبعينيات القرن الماضي، كان الاتحاد العام لطلبة تونس مدافعًا عن استقلاليته ورافضًا لتحويلهِ إلى أداة لخدمة السلطة رافضا لكلّ أشكال الوصاية الحزبية، سواء زمن الحبيب بورقيبة أو بن علي، رغم محاولات الاختراق المتكرّرة. هذا الرفض تجسّد في الكثير من التحركات الاحتجاجية والتظاهرات رغم بطش السلطة آنذاك واستماتهها في إحكام قبضتها على الاتحاد لأنّها كانت تدرك جيدا معنى السيطرة على الفضاء الجامعي والطلبة.

فكانت ساحات الجامعة التونسية لا تعرف الهدوء، وتحوّلت إلى ميادين نضال مفتوحة يلتقي فيها الطلبة والطالبات على اختلاف اختصاصاتهم، يخطب قادة “الاتحاد العام لطلبة تونس” في حلقات طلابية حاشدة. وكان الطلبة، وفي مقدمتهم الشابات، يلتفون حول الخطيب وهو يعتلي درجة في الكلية، وبصوته الجوهري يلقي بكلمات مفعمة بالحماس الثوري، والمطالب الحقوقية. 

كان الطلبة والطالبات في تلك الفترة على مقربة من وجع الوطن وقضاياه بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم الفكرية والايديولوجية والجهوية. كان يحركهم وعي سياسي يافع وحماس ثوري جامح. في تلك المشاهد الملحمية، لم تكن الطالبات مجرّد صدى للهتاف، بل كنّ المحرك الأساسي للنقاش، والدعم، والفعل الميداني، في مشهدٍ جسّد عمق انشغالهنَّ بقضايا واقعهنَّ السياسي والاجتماعي، وأثبت أنّ “الحرم الجامعي” كان المختبر الأول لتشكّل  الوعي والحرية ولصناعة الثورة لاحقا.

ولعلّ أحداث الحوض المنجمي في جوان 2008 بقفصة كانت خير شاهد على تلك الفترة العصيبة والتي انطلقت بشرارة نسائية خالصة، حيث جلست 13 سيدة على السكة الحديدية بقفصة احتجاجا على التهميش وغياب التنمية  ليتوسع الاحتجاج في عدد من مدن الولاية.

خرجت النساء إثر هذه الأحداث تجوب شوارع مدينة قفصة رافعاتٍ شعارات من قبيل: “التشغيل التشغيل لا وعود لا تضليل.. يا نظام يا جبان شعب الرديف لا يُهان.. يا حشاد شوف شوف الخيانة بالمكشوف.. السجين أولا الحوار ثانيا.. أموال الشعب في القصور أبناء الشعب في الخيام”.

عملية النضال التعبوي تلك، التي قامت بها النساء خلال الحركة الاجتماعية الاحتجاجية؛ جعلتها تتجاوز الذهنية الذكورية في الحوض، بحيث نفت الفروقات زمن المواجهة، فكلّ من موقعه وحسب قدراته، كما اخترقت النساء الحُجُب والحدود على الرغم من ثانوية دورها إلا أنّه كان مهما للدفعِ بالحراك الاجتماعي الذي كانت تعيشه المدن المنجمية، نضال صنعته المرأة العاملة والموظفة وربة البيت والزوجة والأخت والأم.

وفي إطار فك الحصار على الحوض المنجمي والتعريف بقضيته العادلة لأهالي المنطقة المهمشة  التي لفظتها السلطات بعيدا، أغلق المحتجون والمحتجّات الطرقات، فجوبهت الاحتجاجات والمطالب بالقمع والعنف البوليسي وسقط شهداء والجرحى واعتقلت النساء وتعرضنّ للاستنطاق.

كان الوعي الطلابي آنذاك في أوجه، حيث أثبت طلبة وطالبات جامعة منوبة مستوى فريدا من رباطة الجأش، والوحدة بهدف فكّ حصار المنطقة المظلومة، والتعريف بقضيتهم العادلة في حين كان الإعلام العمومي بوقًا للسلطة ومنحازًا لسرديتها.

وفي هذا السياق، تستحضر الطالبة حينها بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار آمال العلوي في حديثها لـ”هنّ”، لحظات ملحمية ما تزال طازجة في ذاكرتها. أمال كانت في الصفوف الأولى،  للطلبة الذين دخلوا في اشتباكات مباشر ة مع قوات الأمن الجامعي.

“قمنا بتحركات احتجاجية، أتذكر وقتها بجهة منوبة وفي أحد الأيام قمنا بغلق الطريق  وتجمّع مئات من الكلية ورفعنا شعارات مساندة ومطالبة برفع هذا الحصار ولكن يومها دُهست بعربة تابعة لاتصالات تونس كانت أمامي مباشرة، حاول القيام بمناورة الرجوع الى الخلف، ثمّ واصل سيره.. لا أتذكّر وقتها ماذا حدث لكن أتذكر أنّني استيقظت بالمستشفى… يوميا كنا نقوم بتحركات احتجاجية ومواجهة مع الأمن الجامعي والقوات المرابطة خارج أسوار الجامعة”، تسرد أمال.

وتتابع آمال في حديثها لـ”هنّ”، مؤكّدة أنّ  ما  كان يعطينا القوة كطلبة هو الوحدة وحملنا للمبدأ ألا وهو عقيدة الحق والدفاع على القضايا العادلة وأنّ الطالب ليس بمنأى عن واقعه الاجتماعي ولا السياسي. “تلك اللحمة وذلك الوعي ما كان يمير تلك المرحلة رغم قسوتها”.

فالطلبة في تلك الفترة كانوا منخرطين انخراطا عضوياً في الشأن العام وكان لهم حضور وموقف ورأي، رغم المنع والقمع الأمني، وكانت السجون التونسية آنذاك شاهدة على اعتقال عشرات الطلبة بسبب نشاطهم الطلابي.

من جهتها، تقول حفيظة شقير إنَّ “محاميات الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات تنقلن إلى النساء في قفصة، حيث تم الترافع والدفاع عن المعتقلين من أزواج تلك النساء وآبائهن وإخوتهن وأبنائهن”.

منذ التحاقي بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار سنة 2007 لم اتخلف يوما عن المشاركة في التحركات سواء كانت في البيت الجامعي أو في المعهد، أو باقي كليات تونس العاصمة”، تؤكد أمال. وتروي بأنّ الحضور الفاعل التي كانت تتميز به الطالبات في تلك الفترة، وكانت الأدوار لا تقتصر على المشاركة في التحركات فقط بل تتوزع بين بين التأطير وقيادة التحركات ووضع الخطط تحسبا للهجمات البوليسية. 

كانت آمال من بين الطالبات اللواتي توكل لهنَّ هاته المهام لجرأتها وشجاعتها، رغم تعرضها لمضايقات وتهديدات مزدوجة من قبل العائلة التي كانت تطالبها بإستمرار بالتراجع والانسحاب من التحركات الطلابية أو من قبل قوات الأمن كذلك.

وتتذكر آمال أهم المحطات النضالية التي تركت أثرًا فيها “أحداث منوبة 2009″، عندما تم إيقاف أغلب مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس، وشاركت بمعية الطلبة  بتحرك احتجاجي من أجل إطلاق سراح الطلبة المعتقلين.

“يوم 3 نوفمبر تمت محاصرة كلية الآداب منوبة واعتدت قوات التدخل على العميد والطلبة، ووقع  التحضير لايقافنَا ولكن استطعنا الهرب بمساعدة الصحفية والرفيقة نزهة بن محمد، التي حُوكمت إثر ذلك بسنة سجن مع إيقاف التنفيذ، كما تم إيقافي بتاريخ 9 ماي 2010 بمدينتي طبرقة وأنا في سيارة الأجرة، حيث كان مبحوثا عني ولم أكن أعلم، وغادرت غرفة الإيقاف في نفس الليلة بعد ضغط ومساندة من رفاقي”، تسرد أمال.

 شهدت تونس في تلك السنوات، تحوّلا جذريا في فلسفة الاحتجاج النسوي،  حيث بدأ جيل جديد من الناشطات والطالبات في كسر “طوق الوصاية” الذي فرضه النظام. وتحديدا منذ عام 2008، كان المنعطف الحقيقي الذي انتقل فيه الإحتجاج النسوي من “النضال النخبوي” والحقوقي إلى الشارع والاحتجاج الاجتماعي، الذي ينطلق من المناطق المهمشة والمنسية، ومن الجامعة ومن الفضاءات العامة.  

حيث لم يعد الشارع حكرا على الذكورية أو الاستعراضات الرسمية للحزب الحاكم، بل أضحى ساحة مواجهة مفتوحة، وتجسّد هذا الاستقلال في توسع سقف المطالب، فلم تكن النساء يطالبن فقط بالمساواة القانونية، بل أصبحنَ يرفعنَ شعارات سياسية واقتصادية تندد بالفساد، التهميش والقمع الأمني، مما جعل الحركة النسوية جزءا عضويا لا يتجزأ من الحراك الديمقراطي  والاجتماعي العام.

اقرأ أيضا

  • قانون الأسرة في الجزائر: 40 عامًا من الجدل ..  هل يبقى مستقبل المساواة معلقا؟ 

    واحد وأربعون سنة تمر على سن قانون الأسرة في الجزائر ، معركة نضالية  امتدت منذ سنة 1984 ،تراوحت بين مطالب الإلغاء أو التعديل ، عرفت انفراجا سنة 2005 عبر تغييرات اعتبرها البعض غير كافية والبعض الآخر خطوة ايجابية نحو تحقيق المساواة وضد التمييز في ظل سياق اجتماعي تتصادم فيه المطالب الحقوقية مع التقاليد والأعراف في…

    ماجدة زوين|

  • على ضوء الانتخابات الرئاسية.. أية مكانة للمرأة الموريتانية في سياسة البلد؟

    الانتخابات في موريتانيا لن تحدد القيادة السياسية للبلاد فحسب، بل سيكون لها أيضا القدرة على التأثير بشكل كبير على الاتجاه المستقبلي للتنمية الديمقراطية، والاستقرار الإقليمي، والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك النساء وتأثرهن شبه الغائب في الجمهورية الإسلامية الموريتانية. ففي موريتانيا، يتنافس ستة مرشحين ضد الرئيس المنتهية صلاحياته محمد ولد الشيخ الغزواني، أهمهم زعيم مكافحة…

    نور عبدالدائم|

  • من الاحتفال إلى النضال: 13 أوت يوم لمواجهة التراجع عن مكتسبات النساء

    تحلّ الذكرى التاسعة والستون لصدور مجلة الأحوال الشخصية، التي اعتُبرت منذ عام 1956 نقلة نوعية في مسار حقوق النساء، حيث ألغت تعدّد الزوجات، ومنعت الطلاق التعسفي، ومنحت النساء بعض الحقوق المدنية والسياسية. غير أن هذه الحقوق تواجه اليوم خطر التآكل، في ظل ما تصفه الجمعيات الحقوقية بـ”التراجع الملموس” في أوضاع النساء، نتيجة سياسات السلطة القائمة،…

    Hounna | هنّ|

  •  :  إصلاح “مدونة الأسرة”.. الجدل بين المحافظين والحداثيين يقسم المغرب

    مع اقتراب انتهاء المهلة التي أعطاها العاهل المغربي، لتعديل "مدونة الأسرة"، قبل 26 مارس الجاري، يعيش المغرب انقساما بين المحافظين والحداثيين، فصفحة "المدونة كاتسنانا"، على موقع التواصل الاجتماعي "إنستغرام"، والتي ترفع شعار "في انتظار عهد جديد لقانون الأسرة في المغرب"،  لحملة أطلقتها، تظهر تطلعات المنظمات النسوية وجمعيات المجتمع المدني في المغرب، للإصلاح "مدونة الأسرة"، التي…

    Hounna | هنّ|