بين القمع والاحتواء: كيف تراجعت مكاسب الحركة النسوية التونسية
تتقدّمن الصفوف الأمامية من المظاهرات والاحتجاجات، في شوارع العاصمة وفي الجهات، بحزم وثبات تقف مناضلات من مختلف الأجيال متوشّحات بـ “محارم الفلاّحات” المزركشة بالورود أو “بالكوفية الفلسطنية” تعبيرا عن رفض الإبادة. هذا التوشّح الرمزي، هو تعبير عن القضايا التي تؤمنّ بها وتدافعن عنها بأساليب مختلفة، فهنّ يقدن المسيرات، تقرعن الطبول والمزامير وترفعن اللافتات، وتنادين بالشعارات في الميغافون بكلّ حماس “تي سيّب، تي سيّب، تي سيّب النساء”.
هنا، يتحوّل الحراك الاحتجاجي إلى مشهد يحمل ازدواجية الاحتجاج الغاضب والعرض الفرجوي المنظّم بعناية، يمتزج فيه الصوت الأنثوي بصوت الجماعة، وينطلق عاليا مكتسحا الفضاء، مشهد سيمفوني فلكوري منظّم بلمسة أنثوية، مشهد متناسق قوي يتحوّل فيه الجسد الأنثوي إلى شعلة غضب لأجل الحقوق والقضايا العادلة.
هذا المشهد الاحتجاجي وما يرافقه من تحديّات، ليس إلاّ فصلاً جديداً من رواية نضالية طويلة، فخلف كل محتجّة اليوم، تكمن ذاكرة ممتدّة لـ “زمن الجمر” وسنوات المطاردات، حيث صُقلت إرادة هؤلاء النساء في معارك لم تكن أقل ضراوة من تلك اللاتي يخضنها اليوم.
الاحتجاج النسوي بعد ثورة 2011: أكثر استقلالية وتحقيق للمكاسب
مع بداية اندلاع ثورة 2011، كانت الناشطة والصحفية الراحلة لينا بن مهني من أولى الوجوه البارزة التي نقلت صوت الثورة والغضب الشعبي، حيث لم تكتف بالتدوين خلف الشاشات، بل كانت أول من تنقل ميدانيا إلى مدينة الرقاب وسيدي بوزيد والقصرين إبان اندلاع شرارة الاحتجاجات الأولى في ديسمبر 2010.
وثقت بالصورة والفيديوهات ونقلت للعالم ما يحدث في الداخل التونسي من قمع أمني و تقتيل للشعب عبر مدونتها “بنية تونسية” وكذلك كانت ترسل مقاطع الفيديو إلى القنوات التلفزية.
تقول لينا في مدونتها الناطقة بثلاث لغات: “لن أنسى تلك اللحظة حينما رأيت فيها جثمان الشهيد نزار السليمي في بلدة الرقاب ممدا وسط أهله وأصدقائه.. لكن ذلك أعطاني قوة وعزيمة أكثر لإيصال أصوات هؤلاء الشهداء، حتى لا تذهب دماؤهم هدرا”
ومع توسع الاحتجاجية مطلع 2011، اجتاحت التحرّكات الاحتجاجية عديد المدن التونسية نهارا وليلا، وتهاوت التقسيمات الجندرية، وسقطت آنذاك جريحات وشهيدات. وكانت الحقوقية حفيظة شقير هي وثلّة من الناشطات قد قمن بكتابة دستور موازي سنة 2012 و2013 ووضعن مقاربة دستورية تشمل حقوق الإنسان وحقوق النساء والسياسية والتناصف وغيرها من النقاط المهمة، لكنهنّ تفاجئن سنة 2012 بعد صدور أوّل مشروع دستور بمبدأ تكامل الأدوار بدل المساواة التي كنّ قد طالبن بها.
احتجاجا على ذلك، تحوّلت ساحة القصبة إلى ساحة احتجاج مفتوح حيث اعتصمت النساء لأسابيع لإدراج التناصف في الدستور. وفي صيف 2012، أُطلق أول اعتصام نسوي بقيادات نسوية، شابات، عاملات، أمّهات، وكُتبت العرائض التي تطالب بالتراجع عن التكامل واستبداله بالمساواة وكانت النسويات آنذاك تتابعن المشروع عن طريق النوّاب والنائبات، وهكذا تمّ انتزاع مبدأ التناصف الذي فتح الأفق أمام النساء للنفاذ للحياة السياسية قبل أن يتمّ التراجع عنه بعد 25 جويلية 2021.
بقدرِ ما عرفت الفترة التي تلت الثورة انتعاشة في مستوى الحريات، بقدر ما كان هذا العبور مكلفا جدا؛ حيث اغتيل القيادي اليساري في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (الوطد) والمحامي شكري بلعيد، ثم تلاه بعد أشهر قليلة اغتيال عضو المجلس الوطني التأسيسي والسياسي في التيار الشعبي محمد البراهمي.
هذه الاغتيالات أربكت وزعزعت الساحة السياسية والاسقرار الأمني، خاصة مع بروز حركات سلفية متطرفة و تغلغل الإرهاب في البلاد. وفي ظل هذا الوضع الأمني المضطرب والهجمات الإرهابية المتكررة، كانت النساء في الواجهة حيث نظمن الاعتصامات والتحركات الاحتجاجية للمطالبة بالعدالة و التحقيق في مقتل بلعيد والبراهمي. وقد كانت أرملتا الشهيدين، ونشاطات نسويات، في مقدمة هذه التحركات الاحتجاجية التي طالبت بالكشف عن المتورطين في مقتل الشهيدين وتطهير البلاد من الإرهاب.
كذلك، نجحت الحركات النسوية في تلك الفترة عبر الضغط السياسي في الشارع، في فرض الفصل 46 من دستور 2014 الذي ألزم الدولة بحماية حقوق النساء والعمل على تحقيق التناصف. ومن جهتها، واصلت شقير حملات تحسيسية ضدّ العنف المسلّط على النساء، وكانت هي ومجموعة من الناشطات يسعين إلى الولوج إلى مجلس نوّاب الشعب، وكتابة قراءتهن النقدية ممّا أثمر عن إضافة القانون عدد 58 للقضاء على العنف ضد النساء لسنة 2017.
وبالتوازي مع ذلك، اتّسعت مساحة نشاط العمل المدني والحقوقي، حيث تؤكّد حفيظة شقير أنّ “التناصف في القوائم الانتخابية” لم يكن مجرّد نص قانوني عابر، بل مطلباً تاريخياً تبلور عبر نضالات ميدانية شاقّة خاضتها النساء في الشوارع. بيد أنّالمعركة الأشرس كانت في ملف “المساواة في الميراث”، وهو مطلب قديم متجدّد كشف عن عمق الانقسام حتى داخل الصفّ التقدمي الذي واجه المقترح بالمماطلة.
وتستذكر شقير لحظة الصدام الكبرى في مظاهرة باردو سنة 2016، حين خرجت النسويات للمطالبة بتنقيح مجلّة الأحوال الشخصية وإقرار المساواة في الإرث، ليصطدمن بمظاهرة مضادّة ترفع المصاحف في وجوههن، معلنة رفضها المساس بالنصوص الدينية.
يتجاوز الصراع النسوي من أجل الحقوق المدنية والسياسية حدود السلطة، إلى صراعات أوسع على امتداد عقود من الزمن وأشد ضراوة مع العقلية المجتمعية التي ما تزال تؤمن بالتقسيم الجندري للأدوار الكلاسيكية بين النساء والرجال وترفض الاعتراف ببعض المطالب والحقوق، بل وتراها اعتداء على المقدّس الديني وتقاليد المجتمع وانتهاكا لهما. وهو ما يفسّر في مناسبات كثيرة تعرّض المدافعات عن حقوق الإنسان والنسويات بشكل خاصّ إلى هجمات وحملات متكرّرة بهدف تشويههن وحتى اتهامهن بالإنفلات الأخلاقي.
في هذا السياق تقول الباحثة في سوسيولوجيا الجندر سهام بن علي لمنصّة “هنّ”، بأنّ “الثورة لم تُخرج فقط نساء جدد إلى الشارع، بل أفرزت فاعلات نسويات جديدات يملكن أدوات وخطاباً مختلفاً عن الجيل السابق، ويُعدن إنتاج أنفسهن خارج السلطة البطريركية التقليدية وخارج الضبط الاجتماعي الذي كان يُدرج النساء كـ”رموز” لا كـ”صانعات قرار”.
امتدّت التحرّكات الاحتجاجية في تونس بعد الثورة ولم تهدأ، بل كان السياق حينها حافلا بالأحداث والمتغيرات المتسارعة، فلم تهدأ الشوارع وغدت أرضا خصبة للصراع وللضغط والاحتجاج، فالشارع آنذاك أصبح بمثابة “البرلمان الموازي” للمعارضة والمحاججة وتُكتب وتُعدّل بفضله القوانين والمقترحات، كما كان وسيلة من وسائل إخضاع السلطة والتأثير على خياراتها.
ورغم أنّ علاقة الشعب التونسي بالشارع هي علاقة قديمة جديدة لم تبدأ فقط بعد ثورة 2011، إلاّ أنّ التحركات التي أعقبت تلك الفترة اكتسبت خصوصية مميزة، فبدا الشارع كأحد الفضاءات الرئيسية الأكثر استيعابا لمختلف الحركات السياسية التي يتحسّس من خلاله الشعب مذاق الديمقراطية لأوّل مرة.
لقد كانت الشوارع صاخبة، غاضبة، في العاصمة والجهات وكانت للنساء والقيادات النسوية حضور بارز فيها مثل اعتصام الرحيل في صيف 2013، وحركة مانيش مسامح سنة 2017، وحركة فاش نستناو سنة 2018، وحركات الجيل الخطأ سنتي 2020 و2021، وغيرها من التحرّكات الأخرى التي رسمت ملامح خارطة مرحلة سياسية بأكملها، وهو ما ولّد أحيانا صدامات وصراعات مستمر بين الأطراف السياسية.
وبالتزامن مع ذلك، ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي، التي أفرزت أدوات احتجاجية جديدة، في نقل أشكال الاحتجاج وأصبحت محامل لها؛ فتشكّلت الصفحات والمجموعات للتعبئة وحشد الجماهير، وكُتبت البيانات، وفي هذا السياق تقول الباحثة سهام بن علي “في ديسمبر 2019، ظهرت أدوات جديدة وامتدّ الاحتجاج إلى الفضاء الرقمي عبر حركة “أنا زادة” (النسخة التونسية لـMeToo) التي أربكت عالم الذكور وفضحت التحرّش في الشارع والجامعة والبرلمان”.
الاحتجاج النسوى ما بعد 25 جويلية
تواصلت التحركات الاحتجاجية بين الشارع والفضاء الرقمي، والتي كانت غالبا تحت غطاء أحزاب سياسية أو منظّمة داخل حركات مدنية، ووصولا إلى سنة 2021 برزت حركة احتجاجية مستقلّة تحمل إسم “الجيل الخطأ” وهي حركة تصنّف نفسها امتدادا للثورة التونسية، كما يُذكر أنّ هذه الحركة أعلنت مقاطعتها للإعلام التونسي آنذاك، وكانت تنشط إعلاميا وفق منصّات التواصل الاجتماعي.
برزت هذه الحركة في مسيرتين، الأولى كانت في الـ19 من جانفي 2021، والثانية في الـ23 من الشهر ذاته حيث رفع المحتجّون والمحتجّات شعارات جديدة رافضة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية للسلطة. ومن بين تلك الشعارات رُفع “الصمت وقود الاستبداد” و”فاسدة المنظومة من الحاكم للحكومة” و”العدالة للأحياء الشعبية” و “البوليس إرهاب طبقي”، “مقاومة شعبيّة لا دساترة لا خوانجيّة” وغيرها من الشعارات.
اتّسمت هذه الحركات بأشكال احتجاجية راديكالية، وبشعارات تحمل “عبارات نابية” حسب تعبير السلطة، إضافة إلى الأسلوب الصدامي مع السلطة لا التفاوضي ونشاطها على مواقع التواصل الإجتماعي.
في السنة ذاتها، وخلال 25 جويلية 2021 دخلت البلاد التونسية منحى سياسيا وحقوقيا جديدا بعد أن قام الرئيس التونسي قيس سعيد بتجميد البرلمان، وتغيير الدستور سنة 2022 . ومنذ ذلك الحين، تراجع مستوى الحقوق والحريات، وفتحت أبواب السجن بمصراعيها لتبتلع أبرز القيادات السياسية والحقوقيون والحقوقيات والصحفيين والصحفيات.
هكذا، دخلت الحركة السياسية في تونس كما يصفها الأستاذ في علم الإجتماع السياسي والباحث مولدي القسومي “مرحلة ما قد يسبق عملية الانهيار والموت والتحلّل. ذلك أنّه بعد 25 جويلية، انتهى المطاف إلى رفع شعار”نهاية الأحزاب” وقَولبة الحياة السياسية ومعها الحركية السياسية، تحت سيطرة منظومة الحكم، وضمن”جمهورية بلا حزب حاكم” فانتهاء الأشكال التنظيمية للحركة السياسية يؤدّي بالضرورة إلى دخولها في حالة من الضعف، قد تسبق عملية الانهيار والموت والتحلّل، إلى أن تعيد تجديد ذاتها وفقاً لعوامل موضوعية أخرى، وهي عوامل غير متوفرة اليوم”.
وعلى الرغم من بوادر التصحّر التي بدأت تجتاح الحياة السياسية في تونس، والمنزلقات التي تدفع بالمسار الديمقراطي نحو دهاليز مظلمة تعيد للذاكرة سنوات عجاف من القمع والاستبداد، وارتفاع منسوب الخوف والرقابة، إلاّ أنّ روح الاحتجاج ما تزال تقاوم، وبرزت في الساحة خاصّة ضمن الصفوف الأمامية شباب “جيل زد” من مواليد (1997- 2012) هذا الجيل الذي واكب الانترنت و نشأ في مناخ مشبع بالحرية، والتعدّدية.
في هذا الصدد، نجد مودة الجميعي وهي ابنة مدينة قابس وشابة تنتمي إلى هذا الجيل، التي بدأت مسيرتها الاحتجاجية وهي في 15 من عمرها ضمن الحراك التلمذي في قابس وكانت صاحبة مبادرة في المعهد تطالب بنزع الميدعة لأنّها تعتبرها شكل من أشكال التمييز ضد النساء في المعاهد التونسية ووقعت عريضة بمعية 460 تلميذة، وفعلا نجحت آنذاك في فرض زيّ موحّد. تزامنت هذه االمبادرة مع انخراطها ضمن حراك stop pollution بقابس ومشاركتها في مختلف التحرّكات الاحتجاجية التي خاضتها الحركة بهدف تفكيك المجمع الكيميائي الملوث بقابس وضمان حق السكان في بيئة آمنة.
بعد أن تحصّلت مودة على البكالوريا، وانتقلت إلى العاصمة التونسية للدراسة، واصلت “التزامها” كما تصفه ضمن التحرّكات الاحتجاجية، حتى أنّ تجربة الاعتقال التي تعرّضت لها وهي طالبة في سبتمبر 2024 لم تثنها عن مشاركتها في كل التحرّكات الاحتجاجية اللاحقة بل وكانت تبرز ضمن الصفوف الأولى في المسيرات والتحرّكات الاحتجاجية خاصّة بعد انقلاب 25 جويلية.
تقول الشابة في حديثها لهنّ: “أوّل مرة خرجت فيها للاحتجاج لم تكن تجربة “جميلة” بل كانت صدمة. صدمة اكتشاف أنّ الشارع ليس محايدًا، وأنّ وجودي فيه كامرأة هو بحد ذاته موقف. نزلت إلى العاصمة وأنا أحمل غضبًا أكثر ممّا أحمل شعارات. كان صوتي يرتجف، ليس خوفًا بل من شدّة ما تراكم داخلي. في تلك اللحظة فهمت أنّني لم أعد قادرة على العيش في موقع المتفرّجة، وأنّ الصمت لم يعُد خيارًا بل شكلًا من أشكال التواطؤ“.
رغم انخراط شباب جيل زد في التحرّكات الاحتجاجية، سواء كانت تنديداً بالظلم أو رفضاً للنظام القائم أو دعماً للقضية الفلسطينية، فقد برزت أشكال تنظيمية جديدة يؤمن بها هذا الجيل، تقوم في جوهرها على “اللا تنظم” كشكل جديد من أشكال التنظم، وتعلن هذه الحركات عبر بياناتها عدم الانتماء لأي جهة كانت، وطالبت عبرها بعدم رفع أي شعار قد يعبّر عن خلفية أو انتماء سياسي ضيّق. وقد رُفعت خلال هذه التحرّكات شعارات الثورة : “الشعب يريد إسقاط النظام”، و”حرية، عدالة، كرامة وطنية”، بالإضافة إلى المطالبة الملحة بإطلاق سراح المساجين والمسجونات السياسيين.
الجسد الأنثوي في خضّم الإحتجاج
كان الجسد الأنثوي خلال الإحتجاج في الشارع أداة صراع ثورية وتمرّد على المكان والزمان، فمنذ الثورة، توسّع حضور الجسد النسوي المحتج، وتموقع في الشارع، حيث اجتاحت أجساد النساء في عديد المناسبات الشوارع ومنها نذكر ساحة القصبة ليلاً سنة 2011. وحسب الباحثة في سوسيولوجيا الجندر سهام بن علي “فقد تحوّل الجسد من “عورة” يجب حمايتها إلى جسد يُصوّت ويُصوّت، ما أحدث زعزعة لسردية «الشارع ليلاً للرجال». لكنّ الدولة أعادت إنتاج الضبط عبر الاعتداء الجسدي: الضرب بالهراوات، الغاز المسيل للدموع، وتلفيق التهم ما يُظهر أنّ السلطة البطريركية لا تقمع فكرة، بل تقمع جسداً أنثوياً يخرج عن الضبط الاجتماعي”.
ستمرّ حضور النساء في عديدا المناسبات والتظاهرات وكان هذا الحضور يتسم بقدرة عالية على تمرير رسائل بإستخدام الرموز مثل اعتصام قرية الرويعي سنة 2024 للمطالبة بالحق في الماء ، أين استخدمت النساء الجرّة البلاستيكية كرمز للإحتجاج على الماء، كذلك استُخدم الرقص الاحتجاجي في مسيرات 2025، حيث تحوّل الجسد من جسد مُراقب إلى جسد يُحدث إزعاجا ما يُحدث ارباكاً يومياً لرجال الأمن الذين اعتادوا على خطاب خطابي جامد لا على جسد ،غير ذكوري، ويتحرك إيقاعياً.
حملات تشويه .. هدفها ازاحتنا من الشارع
أصبحت مشاركة النساء في التحرّكات الاحتجاجية، مصدرا لحملات تشويه ممنهجة تستهدف نشر معطياتهن الخاصّة، صورهن، وحتى حساباتهن الشخصية، خاصّة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت محكمة افتراضية تحاكم فيها النساء أحكاما رمزية مبنية على تصوّرات، إشاعات، ومعطيات مغلوطة، وهو في الواقع شكل جديد من أشكال العنف.
هذه الحملات في الواقع تُحاسب المحتجّات على مواقفهن، بهدف ترهيبهن وإزاحتهن من الفضاءات العامة ومن أيّ مكان تسجّل فيه النساء حضورهن وترفع فيه أصوتهن وتطالب من خلاله بحقوقهن. تروي الناشطة الحقوقية مودّة الجميعي بمرارة كيف تحوّلت حياتها إلى سلسلة من الخوف والملاحقة، قائلة: “أنا اليوم لا يمكنني الخروج إلى الشارع بمفردي خوفاً على سلامتي الصحية، وقد غيّرتُ مقر سكني في الفترة الأخيرة ثلاث مرّات بسبب التهديدات المستمرة”.
لم يتوقّف الأمر عند التهديد، بل امتد إلى الفضاء الرقمي والواقعي، حيث تعرّضت الشابة للهرسلة والتشويه شمل الولوج إلى حساباتها الشخصية على مواقع التواصل الإجتماعي ونشر صورها ومعطيات عائلتها الشخصية، وصولاً إلى تعرّضها لعنف شديد من قبل شخص مجهول.
وتتجسّد مأساة غياب الحماية في صدمة التعامل الأمني، ففي الوقت الذي بحثت فيه عن العدالة، واجهت ردّاً غريبا من الشرطي الذي لجأت له بهدف الحماية حيث قال لها: “انت جميلة ما شاء الله عليك لا بد أنّ رد فعله كان غريزيّا” . هكذا تلخّص مودّة بشاعة واقع أمني عاجز عن حماية النساء بل يتعداه لتبرير اعتداءات المتحرّشين.
حملات التشويه التي تعرّضت لها مودة، والتي قادتها صفحات مشبوهة، خلّف لها صدمة نفسية: ” أنا اليوم أتعالج عند طبيب نفسي، فأنا أشعر بإرهاق وتعب شديد بسبب ما تعرّضت له مؤخرا”. حسب قولها.
المحتجّات في مرمى المتابعة الأمنية والاعتقالات
منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، كانت القبضة الأمنية هي سوط السلطة المسلّط على الرقاب، والأداة الخشنة لفرض الوصاية وتدجين الشارع. فقد اختبرت الذاكرة الجماعية للتونسيين والتونسيات أولى الانفجارات الشعبية الكبرى في “الخميس الأسود” سنة 1978، حيث قوبل أول انفجار شعبي بتونس حسب المؤرخّين بنزول الجيش والأمن وسقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى. لتليها لاحقا “انتفاضة الخبز” سنة 1984 فسقط الشهداء والجرحى برصاص الأمن، وتلتها اعتقالات وأحكام قضائية جائرة وصلت حدّ الإعدام.
ومع اعتلاء الرئيس زين العابدين بن علي سدّة الحكم، تعزّزت هذه العقيدة الأمنية لتصبح أكثر منهجية في قمع المعارضين والزج بهم في غياهب السجون، وصولاً إلى أحداث الحوض المنجمي سنة 2008، حيث واجه الرصاص الأمني المحتجين وسقط شهداء وجرحى في مدينة قفصة، قبل أن يبلغ القمع ذروته خلال ثورة الحرية والكرامة سنة 2011.
لا تحتفظ الذاكرة الشعبية التونسية اليوم بصور الأمن إلاّ وكانت مرادفة لديكتاتورية السلطة، وأدواتها القمعية، وبعد 25 جويلية لُوحظ أنّ هذه القبضة الأمنية اشتدّت بعد أن تراجعت قليلا بعد الثورة.
وضمن هذا المناخ، تعرضّت العديد من الناشطات والنساء المحتجاّت إلى الاعتقال والمتابعة الأمنية: فقد تعرّضت الناشطة البيئية رانية مشرقي في احتجاج نسوي سلمي أقيم في منطقة الرويعي بمعتمدية عين دراهم من محافظة جندوبة، من أجل المطالبة بالحق في الماء الصالح للشرب إلى تتبّعات قضائية. حيث تلّقت في 20 جوان 2024 استدعاء رسميا للمثول أمام فرقة الأبحاث بطبرقة من أجل استنطاقها. وواجهت تهما بتكوين وفاق بنية الاعتداء على الأملاك العامة والخاصّة والتحريض على الفوضى، إثر شكاية تقدّم بها معتمد طبرقة ضدها.
وفي 22 جويلية 2022 شاركت الناشطة النسوية ورئيسة جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أسرار بن جويرة في إحدى الوقفات الاحتجاجية التي تم تنظيمها ضد الاستفتاء الذي جرى في 25 جويلية 2022. ورفعت لافتة كتب عليها “الإسم قيس سعيد والمهنة عبد الفتاح السيسي”، لتجد نفسها تواجه ستة دعاوي قضائية ضدها منها “هضم جانب موظف عمومي” و”العصيان المدني”، كمـا تعرّضت إلى حملة تشويه ومضايقات إلكترونية وتهديدات عديدة.
وفي الـ 22 من جويلية 2022 شاركت الناشطة الحقوقية شيماء الجبالي في مظاهرة سلمية للاحتجاج على مسار الاستفتاء الذي نظّمه الرئيس قيس سعيد ومشروع الدستور. وخلال هذه المظاهرة تمّ الاعتداء على المحتجّين والمحتجّات من طرف البوليس وكانت شيماء من بينهم. إذ تعرضّت للضرب من قبل قوات الشرطة وأدّى الإطلاق الكثيف للغاز المسيل للدموع إلى تدهور حالتها الصحية بسبب اختناقها بالغاز.
ترى الحقوقية حفيظة شقير، التي عاصرت أجيالاً من النضال النسوي والسياسي من عهد بورقيبة إلى اليوم، أنَّ جوهر الاحتجاج يكمن في كونه أداة ضغط للفت انتباه السلطة لضرورة حماية حقوق الإنسان أو انتزاعها وضمان ممارستها دون انتهاك. ومع ذلك، تُبدي شقير قلقاً إزاء تراجع أشكال الاحتجاج اليوم نتيجة ضعف المجتمع المدني، مشيرةً إلى أنَّ أساليب السلطة في مواجهة الحراك لم تتغيّر جوهرياً، إذ ما تزال تعتمد على القمع الأمني، الاعتقالات، والرقابة العالية، فضلاً عن سلاح “التخوين” الجاهز لكلّ من ينقد سياسة الدولة. وبالنسبة إلى شقير، فإنَّ الحركة النسوية ليست معزولة، بل هي حركة اجتماعية تنصهر ضمن الحركات العامّة، ناضلت وما تزال ضدّ تضييقات أمنية مستمرة ترى في أجساد النساء وأصواتهن فضاءً للملاحقة بدلاً من أن يكون فضاءً للحرية والمواطنة التامة.
هكذا، فمن نادي الطاهر الحداد إلى الجمعيات النسوية، إلى الجامعة وداخل اتحادات الطلبة والنقابات العمالية وصولاً إلى اكتساح الشوارع، كُتبت فصول مسيرة نضالية كان فيها الاحتجاج النسوي العنوان الأكبر. فمعارك النساء في تونس لم تكن يوماً مجرّد صراعٍ على نصوصٍ قانونية، بل كانت وما تزال معركة متواصلة لانتزاع الحقّ في الاعتراف، التواجد في الفضاء العام، في الديمقراطية، والحق في وطنٍ يصون كرامة شعبه.















