في السنوات الأخيرة، أخذت قصص الابتزاز الإلكتروني في موريتانيا منحى متصاعدًا، لتتحول من حوادث فردية إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة، تطال النساء والفتيات بشكل خاص، وتترك آثارًا نفسية واجتماعية بالغة.
لالة (اسم مستعار) شابة موريتانية وجدت نفسها عالقة في فخ للابتزاز نصبه خطيبها السابق. بعد علاقة دامت عامين، تقول: “طلب مني صورًا خاصة، فاستجبت له بدافع الثقة، قبل أن يستخدمها لاحقًا لابتزازي ماليًا بعد فسخ الخطبة وزواجي من رجل آخر”.
ومع تزايد تهديداته، لم “أجد بُدًا من اللجوء إلى السلطات للتبليغ عن جريمة الابتزاز”، لتباشر فرق الجريمة السيبرانية بعد ذلك للتحقيق في ملابسات الجريمة، وفق تصريح الضحية لـ”هنَّ”.
وتضيف لالة “لم أكن أتوقع أن الشخص الذي وثقت فيه يمكن أن يتحول إلى شخص سيء يبتزني بخصوصياتي التي كنت أتوقع أن يحرص على حفظها أكثر مني”.
قصة مشابهة عاشتها مريم (اسم مستعار)، في الثلاثين من عمرها، تسرد لهذه المنصة أنها “تعرفتُ على شاب عبر مواقع التواصل سنة 2017، أوهمني أنه مستعد للزواج مني، لكني في المقابل وحين اقتنعت بالفكرة وبدأت علاقتنا ووثقت به، اتضح لاحقا أنه كان يسجّل لقاءاتنا المرئية دون علمي”.
وبعد أن “اكتشفتُ ذلك وقررت الانفصال عنه، فبدأ بابتزازي مقابل مبالغ مالية، وخوفًا من الفضيحة ونظرة المجتمع، دفعت له المال الذي جمعته من قريباتي وصديقاتي، قبل أن أقرر الانسحاب من الفضاء الافتراضي بإغلاق حساباتي والابتعاد كليا وأنا أجر ذيول الخيبة والإحباط”.
هذا، وتكشف بيانات “الفرقة السيبرانية للدرك الوطني” حجم انتشار هذه الظاهرة. ففي الثلث الأول من عام 2025 وحده، سجلت الأجهزة الأمنية أكثر من 1500 ضحية لجرائم إلكترونية، منها:
• 1060 حالة تتعلق بالاحتيال المالي.
• 220 حالة مرتبطة بسرقة الهوية والبيانات.
• 159 حالة ابتزاز وانتهاك للعرض، أي ما يقارب 10% من مجموع الضحايا.
هذه الأرقام، بحسب وزارة التحول الرقمي، “تعكس واقعًا مقلقًا يستدعي مواجهة جماعية، قانونية ومجتمعية”.
تراجع قيم المجتمع التقليدي
وتؤكد الباحثة الاجتماعية ميمونة محمد سالم من “مركز مبدأ للبحوث والدراسات الإنسانية”، أن “العنف السيبراني ضد المرأة من أبرز المواضيع في وقتنا الحالي لما يكتسيه من أهمية بالغة نتيجة لخطورته، حيث يمكن أن يؤثر على النساء بشكل خاص ويسبب لهن آثارًا نفسية وجسدية خطيرة”.
وتضيف أنه “يمكن أن يأخذ العنف السيبراني ضد النساء العديد من الأشكال، بما في ذلك التحرش الجنسي عبر الإنترنت، والابتزاز الإلكتروني، والاعتداء الإلكتروني، والتحرش الإلكتروني، الاختراق أو الاحتيال الإلكتروني”.
وتتأثر النساء، وفق الباحثة بالعنف السيبراني بشكل خاص، حيث “يمكن أن يؤدي إلى الإحباط وخيبات الأمل والقلق والاكتئاب وغيرها من المشاعر السلبية، بالإضافة إلى الآثار الجسدية مثل الصداع والأرق والدوخة وغيرها. ويمكن أن يؤدي أيضًا إلى العزلة الاجتماعية وفقدان الثقة بالنفس والخوف والقلق المستمر”.
لذلك، ترى المتحدثة في تصريح لمنصة “هنَّ” أن “حل هذه المشكلة يتطلب التعاون بين الحكومات والمؤسسات والأفراد، وتشمل الحلول تعزيز الوعي والتثقيف حول العنف السيبراني وكيفية الوقاية منه، وتشديد القوانين والتشريعات المتعلقة بالعنف السيبراني ضد النساء، وتوفير الدعم النفسي والعاطفي للنساء، وتقديم الخدمات والاستشارات القانونية والمساعدة للنساء ضحايا هذا النوع من العنف”.
“يجب أن تعمل القطاعات الحكومية والهيئات الرسمية وكافة منظمات المجتمع المدني على تطوير وتنفيذ إجراءات وأدوات للحماية السيبرانية والتحكم في الوصول إلى المعلومات والبيانات الخاصة بالنساء. يجب أن تحافظ الفتاة على خصوصيتها وتحمي نفسها من الذئاب المتربصة في الواقع وفي المواقع والتطبيقات الإلكترونية”، تؤكد ميمونة.
إذا تعرضت الفتاة للابتزاز أو التهديد، حسب المتحدثة “فيجب عليها إبلاغ من تثق في حكمتهم ووعيهم للتعاون مع السلطات لحماية نفسها… ويجب على المجتمع أن لا يقف في صف الجاني ويتحامل على الضحية، ما يحول دون الاستفادة من الخطأ وتفاديه مستقبلا عند بعض الفتيات”.
من جهته، يرى الباحث الاجتماعي أبوبكر الغوث أن “تفشي هذه الجرائم يرتبط بتراجع قيم المجتمع التقليدي، وضعف الثقافة الرقمية، والبطالة، إضافة إلى قصور الردع القانوني”.
ويشير الغوث في حديثه لـ”هنَّ” إلى أن آثارها لا تقف عند الضحايا بل “تمتد إلى المجتمع ككل، مسببةً التفكك الأسري، وجرائم الشرف، وحتى حالات الانتحار”.
أما المحامي الحسين بلال، فيؤكد لمنصة “هنَّ” أن الجريمة السيبرانية أو الإلكترونية هي أي نشاط إجرامي يتم عن طريق الإنترنت “سجل خلال السنوات الماضية الكثير من هذه الجرائم في البلد، وسن المشرع الموريتاني عدة قوانين للحد من هذه الجرائم من أهم هذه القوانين القانون 007/2016 المتعلق بالجريمة السبرانية الذي جاء لمعاقبة مرتكبي الجرائم الإلكترونية بشتى أصنافها وحدد عقوبات تبدأ من سنة وتصل في بعض المواد إلى 15سنة”.
إلا أن هذه الجرائم تتطور، يقول المحامي، و”انتشرت بشكل كبير مع ظهور المحافظ البنكية حيث يستخدم المجرمين عدة حيل من أجل الاحتيال على أصحاب هذه التطبيقات، وهو ما يجعلهم عرضة للقرصنة والاحتيال”.
ويسترسل أن “هذه الجرائم تمس من حياة الأفراد الشخصية من خلال الابتزاز والسب الذي يتعرض له الأشخاص عبر نشر الصور أو الكتابة من أجل المساس المتعمدة بالحياة الشخصية، ويعتبر هذا النوع من الجرائم هو الأكثر في السنوات الأخيرة”، مشددا على أن “المجتمع مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى للتوعية والتحسيس بخطورة هذه الجرائم”.
مسؤولية جماعية
التقارير والآراء تجمع على أن مواجهة الابتزاز والعنف السيبراني تتطلب تكاتف جهود الدولة، والمجتمع المدني، والأسر، عبر نشر الثقافة الرقمية بين الشباب والفتيات، دعم الضحايا نفسيًا واجتماعيًا بدل لومهم، تعزيز القوانين وآليات الحماية الإلكترونية، وإشراك الباحثين والهيئات الحقوقية في صياغة سياسات وقائية.
وتظهر الشهادات والمعطيات أن الابتزاز الإلكتروني والعنف السيبراني لم يعودا مجرد حوادث معزولة، بل باتا ظاهرة متنامية تستدعي معالجات متعددة الأبعاد، فالأرقام المسجلة من الجهات الأمنية تؤكد خطورة الوضع، فيما تكشف شهادات الضحايا حجم الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الجرائم.
وبينما يوفّر القانون إطارًا للعقاب، يبقى الوعي المجتمعي، والدعم النفسي للضحايا، وتعزيز الثقافة الرقمية، عناصر أساسية للحد من انتشار هذه الظاهرة والوقاية من تداعياتها مستقبلاً.



















