في تونس ما بعد الـ25 جويلية 2021، تكرّرت الانتقادات الموجّهة إلى وسائل الإعلام العمومية بشكل متواتر، وكانت النشرة الرئيسية للأخبار “أخبار الثامنة” التي تُقدّم في القناة الوطنية الأولى في مقدّمة هذه الانتقادات.
ويقر بعض الصحفيين والصحفيات أنّ التغطية الإخبارية أصبحت تركّز بشكل لافت على أنشطة رئاسة الجمهورية والحكومة، مع نقل مطوّل للخطابات والبلاغات الرسمية، مقابل حضور محدود أو مغيّب للأصوات المعارضة، أو للتقارير التي تطرح قضايا اجتماعية وسياسية قد تتضارب مع الراويةِ الرسمية للسلطة وما تدّعيه من إنجازاتٍ على غرار احتجاجات قابس، التي طالبت بتفكيك وحدات المجمع الكيميائي، وكذلك المسيرات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات السياسيين.
بين “معركة التحرير” وحرية التعبير
منذ 25 جويلية 2021، بدأ نظام قيس سعيّد رحلة تدجينه للإعلام العمومي وبسط سيطرته عليه، كما قام بمحاصرة الإعلام الدولي والصحافة المستقلة؛ ضاربًا عرض الحائط بأهمّ مكاسبه وقيَمِه الجوهرية؛ الحرية والاستقلالية.
وكانت البداية مع إغلاق مكتب قناة الجزيرة بتونس، ثمّ تلتها جملة من الإجراءات والأدوات المضيّقة على استقلالية الإعلام. كما كان لتجميد هيئة الإعلام السمعي البصري أثرا بالغا على الحقوق المتعلّقة بحرية النشر والصحاقة والتعبير، إضافة إلى المرسوم 54 الذي أصبح أداة لتكييف قضايا ضدّ الصحفيين والصحفيات.
وفي جانفي الماضي، اجتمع الرئيس التونسي قيس سعيّد برؤساء المؤسسات الإعلامية، ودعاهم بشكل صريح إلى المشاركة في ما سمّاه بـ”معركة التحرير الوطني”، داعيًا إلى أن يكون الإعلام صوتا للشعب. هذا الاجتماع ليس الأول من نوعه فكثيرة هي المرّات التي اجتمع فيها الرئيس برؤساء وممثلين وممثلات عن مؤسّسات اعلامية، وكان في كلّ مرّة يجدّد دعوته للانخراط في معركة تحرير الوطني وغيرها من المعارك. وفي المقابل، يُناضل يوميّا مئات الصحفيين والصحفيات داخل غرف التحرير لانتزاع مساحةٍ لخبرٍ مُغيَّب أو حقيقةٍ قد تختلف عن “الرواية الرسمية للنظام”.
لا تكتفي السلطة اليوم بالقوى القانونية و الأمنية لفرض سيطرتها، بل تسعى إلى إرساء هيمنة سياسية تجعل من روايتها الرسمية رواية متفرّدة. في هذا السياق، لم يعُد الإعلام العمومي مجرّد ناقل للأخبار، بل تحوّل إلى أداة لصناعة قبول طوعي لدى الرأي العام للرواية الرسمية.
ولعل أبرز سمة قد تعكس الانتقال نحو الديكتاتورية هي استحواذ النظام على كل السلط ببسط نفوذه على مفاصل المجتمع ومنشٱته بما فيه الإعلام. وحسب ما ورد في دراسة لمحمد الراجي صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات تحت عنوان “حالة الاستثناء وتأثيرها في الإعلام العمومي وحرية الصحافة بتونس (25 يوليو/تموز 2021- 17 مارس/آذار 2022” فإنّه “من مظاهر هذا الانتقال معاداة الصحفيين وجميع القوى الرمزية (الأحزاب والإعلام والنقابات والمفكرين والمثقفين…) التي تصنع الفاصل بين المجتمع والدولة، أي المجال العمومي. ولذلك تسعى السلطة إلى إفراغ هذا المجال من عمقه وحقيقته”.
تحت وطأة الخوف هكذا تُكتب الأخبار
منذ بداية فرض النظام لسلطته على قطاع الإعلام العمومي، تحوّلت قاعات التحرير إلى فضاء للخوف والترهيب والتوجيه، وبرزت تشكيّات في أكثر من مناسبة وردت في شكل اشعارات للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، وقد أفضت هذه الضغوط وفق النقابة إلى إقالة أو استقالة ثلاث رؤساء تحرير خلال السنوات الماضية.
وصرّح الرئيس قيس سعيد في عدّة مناسبات بأنّ بعض وسائل الإعلام “تروّج للأكاذيب” أو “تعمل لصالح منظومات فاسدة”، واعتبر أنّ البعض منها يسعى إلى “تضليل الرأي العام”. وهو ما اعتبرته نقابة الصحفيين ومنظمة “مراسلون بلا حدود” “تأجيج لمناخ عدائي” ضد الصحفيين والصحفيات، خاصّة مع تزايد المتابعات القضائية.
هذا المناخ الخانق لا تحكمه رقابة السلطة المباشرة المتمثلة في الإدارة فقط بل يتغذى أيضا على الترهيب والتهديد والتلويح بالسجن، وهو ما دفع بالعديد من الصحفيين والصحفيات بل وحتى مؤسسات صحفية بأكملها إلى تبني الرقابة الذاتية كآلية حماية وتجنب الخوض في المواضيع الحساسة التي من شأنها أن تزعج السلطة. فأصبح الصحفي اليوم يراجع أسئلته قبل طرحها مرارا، ويراجع مقالاته ويٌدقق كلماته قبل نشرها خوفا من أن تتسرب كلمة أو عبارة قد تتحول إلى تهمة و تعرضه للمساءلة.
اليوم، أصبح الصحفي وكأنه يمشي على حقل من ألغام بحذر مفرط، يكتب بالخوف وتحت الرقابة، يحرر تحت وطأة الاحتمال، احتمال التأويل الخطأ، النية الخطأ ثم العقاب. هذا الواقع، لا يعكس إلا تآكل العمل الصحفي وتفكك الرسالة الصحفية الهادفة إلى إنارة الرأي العام، وطرح الأسئلة الحارقة ومحاسبة المسؤولين بجرأة، وهو ما يختزل مخاوف الصحفيين والصحفيات من تحول مسار الصحافة من سلطة رابعة إلى سلطة تابعة وراكعة، وهو شعارٌ كثيرا ما رُفع في التحركات الصحفية.
وكالة تونس إفريقيا للأنباء تطالب بمجلس تحرير مستقل
احتجاجا على هرسلة الصحفيين والصحفيات، وعلى سياسة الإدارة العامة لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات) في علاقة بإدارة التحرير وأخبار رئاسة الجمهورية والنشاط الحكومي، يدين الصحفيون والصحفيات العاملين في المؤسسة بما وصفوه بمحاولة “تدجين المؤسسة” مستنكرين التدخلات الإدارية لإلغاء بعض البرقيات أو تفريغها من محتواها.
وعلى هذا الأساس اجتمع صحفيو وصحفيات وكالة تونس افريقيا للأنباء للمطالبة بمجلس تحرير مستقل للفصل في المسائل الخلافية وحفاظا على استقلالية المؤسسة والرسالة الصحفية.
وفي تصريحها لـ”هنّ” تقول الصحفية يسر بلخيرية مكلفة بالإعلام بفرع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بوكالة تونس افريقيا للأنباء أنَّ الهدف من هذا المجلس هو فصل التحرير عن الإدارة للبتّ في كل ما يخصّ العمل التحريري بطريقة تشاركية، وضمان عدم تدخّل الإدارة في الخط التحريري. كما تؤكّد بلخيرية أنَّ هناك فجوة كبيرة بين الدعاية والإخبار.
وعي ومقاومة من داخل غرف الأخبار
إنّ المطالبة بمجلس تحرير مستقل هو ليس بمطلب جديد، لكنه دليل على الوعي بأهمية حرية التعبير والتعديل الذاتي وأهمية استقلالية الخط التحريري، وعدم تحوّل الصحافة إلى إعلام حكومي أو دعاية له، وهو ما يُعبّر عن جيل جديد ولد في سياق ثوري، يتبنى قيم الثورة، ويقاوم من أجل صحافة حرّة.
هذا المطلب يأتي كشكل من أشكال المقاومة، وتأكيدا على المسؤولية الصحفية تجاه المجتمع وضمان حقه في تغطية عادلة لقضاياه بغض النظر عن اختلاف الزاوية أو السردية.
وفي حديثها لـ”هنّ” تقول العضوة بالمكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين جيهان اللواتي ’’أنّ إرساء مجلس تحرير مستقل بات ضرورة ملحّة، خاصّة بعد الحوادث الأخيرة، من بينها إشعارات تلقّتها النقابة من صحفيين/ات حول محاولات لرقابة ولحجب تمرير عريضة متعلّقة بحرية التعبير.’’
الإعلام المستقل والخاص في مرمى الاستهداف
لم تكتفِ السلطات بإحكام قبضتها على الإعلام العمومي ومحاولة تحويله إلى منبر دعائي، بل اتجهت نحو تضييق الخناق على ما تبقى من مساحات مستقلة أو خاصّة في مسعى لتجفيف منابع التعدّدية وتصحير المشهد الإعلامي برمّته. فكل صوت يغرّد خارج الرواية الرسمية يصبح محل تشكيك أو تضييق أو ملاحقة، في مناخ يتسم بتصاعد الخطاب العدائي ضد الصحافة النقدية والصحفيين والصحفيات.
من بين ذلك نذكر إيقاف نور الدين بوطار مدير إذاعة موزايك في فيفري 2023 ، ضمن حملة إيقافات شملت سياسيين/ات ونشطاء. اللافت في الأمر أنّ تفتيش منزله والتحقيق معه لم يركزا في البداية على ملفات مالية، بل ركزّا بشكل خاص على الخط التحريري لإذاعة “موزاييك”، وكيفية اختيار المحلّلين السياسيين، وطريقة نقد السلطة.
وفي ذات السياق، لم يكن الإعلام الجمعياتي والبديل بمنأى عن الاستهداف. فقد تمّ إيقاف نشاط موقع “نواة” لمدة شهر بقرار قضائي يعود لسنة 2023، ويأتي هذا القرار ضمن حملة واسعة استهدفت حينها عدد من منظمات وجمعيات المجتمع المدني.
هذا التعليق اعتبره رئيس نقابة الصحفيين التونسيين زياد دبار خلال تصريح إعلامي أنّه’’ سابقة خطيرة وهو قرار سياسي مغلف بقرار إداري’’
كما تعرّضت مواقع أخرى إلى ضغوط واستدعاءات، في سياق ما وصفه مدافعون عن حريّة التعبير بمحاولات إخضاع الإعلام البديل لمنطق الردع والترهيب. وتزامن ذلك مع تزايد التتبعات القضائية ضد صحفيين وصحفيات ومدونين ومدونات بموجب المرسوم 54 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتصّلة بأنظمة المعلومات والاتصال، والذي دعت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في أكثر من مناسبة إلى تعديله لكن السلطات خيّرت أن يبقى المرسوم سيفا مسلّطا على رقاب الأصوات الحرة.
عريضة مواطنيه دفاعا عن حرية التعبير
أطلق مجموعة من المواطنين والمواطنات والنشطاء والناشطات والصحفيين والصحفيات عريضة مواطنية تحت عنوان “دفاعا عن حرية التعبير ومن أجل صحافة مستقلة وصحفيين أحرار” و تجاوزت العريضة 1000 توقيع.
وفي تصريحه لـ”هنّ” قال حسام الحامي أحد منسقي العريضة “أنّ هذه العريضة تأتي كفعل احتجاجي ضد مساعي السلطة القائمة لعزل الإعلام المستقل والسطو على الإعلام العمومي”، مؤكدًا على أنّ هذا التحرك هو “لبنة أولى ستتوّج بلقاء حضوري يجمع كافة الموقعين والموقعات تليها تحركات أخرى تشمل مجالات مختلفة”.
ورغم كل التضيقات، مازال الصحفيون والصحفيات يدافعون باستماتة عن الحقّ في حريّة التعبير، فالبرغم من كل التجاوزات والتضييق على مساحات التعبير، تحوّلت منصّات التواصل الإجتماعي إلى مساحات موازية لصناعة الخبر وتداوله، وإلى ساحات مفتوحة للنقاش والغضب والاحتجاج والتعبئة. هي ليست أدوات تواصل فقط بل مثّلت بالنسبة لبعض الصحفيين والصحفيات؛ جبهات مقاومة مستمرة يتشكّل معها الوعي الجمعي بالراهن تدريجيا، كما تفكّك فيها الرواية الرسمية وتُطرح من خلالها الأسئلة المغيّبة في المنابر العمومية.


















