تخوض نساء شابات في الجزائر اليوم معركة غير مرئية، لا يتمّ تداولها علنا ولا تحظى بكثير من النقاش المجتمعي. إنّها معركة تتعلّق بالصحة الجسدية والنفسية. ففي سياق مجتمعي محافظ وخانق تتعاطى النساء المخدّرات بالحقن وتتعرّض لمخاطر انتقال فيروسات عبر الدم، على غرار التهاب الكبد الفيروسي (C).
لم يعُد الأمر سلوكًا فرديًا معزولًا، بل تحوّل إلى قضية صحّة عامة ذات أبعاد اجتماعية وجندرية، تتقاطع فيها الهشاشة النفسية، والضغوط الاجتماعية، ووصمة الإدمان، والخوف من البحث عن علاج أو تعاف ينجرّ عنه محاكمات أخلاقوية واجتماعية لا تنتهي.
وبينما أحرز الطب تقدمًا مهمًا في علاج التهاب الكبد الفيروسي (C)، ما تزال فئات من النساء تصل إلى العلاج متأخرًا، بسبب الخوف من الفضيحة أو من الإدانة الأخلاقية. وهنا يُصبح الحق في الصحة مرتبطًا أيضًا بالحق في الكرامة والسرية والحفاظ على المعطيات الشخصية وعدم التمييز.
من الهشاشة إلى المواجهة: كسر دائرة الصمت
“كنتُ طالبة جامعية متفوّقة، أضع التخرّج هدفًا واضحًا أمامي. لم أكن أتصوّر أنّ لحظة فضول وضغط بعض الأصدقاء في محيطي الجامعي، يٌمكن أن تغيّر مسار حياتي الصحي.” بهذه الكلمات بدأت سارة (اسم مستعار) سرد قصّتها بنظرات متوجّسة أحيانا وثابتة أحيان أخرى، مُستعيدة بدايات تعاطيها للحقنة الأولى: “في البداية بدت لي التجربة عابرة، حاولت الاندماج وعدم الظهور بمظهر المختلفة أو الرجعية أمام أصدقائي. تقاسمتُ الحقنة مع آخرين، دون وعي حقيقي بحجم المخاطر. لم أفكّر في الفيروسات ولا في معنى أن ينتقل دمٌ من جسد إلى آخر.”
بعد فترة، اكتشفت سارة أنّها لا تواجه فقط تبعات التعاطي، بل أصيبت بفيروس التهاب الكبد (C). تحوّل خوفها الأكبر من الرسوب أو الفشل الدراسي إلى قلق دائم على صحّتها. لم يكن الألم ظاهرًا، لكن القلق كان يرافقها كل يوم.
تؤكّد سارة أنّها كانت في حاجة إلى الدعم والتضامن، قائلة”ما كان ينقصني في تلك اللحظة لم يكن التوبيخ، بل التوعية والدعم. كنت أحتاج إلى من يخبرني أن طلبي للمساعدة ليس فضيحة، وأن العلاج حق لي.”
وككلّ القضايا والتحدّيات التي تُواجه النساء وتتقاطع تجاربهن من خلالها، يبرز الإدمان كوجه آخر من أوجُه التمييز واللامساواة في الصحّة، وأيضا كأداة تُستغّل من خلالها هشاشة النساء ولحظات ضعفهن. وإن كانت سارة الطالبة الجامعية قد تعاطت تحديّا للسلوك النمطي الذي يفرضُه المجتمع على النساء، فإنّ مريم (إسم مستعار) قد واجهت مصير الإدمان بعد صراع اجتماعي مرير يُصنّف النساء المطلّقات في خانة “المرتدّات”.
“بعد طلاقي، كُنت أبحث عن بداية جديدة. كنت أريد الاستقرار، واستعادة إحساسي بالأمان. عندما دخلتُ في علاقة عاطفية جديدة، صدّقت الوعود بسرعة، ربّما لأنني كنت متعبة من نظرات المجتمع وأحكامه. تدريجيًا، وجدت نفسي أُجرّ إلى تعاطي المخدرات بالحقن. في البداية أقنعني الأمر على أنّه تجربة مشتركة، ثم أصبح عادة لم أعد أتحكّم فيها. لم أكن أرى نفسي كشخص قد يقع في الإدمان، لكن الهشاشة تجعل الإنسان يتنازل خطوة بعد أخرى.” بهذه الكلمات اختزلت مريم تجربة دخولها إلى عالم الإدمان.
انتهت العلاقة التي تجمع مريم بشريكها، وبقيت هي مع تبعاتها بعد أن اكتشفت إصابتها هي أيضا بفيروس التهاب الكبد (C)، ووجدت نفسها تُواجه مرضًا صامتًا في مجتمع لا يتسامح كثيرًا مع النساء المطلّقات، فكيف إذا كنّ متعاطيات سابقات؟ بهذا السؤال ختمت مريم شهادتها المشحونة بالوجع، مضيفة: “أكثر ما كان يؤلمني ليس المرض في حدّ ذاته، بل الشعور بالعزلة. احتجت إلى وقت طويل لأقتنع أنّني لست مجرمة، وأنّ حقي في العلاج والاحترام لا يسقط بسبب أخطائي.”
وفي السياق ذاته، تؤكّد نوال لحول، رئيسة جمعية “الحياة” للأشخاص المتعايشين والمتعايشات مع فيروس نقص المناعة البشرية، أنّ المشهد تغيّر خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد الجمعية تواكب فئة اجتماعية محدّدة، بل تستقبل نساء من خلفيات تعليمية واجتماعية متنوّعة، وجدن أنفسهن في مواجهة مخاطر تعاطي المخدرات بالحقن وما يرتبط به من فيروسات منقولة عبر الدم.
وتوضّح لحول أنّ بعض الحالات التي تصل إلى الجمعية تعود لنساء جامعيات أو مطلقات، مشيرة إلى أنّ الهشاشة النفسية الناتجة عن ضغوط اجتماعية، وتجارب عاطفية معقّدة، ونظرة مجتمعية قاسية أحيانًا تُجاه النساء، قد تدفع بعضهن إلى الانغلاق وتأجيل طلب المساعدة.
كما تُلفت إلى أنّ النساء غالبًا ما يتأخّرن في الإفصاح عن معاناتهن مقارنة بالرجال، خوفًا من الوصم أو الإدانة الأخلاقية، وهو ما قد يؤدّي إلى استمرار الإصابة لسنوات دون تشخيص مبكّر. وتؤكّد أنّ هذا الواقع لا يستدعي التخويف أو التشهير، بل يستدعي تعزيز التوعية، وتسهيل الوصول إلى الفحص والعلاج في بيئة تضمن السرية والاحترام الكامل للكرامة الإنسانية.
وتختم لحول بأنّ الاستجابة الفعّالة لا تقتصر على العلاج الطبي، بل تشمل أيضًا مرافقة نفسية واجتماعية تُعيد للنساء ثقتهن بأنفسهن، وتكسر دائرة الصمت التي تُطيل أمد المعاناة.
حمل الفيروس عبر الحقن: بين التشخيص المبكر وفعالية العلاج
أوضح رئيس قسم أمراض الكبد بمستشفى مصطفى باشا، نبيل دبزي، خلال ندوة صحفية حول التهاب الكبد الفيروسي، أنّ فيروس التهاب الكبد (C) ينتقل أساسًا عبر الدم الحامل سابقا للفيروس مباشرة إلى مجرى دم شخص آخر. ويحدث ذلك غالبًا عند مشاركة الإبر والمحاقن أو إعادة استعمال أدوات الحقن دون تعقيم.
وأكّد أنّ الفيروس لا يحتاج إلى كمية كبيرة من الدم للانتقال؛ إذ يمكن لأثر دم مجهري داخل الإبرة أن يكون كافيًا لنقل العدوى عند إعادة استخدامها. ويرتبط هذا النمط من الانتقال بشكل وثيق بتعاطي المخدرات عن طريق الحقن، ما يجعل هذه الفئة أكثر عرضة للإصابة في حال غياب أدوات وقاية أو فحص دوري.
كما أشار دبزي إلى أنّ أحد أبرز التحديات الصحيّة يتمثّل في الحالات غير المشخّصة، حيث قد يحمل الشخص الفيروس لسنوات دون أعراض واضحة. في هذه المرحلة، يستمر الفيروس في إحداث تلف تدريجي في الكبد قد يتطور إلى تليّف (تشمّع الكبد)، ما يقلّص فرص التدخّل المبكّر ويعقّد مسار العلاج.
وفي المقابل، شدّد على أنّ العلاج المتوفر حاليًا في الجزائر يحقّق نسب شفاء مرتفعة تصل إلى نحو 95 بالمائة خلال فترة علاج تُقارب ثلاثة أشهر، بفضل أدوية مضادة للفيروسات ذات فعالية مباشرة. وأكّد أن توفّر العلاج يجعل من الكشف المبكّر خطوة حاسمة لتفادي المضاعفات بعيدة المدى.
إلى جانب مشاركة الإبر، حذّر مختصّون ومختصّات في الصحة العامة من ممارسات أشدّ خطورة تم رصدها في بعض الأوساط، تتمثّل في نقل الدم مباشرة من شخص إلى آخر بعد تعاطي المادة المخدّرة، اعتقادًا بأنّ ذلك يعزز أو يسرّع تأثيرها. هذه الممارسة تنطوي على مخاطر مرتفعة جدًا، وذلك لأنّها تتضمن نقل كمية مباشرة من الدم، ما يزيد احتمال انتقال الفيروسات عبر الدم، من بينها التهاب الكبد (C) وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV). وتؤكّد الجهات الصحية أنّ هذا السلوك يضاعف مخاطر العدوى ويصعّب جهود الوقاية.
وفي السياق ذاته، يُشدّد مختصّون ومختصّات وجمعيات مرافِقة على أنّ إجراء فحص الدم لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه اعترافًا أو إدانة، بل باعتباره إجراءً صحيًا وقائيًا يندرج ضمن الحقّ في العلاج والسرية. فالتشخيص المبكّر يتيح الاستفادة من العلاج المتوفر ويقلل من احتمالات تطوّر المرض أو انتقاله. كما توفّر بعض الجمعيات خدمات توجيه ومرافقة نفسية وصحيّة تضمن احترام الكرامة الإنسانية وسريّة المعطيات الشخصية. ويؤكّد العاملون والعاملات في هذا المجال أنّ مقاربة الصحة العامّة القائمة على الوقاية، والتوعية، وتسهيل الوصول إلى العلاج، تبقى أكثر فاعلية من خطاب التخويف أو الوصم. وفي ظلّ توفّر علاج فعال، تصبح الأولوية لتعزيز ثقافة الفحص الدوري، خاصّة لدى الفئات الأكثر عرضة للإدمان، خطوة أساسية لحماية الصحة الفردية والحدّ من نقل الفيروسات.
الضغوط النفسية والوصم الاجتماعي: عوامل مؤثّرة في مسار التعاطي
تُشير شهادات مرافِقات بالجمعيات المهتمّة بالصحّة الجسدية إلى أنّ تعاطي المخدرات بالحقن لدى بعض النساء يرتبط بسياقات نفسية واجتماعية معقّدة، ولا يقتصر على البحث عن النشوة. ووفق نوال لحول، رئيسة جمعية “الحياة”، فإنّ عدداً من الحالات التي تصل إلى الجمعية تكشف عن دوافع مرتبطة بمحاولات الهروب من ضغط نفسي أو من شعور بالعزلة وفقدان الدعم. وبالنسبة لبعض النساء المطلّقات، قد تتضاعف هذه الضغوط نتيجة الأحكام المسبقة والنظرة الاجتماعية السلبية، ما يفاقم الإحساس بالعزلة أو فقدان القيمة الاجتماعية. في هذا السياق، قد يُصبح التعاطي محاولة مؤقّتة لتخفيف توتّر نفسي، قبل أن يتحوّل إلى اعتماد يصعب التحكم فيه.
وتوضّح لحول أنّ الشعور بالذنب والوصم الاجتماعي يساهمان في تأخّر طلب العلاج، إذ تتردّد كثيرات في إجراء الفحوصات أو اللجوء إلى الدعم الصحي خوفًا من الإدانة أو الفضيحة. هذا التأخّر لا يرتبط بغياب الخدمات بقدر ما يرتبط بالحواجز الاجتماعية والنفسية التي تُعيق الوصول إليها.
وتؤكّد الجمعية أنّ المقاربة الفعّالة لا تقتصر على العلاج الدوائي، بل تشمل مرافقة نفسية واجتماعية تساعد النساء على استعادة الثقة بالنفس وبناء مسار تعافٍ مستدام. فالتعامل مع الإدمان بوصفه قضية صحّة عامّة يقتضي الفصل بين السلوك والحقّ في الكرامة، وضمان بيئة علاجية خالية من الوصم.
أبعاد بيولوجية وجندرية للمخاطر الصحية
تُشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أنّ النساء اللواتي يتعاطين المخدّرات قد يواجهن أنماطًا مختلفة من المخاطر الصحية مقارنة بالرجال، سواء بسبب عوامل بيولوجية أو اجتماعية. ففي بعض السياقات، تكون النساء أقلّ قدرة على التفاوض بشأن شروط التعاطي أو استخدام أدوات حقن جديدة، ما قد يزيد من احتمال تعرضّهن لحمل الفيروس.
كما تُفيد بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة بأنّ بعض النساء المتعاطيات يكنّ في موقع استخدام ثانٍ لأدوات الحقن بعد الشريك، وهو ما يرفع احتمال انتقال فيروسات عبر الدم، من بينها التهاب الكبد (C) وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV).
من الناحية الطبية، قد تمرّ الإصابة بالتهاب الكبد (C) دون أعراض واضحة في مراحلها الأولى، ما يؤخّر التشخيص ويزيد من خطر تطوّر المضاعفات على المدى البعيد. ويؤكّد مختصّون ومختصّات أنّ الفروق البيولوجية والهرمونية قد تؤثّر أيضًا في مسار بعض الاضطرابات المرتبطة بالتعاطي، بما في ذلك التأثيرات على الدورة الشهرية والصحة الإنجابية.
تُبرز هذه المعطيات أهمية اعتماد مقاربة جندرية في برامج الوقاية والعلاج، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية أوضاع النساء، وتضمن لهن الوصول إلى خدمات صحية ونفسية متكاملة، بعيدًا عن الخطاب الأخلاقي أو التمييزي.
في سياق آخر، تُفيد تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية بأنّ النساء قد يطوّرن بعض الاضطرابات المرتبطة بتعاطي المخدرات بوتيرة أسرع مقارنة بالرجال، حتى عند تعاطي كميات أقل في بعض الحالات. ويُعزى ذلك إلى عوامل بيولوجية، من بينها الاختلافات الهرمونية وتركيبة الجسم، وهي ظاهرة يُشار إليها في الأدبيات العلمية بـ”التأثير المتسارع”. كما تُشير بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أنّ عوامل اجتماعية تسهم في ارتفاع المخاطر لدى النساء اللواتي يتعاطين المخدرات بالحقن. ففي بعض السياقات، تكون النساء في موقع استخدام ثانٍ لأداة الحقن بعد الشركاء، ما يزيد من احتمال تعرضهن لفيروسات منقولة عبر الدم، مثل التهاب الكبد (C) وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV). وتُظهر بعض التقديرات أنّ خطر الإصابة بفيروس نقص المناعة قد يكون أعلى لدى النساء المتعاطيات مقارنة بالرجال في الظروف ذاتها.
ومن الناحية الصحية، يُمكن أن يؤثّر تعاطي الأفيونات والمؤثرات العقلية في التوازن الهرموني لدى النساء، وقد ينعكس ذلك على انتظام الدورة الشهرية والصحة الإنجابية. كما قد تتفاقم مضاعفات الفيروسات في حال تأخّر التشخيص والعلاج.
وفي ما يتعلّق بالحمل، توضّح معطيات صادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أنّ انتقال فيروس التهاب الكبد (C) من الأم إلى الطفل ممكن خلال الولادة في بعض الحالات. كما يؤدّي تعاطي بعض المواد خلال الحمل إلى مضاعفات صحية لحديثي الولادة، من بينها أعراض انسحابية أو الولادة المبكّرة أو انخفاض الوزن عند الولادة، ما يستدعي متابعة طبية متخصّصة.
إضافة إلى ذلك، يرتبط التعاطي بالحقن بمخاطر أخرى، مثل التهابات موضعية في أماكن الحقن، أو تأثيرات على جهاز المناعة، وهو ما يعزّز أهمية الوقاية والفحص الدوري وتوفير خدمات صحية تراعي خصوصية النساء.
في سوسيولوجيا التعاطي
في سياق البحث عن فهم أعمق لهذه الظاهرة، خلصت دراسة صادرة عن مخبر وسائل التقصّي وتقنيات العلاج لاضطرابات السلوك بجامعة وهران 2 إلى أنّ تعاطي المخدرات لا يمكن اختزاله في “انحراف فردي”، بل يرتبط في كثير من الحالات بضغوط نفسية واجتماعية متراكمة.
وتُشير الدراسة إلى أنّ بعض النساء قد يلجأن إلى التعاطي في سياق مواجهة ضغوط أكاديمية، أو تجارب عاطفية مضطربة، أو وصم اجتماعي، ليبدأ الأمر كمحاولة مؤقتّة لتخفيف التوتّر قبل أن يتحوّل إلى اعتماد يصعب التحكّم فيه. ويرتبط ذلك أحيانًا بتراجع تقدير الذات والشعور بفقدان السيطرة.
كما تؤكّد الدراسة على تجاوز المقاربات العقابية أو الاختزالية، واعتماد نماذج علاجية شاملة تجمع بين الرعاية الطبية والدعم النفسي وإعادة الإدماج الاجتماعي. فالتعافي، وفق هذا التصوّر، لا يقتصر على التوقّف عن التعاطي، بل يشمل إعادة بناء الاستقلالية وتعزيز الثقة بالنفس. كما توصي بضرورة التنسيق بين القطاعات الصحية والاجتماعية والتعليمية، وإدراج برامج توعية مبكّرة في المؤسّسات الجامعية، وتطوير خطاب إعلامي يستند إلى المعطيات العلمية بدل الإثارة أو الوصم.
تخلص الدراسة، إلى أنّ التعامل مع تعاطي المخدرات بالحقن، وما يرتبط به من فيروسات منقولة عبر الدم، يتطلّب مقاربة وقائية وحقوقية متكاملة، توازن بين المسؤولية الفردية والدعم المجتمعي، وتضع الحقّ في الصحة والكرامة من أولويات السياسات العامة.
في سياق تحليل أزمة تعاطي المخدّرات بالحقن لدى النساء، لا يُمكن إغفال أثر الوصم الاجتماعي بوصفه عاملاً بنيوياً يعمّق الهشاشة بدل معالجتها. فالنساء المتعاطيات تُواجهن غالباً أحكاما أخلاقية مضاعفة، حيث يُنظر إليهن من زاوية النوع الاجتماعي لا من زاوية الحقّ في الصحة والرعاية، ما يؤدّي إلى إقصاءهنّ أسرياً ومجتمعياً، ويحدّ من لجوئهن إلى خدمات العلاج والوقاية. كما أنّ الوصم يتفاقم عندما يتقاطع مع أوضاع أخرى مثل الفقر، أو الطلاق، أو انخفاض الدخل، أو العيش في مناطق مهمّشة، فتتحوّل التجربة الفردية إلى دائرة مركّبة من التمييز.
وفي الصدد ذاته، فإنّ بعض السياسات العمومية تُغَلِّب المقاربة العقابية أو الخطاب الردعي غير المبني على الأدلة، ممّا يُسهم بشكل غير مباشر في إعادة إنتاج الوصم، عبر ربط التعاطي حصراً بالانحراف أو الجريمة، دون توفير مسارات آمنة وسرية للعلاج والدعم النفسي والاجتماعي. فغياب برامج تراعي خصوصية النساء واحتياجاتهن الصحية والإنجابية، أو ضعف إدماج منظور النوع الاجتماعي في استراتيجيات الوقاية، يُعمّق فجوة الثقة بين الفئات المعنية والمؤسّسات الرسمية.
وتجدُر الإشارة إلى أنّ تبنّي سياسات قائمة على حقوق الإنسان، توازن بين الصحة العمومية والحماية القانونية، وتُدرج مقاربة النوع الاجتماعي بشكل فعلي وفعّال، يظلّ شرطاً أساسياً لكسر حلقة الوصم، وضمان وصول النساء إلى خدمات العلاج والوقاية دون خوف أو تمييز.



















