اعتقال ابتسام لشكر..بين حرية التعبير والاستفزاز الديني

أعاد قرار متابعة الناشطة الحقوقية المعروفة بمواقفها الجريئة، ابتسام لشكر، في حالة اعتقال على خلفية نشر صورة مرفقة بعبارة اعتبرتها النيابة العامة “مساسًا بالدين الإسلامي”، استنادًا إلى مقتضيات الفصل 267-5 من القانون الجنائي المغربي، الجدل حول حدود حرية التعبير ومدى احترام المغرب لالتزاماته الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وجاء هذا الاعتقال في سياق حملة واسعة شنّت ضدها على مواقع التواصل الاجتماعي، تصدّرتها تدوينة للقيادي السابق في حزب العدالة والتنمية ووزير العدل والحريات الأسبق مصطفى الرميد، الذي انتقد بشدة مضمون ما نشرته لشكر، وهو ما اعتبره حقوقيون تهييجًا للرأي العام ودعوة ضمنية للتضييق عليها قضائيًا.

ورغم أن الصورة موضوع المتابعة تعود إلى أشهر خلت، فإن النيابة العامة لم تتحرك إلا قبل أيام، وهو ما يشير إلى أن المتابعة فُتحت تحت ضغط الحملات الرقمية التي قادها فاعلون ذوو توجهات محافظة.  وفي الوقت الذي اعتبر البعض أن هذه الحملات ليست سوى محاولة لتقييد حرية التعبير ومعاقبة الأصوات الجريئة، يرى المنتقدون أن ما قامت به لشكر لم يكن سوى استفزاز مجاني لمشاعر المغاربة،  وهو ما أجبر الدولة على التدخل تحت مظلة القانون الذي يجرّم المساس بالمقدسات الدينية.

الجدل يتجدد حول حرية التعبير

في خضم الجدل الذي أثاره اعتقال ابتسام لشكر، برزت أصوات حقوقية تشدد على أن القضية تتجاوز هذه الأخيرة لتضع على المحك مبدأ أساسيًا هو حرية التعبير في المغرب. من بين هذه الأصوات، اعتبرت سعاد البراهمة، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وعضوة هيئة الدفاع  لشكر، أن “ما عبّرت عنه الأخيرة يندرج في صميم الحق في التعبير بجميع أشكاله، سواء عبر الكتابة أو الرسم أو الأعمال الفنية”، مشيرة إلى أنه “كان من الضروري الرد عليها في إطار حرية التعبير أيضًا”. 

وقالت البراهمة في تصريح لمنصة “هن”: “صحيح أن بعض القوانين الوطنية، ومنها القانون المغربي، تعتبر بعض أشكال التعبير مساسًا بالدين، أو إساءةً إلى المقدسات، إلا أن هذه القوانين سُنّت قبل انضمام المغرب إلى المواثيق الدولية، ووفقًا لمبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات المحلية، يتعين مراجعة هذه القوانين لتتلاءم مع الالتزامات الدولية للمغرب”.

وأضافت الحقوقية وعضو هيئة الدفاع أن المحكمة رفضت طلب السراح الذي تقدمت به الهيئة وحددت موعد الجلسة في يوم 28 من الشهر الجاري، مؤكدة: “حتى إذا سلّمنا جدلًا بأن النصوص الوطنية تُجرّم الفعل موضوع المتابعة، فإن وضع المعنية في حالة اعتقال لم يكن له ما يبرره من الناحية القانونية أو الحقوقية. كان من الممكن متابعتها في حالة سراح، ضمانًا لحقها في الدفاع وتمكينها من كافة الوسائل والإمكانيات القانونية المتاحة”. 

وزادت قائلة: “الوقائع المعروضة لا تتضمن أي تحريض على الكراهية أو العنف أو التمييز، وهي المعايير التي وحدها يمكن أن تبرر تقييد حرية التعبير وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويبدو أن قرار المتابعة تأثر بضغوط أو ردود فعل على شبكات التواصل الاجتماعي، بما فيها منشورات صادرة عن أشخاص ذوي صفة أو مسؤولية”. وختمت البراهمة بالتشديد على أن “حرية التعبير تعني الحق في إبداء الرأي، حتى وإن كان مخالفًا أو صادمًا للبعض، ما دام لا ينطوي على مساس بحقوق الغير أو دعوة للعنف أو الكراهية”.

وفي السياق نفسه، طالبت الناشطة الحقوقية فتيحة اعرور بإطلاق سراح ابتسام لشكر فورًا، معتبرة أن اعتقالها “قاسٍ وغير عادل وغير مقبول”، حتى وإن كانت لا تتفق بالضرورة مع أسلوبها في النضال. وأوضحت أعرور في تدوينة لها على فاسبوك: “أنا أدافع عن الكفاحات الحكيمة والمتوازنة، الموجهة نحو الحفاظ على التعايش وحرية الضمير. أنا مؤيدة للنضالات غير العنيفة، ولكن الحازمة، القادرة على فرض الاحترام بقوة الحجج وكرامة المواقف”. وأضافت أن بعض أشكال التعبير، مثل “المساس بالمقدسات”، قد تمنح في بعض السياقات قوة إضافية للتيارات المتطرفة التي تبدو ضعيفة، كما حدث مع تصريحات الوزير السابق للعدل مصطفى الرميد”. تقول أعرور 

البحث عن الأضواء واستفزاز المجتمع؟

في مقابل الأصوات الحقوقية المدافعة عن ابتسام لشكر، برزت مواقف أخرى تنتقد أسلوبها وتعتبره استفزازًا لا يخدم قضية الحريات. وفي هذا السياق اعتبرت الصحافية نورا الفواري أن ما قامت به لشكر لا يندرج في إطار نضال حقوقي بقدر ما يشكل تصرفًا استفزازيًا أجّج التيارات المحافظة وفتح الباب أمام تدخل الدولة.

وأوضحت الفواري في تصريح لمنصة “هنّ” أن ما قامت به ابتسام لشكر “لا يخدم قضية الحريات في شيء، ولا يضيف أي قيمة للنضال من أجل حقوق المثليين”. وأضافت أن “تصرفها أجج التيارات المحافظة، الأمر الذي دفع الدولة إلى التدخل في ظل وجود قانون يجرم الإساءة والمس بالذات الإلهية، وهو قانون لا يقتصر على المغرب أو الدول الإسلامية فحسب، بل نجده أيضًا في بعض الدول المتطورة. وبذلك، فإن خرجة لشكر كانت أشبه بقول: أنا هنا، بحثًا عن لفت الأنظار إلى شخصها، خاصة بعد فترة من الغياب عن الأضواء والنقاش العمومي، شأنها في ذلك شأن خرجات حركة مالي التي تُعد من مؤسسيها”.

وتشير الفواري إلى أن هذه الخرجات غالبًا ما تبنى على استفزاز الرأي العام دون أن تحقق أي تغيير ملموس في العقليات داخل المغرب، مستحضرة واقعة الإفطار العلني في رمضان. ورغم اعترافها بحق الأفراد في الصوم أو عدمه، ترى أن الجهر بالإفطار في الفضاء العام يمثل استفزازًا للمجتمع ويؤدي إلى الفوضى والإخلال بالنظام العام، تمامًا كما أن ممارسة الجنس في الأماكن العامة  رغم كونها حرية شخصية  لا تخرج عن إطار الاستفزاز حين تُمارس خارج الفضاء الخاص.

وبناءً على ذلك، تعتبر الفواري أن تصريحات وتصرفات ابتسام لشكر لا تعدو أن تكون وسيلة لتأجيج الرأي العام وإشعال مواجهة بين الحداثيين والمحافظين، الذين يستغلون مثل هذه الوقائع لتأكيد أن هدف الحداثيين هو نشر الانحراف.

وبجانب انتقادها لأسلوب ابتسام لشكر، لفتت نورا الفواري إلى أن النقاش لا يقف عند حدود الاستفزاز المجتمعي، بل يمتد أيضًا إلى الجانب القانوني، حيث أكدت أن تجريم المساس بالمقدسات الدينية ليس خصوصية مغربية، بل يندرج في إطار قوانين معمول بها حتى في دول متقدمة حين يتعلق الأمر بتهديد النظام العام أو انتهاك حقوق الآخرين، موضحة أنه “من هذا المنطلق جاء تدخل المغرب لتوقيف ما اعتُبر إخلالًا بالنظام العام. وبالتالي، عندما يتعلق الأمر بالمساس بالنظام أو بالسلامة العامة أو بانتهاك حرية الآخرين وحقهم في الإيمان كما يعتقدون، فإننا لا نكون أمام ممارسة مباحة، بل أمام فعل يبرر تدخل الدولة لحماية المصلحة العليا للبلاد وضمان الاستقرار.”

اقرأ أيضا

  • الدورة الشهرية خلال رمضان.. “وصمة عار” أم أمر طبيعي ؟

    "كنت أتساءل كل شهر رمضان، لماذا يصوم إخوتي الذكور الشهر كاملا، بينما أنا رمضاني ناقص، وعليّ تعويض تلك الأيام المسروقة من الشهر بعد انتهائه… لم أكن أفهم معنى أن الحائض ممنوعة من الصوم والصلاة"، تستهل فاطمة ذات الـ32 ربيعا والمقيمة في الرباط حديثها لـ"هنّ"، مضيفة "في أول رمضان لي، طلبت مني أمي تناول الطعام في…

    Hounna | هنّ|

  • حوار| الناشطة النسوية أمال حجاج: “قانون الأسرة الجزائري يعيق تطور المجتمع بأكمله”

    منذ أربعين عامًا، تناضل الناشطات النسويات والجمعيات النسوية الجزائرية، ضد قانون الأسرة الذي صدر في 9 يونيو 1984 وعُدّل في عام 2005، إذ تعتبرن أن هذا القانون "منافي للدستور الجزائري، ولا يحقق المساواة بين الرجال والنساء، بل يكرس التمييز والظلم الاجتماعي عبر مواده". ولسنوات عديدة، تكافح الأمهات المطلقات ضد المادة 66 التي تتيح إسقاط حضانة…

    ماجدة زوين|

  • بين المواعيد البعيدة و الأدوية غير المتوفرة.. معاناة المصابات بسرطان الثدي في تونس 

    وسط معهد صالح عزيز، تعج قاعات الانتظار بالمرضى منذ الساعات الأولى للصباح، وتشهد ممراته حركة عالية بتقدم الوقت واقتراب مواعيد انطلاق العيادات؛ هنا أطباء وممرضين، مرضى وزوار، ومرافقين وأطفال وباعة متجولون، وهناك في نهاية الممر، يستقر قسم الجراحة أين تقدم كشوفات سرطان الثدي، وهو  الجزء الأكثر اكتظاظا داخل المشفى. في قسم الجراحة، تضطرّ النسوة للجلوس…

    ريم بلقاسم|

  • حلم الأمومة… معاناة مغربيات مع “التخصيب” وتكاليفه باهظة الثمن 

    "أن أصير أما، ولو لمرة واحدة، واستحالة ذلك رغم المسار الطويل في انتظار وقوع حمل طبيعي، ثم رحلة العلاج، جعلاني أفكر في هذه الفئة من النساء الحالمات بالأمومة فأسست صحبة بعضهن جمعية لإسماع صوت الأسر الراغبة في الإنجاب، والتعريف بالصعاب التي يواجهنها نفسيا اجتماعيا وماليا، ثم للترافع من أجل وقف التكلفة الباهظة للعلاج بواسطة تقنيات…

    سناء كريم|