في مشهد يُلخّص حجم الألم والتجاهل، تقف آمنة الزويدي، امرأة تونسية عاملة ومربية، بجسدها وحيدةً في مواجهة جدار الصمت الرسمي. فمنذ أزيد من أسبوعين، دخلت في إضراب جوع مفتوح أمام مجلس نواب الشعب، احتجاجًا على هشاشة ظروف العمل في المركز الدولي للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة، حيث تشتغل هي وزميلاتها وزملاؤها بعقود هشة ومن دون ضمانات اجتماعية.
إضراب آمنة لم يكن مجرّد تحرك فردي، بل فعل مقاومة نسوية صلب، تُحوّل فيه النساء النضال من مجرد مطالب إلى مقاومة بالجسد، بالكلمة، وبالوجود. إنه نداء يعبّر عن وجع جماعي وصبر نفد، ويعيد طرح السؤال الأهم: إلى متى تُدفع النساء بأجسادهنّ ثمن هشاشة الدولة؟
“إضراب الجوع متواصل حتى تتحقق المطالب ويرفع الظلم”
وفي تصريح لمنصة “هنَّ”، قالت آمنة الزويدي، أنها “في أعتصام من يوم 5 ماي، اليوم الثامن عشر للأعتصام، والسادس عشر من إضراب الجوع…والإعتصام مستمر”.
وشددت الزويدي على أن “إضراب الجوع متواصل حتى تتحقق المطالب ويرفع الظلم”، مشيرة إلى أن “المطالب هي عدم المس من المركز الدولي للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة، كهيكل مستقل يعنى بذوي الاحتياجات الخاصة وبأعوان وإطارات المركز الدولي، كذلك التغطية الاجتماعية، التي هي مر عليها عام ونصف والرصيد صفر تغطية”.
“نحن ندافع عن أعوان المركز الدولي ككل وبدون استثناء، البالغ عددهم 1473، المعتصمون في ذهاب وإياب علينا، أما المضربين فعددهم ثلاثة، وسنكمل فيه إلى حين تحقيق كل مطالبنا، لأننا تعبنا من القطاع الهش والعقود الهشة”، توضح الزويدي لهذه المنصة.
السلطات التونسية طالبتهم بفض اعتصامهم، مقابل حلحلة الملف بعد عشرة أيام، وفي المقابل تؤكد الزويدي على أنه “في كل مرة نفس الكلام يتكرر لكن دون جدوى… من أجل ذلك نحن مصرون رغم الظروف القاسية ورغم الحرارة القاتلة”.
وكشفت المعتصمة أن زميلتها تعاني من وعكات صحية، “ارتفع عندها الضغط بسبب الشمس والحرارة المرتفعة، والسكري في هبوط حاد… ما يجري عيب وحرام”.
وطالبت من المجتمع المدني التونسي أن يتبنى قضيتهم، “نحن لا نناضل من أجل أنفسنا بل من أجل قطاع كامل، من أجل 1473 تونسي يعملون بعقود هشة، إننا قطاع يدافع عن الطفل المعاق في تونس”.
ووجهت نداءها إلى الرئيس التونسي قيس سعيد قائلة: “إلى متى هذه المظالم. إلى متى قطاع التربية المختصة في الحضيض، وإلى متى سيبقى هذا القطاع تحت سيطرة لوبيات الفساد، وأشخاص تحب المتاجرة بهذا القطاع وتسمسر به… رئيس الجمهورية هو الوحيد القادر على إيقاف هذه المهزلة”.
”العنف الاقتصادي الممنهج”
من جهتها، عبّرت “الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات”، عن قلقها العميق إزاء الوضعية الصحية المتدهورة للعاملة والمربية آمنة الزويدي، المضربة عن الطعام منذ 5 ماي الجاري، في إطار اعتصام ينفذه عدد من أعوان وإطارات المركز الدولي للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة أمام مقر مجلس نواب الشعب، للمطالبة بتسوية أوضاعهم المهنية والاجتماعية.
وفي بيان توصلت منصة “هنَّ” بنسخة منه، ندّدت الجمعية بما وصفته بـ”العنف الاقتصادي الممنهج” الذي يتعرض له هؤلاء الأعوان نتيجة عقود تشغيل هشّة، وغياب نظام أساسي واضح، وتأخر في صرف الأجور، وعدم التغطية الاجتماعية، محمّلة الدولة وسلطة الإشراف كامل المسؤولية عن التدهور الحاصل.
وقالت الجمعية إن ما يحدث في هذه المؤسسة التي يفترض أن تكون نموذجًا في احترام حقوق الإنسان، خصوصاً بالنظر إلى الفئة التي تخدمها، يشكّل انتهاكاً صارخاً للكرامة ولحقوق الشغل، مطالبة بتدخل عاجل لوضع حد لهذه الممارسات.
عمل هش وتجاهل مزمن
يواجه أعوان وإطارات المركز الدولي للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة منذ سنوات ظروف عمل هشة وتجاهلاً مزمناً لمطالبهم المشروعة، وسط تكرار الوعود الرسمية دون تنفيذ. ويعمل العديد منهم وفق صيغ تشغيل مؤقتة أو عقود غير مستقرة، ما يحرمهم من التغطية الاجتماعية والضمانات الأساسية.
وقد دخل هؤلاء في اعتصام مفتوح منذ بداية شهر ماي الجاري، بعد انسداد قنوات التفاوض، لتصل الأزمة إلى ذروتها مع دخول آمنة الزويدي في إضراب جوع مفتوح، تعبيراً عن الغضب واليأس من الوضع القائم.
وفي بيانها، دعت الجمعية الحكومة وسلطة الإشراف إلى:
• التسوية النهائية والشاملة لوضعية أعوان وإطارات المركز.
• إلغاء التشغيل الهش واعتماد نظام أساسي دائم وعادل.
• إدماج الأعوان في الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية.
• صرف الأجور بانتظام ومراجعة سلم الرواتب والزيادات بما يضمن الكرامة.
كما ناشدت الجمعية المضربة عن الطعام بوقف الإضراب حفاظاً على سلامتها الجسدية والعقلية، مع مواصلة الاعتصام السلمي، مؤكدة أن النضال من أجل الحقوق يجب ألا يكون على حساب الحياة.
وتعتبر الجمعية أن هذه القضية لا تمثل حالة فردية، بل تعبّر عن أزمة أوسع في سياسات التشغيل الاجتماعي في تونس، حيث تستمر الهشاشة في القطاعات الحساسة التي تشمل الفئات المهمشة، بما فيها النساء والعاملين في مؤسسات الرعاية.
وفي ختام بيانها، أكدت الجمعية أن الدفاع عن حقوق الشغيلة، وخاصة النساء، هو جزء لا يتجزأ من نضالها النسوي من أجل مجتمع أكثر عدلاً ومساواة وكرامة، داعية إلى تحرك عاجل قبل أن تتحول هذه الأزمة إلى مأساة إنسانية.















