في حادثة تُظهر هشاشة الوضع القانوني والإنساني للنساء في موريتانيا، خاصة في قضايا النزاع العقاري، تعرضت النائبة البرلمانية والقيادية في حركة “إيرا”، غامو عاشور، لاعتداء جسدي عنيف أثناء مشاركتها في اعتصام سلمي تضامني مع مجموعة من النساء المعيلات، يطالبن بحقوقهن في أرض يمتلكنها منذ سنوات.
الحادثة التي وقعت في حي I4 بمقاطعة تيارت، كشفت عن واقع يتجاوز مجرد “نزاع عقاري”، ليُسلط الضوء على عنف ممنهج ضد النساء، واستضعاف قانوني لفئة تقاتل من أجل البقاء وسط منظومة لا تعترف بحقوقها إلا جزئيًا، وعلى الورق.
نساء في قلب المعركة
الاعتصام كانت تقوده السيدة فاطمة بنت بادي، إلى جانب شقيقاتها، وهن نساء يعلن أسرًا، اقتنين قطعة أرضية منذ عام 2020، وامتلكن وثائق رسمية تثبت شرعية التملك. إلا أن الضغوط الأمنية التي مورست عليهن – بعد محاولة ضابط نافذ في الدرك الوطني السيطرة على الأرض – جعلت منهن ضحايا “جريمة ناعمة” تتخذ من نفوذ السلطة وسيلة لإسكات الأصوات.
ورغم تنظيم الاعتصام بشكل سلمي، فإن التدخل الأمني لم يرحم النساء، حيث أكدت مصادر “هنَّ” أنه تم ضرب بعضهن، تجريد أخريات جزئيًا من ملابسهن، تكسير ممتلكاتهن البسيطة، وتفكيك خيمة الاعتصام بالقوة. المشهد وقع أمام أطفالهن، ما يجعل الآثار النفسية مضاعفة.
برلمانية تحت الضرب
الأشد وقعًا كان الاعتداء على النائبة غامو عاشور، التي تم ضربها وسحلها أثناء توثيقها للمشهد عبر بث مباشر، قبل أن يتم انتزاع هاتفها بالقوة، في انتهاك مزدوج، لكرامتها كامرأة، ولقانون الحصانة البرلمانية، وقد نقلت إلى المستشفى في حالة إغماء.
ما حدث يعكس ما تصفه ناشطات نسويات بأنه “قمع سياسي متقاطع مع قمع جندري”، حيث لا يُنظر إلى المرأة إلا بوصفها الحلقة الأضعف في أي مواجهة مع السلطة أو النفوذ.
سقف الحماية المنهار
في موريتانيا، لا تزال ملكية الأرض قضية محاطة بإقصاء النساء، إذ تشير تقارير محلية إلى أن النساء يواجهن صعوبات مضاعفة في إثبات الملكية، والوصول إلى العدالة، خاصة في الحالات التي يدخل فيها طرف ذو سلطة أو نفوذ.
في هذا السياق، تقول إحدى الناشطات من داخل الاعتصام: “النساء لا يخسرن فقط قطعة أرض، بل يخسرن الأمان، والاحترام، والحق في الوجود كمواطنات كاملات الأهلية”.
“العدالة لا تُبنى بالقمع”
أصدرت حركة “إيرا” بيانًا أدانت فيه الاعتداءات، معتبرة أن ما جرى “انتهاك سافر لكرامة المرأة، واستغلال للسلطة ضد المستضعفين”، وطالبت بفتح تحقيق شفاف، ومحاسبة المتورطين، وحماية حقوق النساء المتضررات.
وتضمن أسماء المعتقلات والمصابات:
• غامو عاشور: إصابة في الرأس وفقدان للوعي
• وردة منت أحمد سليمان: إصابة في اليد
• فاطمة بنت بادي: صاحبة القضية، تم اعتقالها مع أخريات
كما أكد البيان أن “العدالة لا تُبنى بالقمع، ولا يُؤسس القانون بالتنكيل”، مشيرًا إلى أن “قضايا النساء في الأحياء الهشة يجب أن تكون أولوية وطنية”.
القضية أبعد من أرض… إنها كرامة
ما جرى في تيارت ليس مجرد خلاف عقاري، بل اختبار قاسٍ لموقع المرأة في القانون، وفي المجال العام، وفي قلب النزاعات التي لا تنصف إلا الأقوياء.
واعتبر نشطاء وحقوقيون أن اعتداء الدولة على النساء لا يمكن تبريره، لا سياسيًا، ولا أمنيًا، ولا ثقافيًا. وأن النساء الموريتانيات لا يحتجن فقط إلى قوانين تُكتب، بل إلى مؤسسات تحمي، وسلطة تُحاسب، وعدالة تُنجز.















