من المزمع أن تستضيف مدينة الصويرة المغربية يومي 19 و20 سبتمبر الجاري، الدورة الثانية من “المنتدى العالمي للنساء من أجل السلام” الذي تنظمه جمعية “محاربات من أجل السلام”، وسيشارك في هذا اللقاء ناشطات وباحثات وفنانات من دول عدة، من بينها فلسطين، “الأراضي الفلسطينية المحتلة”، المغرب وفرنسا ودول أخرى. وسيتضمن البرنامج جلسات نقاش، عروض ثقافية وفنية، ونداء دوليا للنساء من أجل السلام.
ويشهد قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 حرب إبادة جماعية متواصلة، يستخدم فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي مختلف أنواع الأسلحة المحرمة دوليا، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية وفي مقدمتها اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، وهو ما أسفر عن استشهاد ما يقارب 56 ألفًا و647 شخص و 134 ألفًا و105 جريحا(ة) حسب إحصائيات “مركز العودة الفلسطيني” في تقرير توثيقي غطى الفترة ما بين 2023/10/7 – 2025/7/1 .
وسبق أن أعلن دونالد ترامب في 10 ديسمبر 2020 على منصة “إيكس” (تويتر سابقًا)، عن اتفاق لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين المغرب وإسرائيل واصفا إياه “إنجــاز تاريخـي آخــر”.
وقال ترامب “فقــد اتفق اثنان من أكبر أصدقائنا؛ إسرائيل والمغرب، على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة”، وعلى إثره شهد المغرب موجة من الاحتجاجات تزايدت مع اشتداد حدة الإبادة الجماعية، يطالب فيها المحتجون بإسقاط التطبيع ووقف الإبادة، التجويع، والدعوة إلى مقاطعة المنتوجات أجنبية يصفونها بدعم الاحتلال الإسرائيلي.
وفي إطار الانضمام إلى الحملة العالمية المنادية بالمقاطعة الصحفية والمهنية لإسرائيل، وفي تصريح لمنصة “هنَّ”، قالت ممثلات عن “لجنة نساء جمعية أطاك المغرب”، أن سبب اختيار المغرب ومدينة الصويرة لتنظيم “المنتدى العالمي للنساء من أجل السلام”، من قبل “جمعية محاربات من أجل السلام”، هو اختيار “لم يكن اعتباطياً، بل له دلالات رمزية”.
وأوضحت أن الصويرة “تُقدَّم كفضاء للتعايش بين مسلمين مغاربة ويهود مغاربة، وتُستغل رمزية بيت الذاكرة كمكان للحوار من أجل إضفاء شرعية على مشروع سياسي تطبيعي، يتمثل في محاولة خلق استمرارية زائفة بين اليهودية والصهيونية، وتبييض علاقات التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني”.
وبخصوص استدعاء نساء إسرائيليات إلى جانب الفلسطينيات في مثل هذه الفعاليات تؤكد ناشطات اللجنة أن هذا “يدخل في إطار ما يُعرف بـسياسة التبييض والتطبيع الناعم، أي استعمال لغة حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين لإضفاء الشرعية الإنسانية على الاحتلال، وتقديمه كطرف مكافئ في النزاع، بينما هو في الحقيقة قوة استعمارية-إحتلالية تمارس التهجير والعنف البنيوي والإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني منذ عقود”.
وأشارت المتحدثات إلى أنه وفي هذا السياق، “يتم توظيف الخطاب النسوي كأداة دعائية لتلميع صورة الاحتلال. وهو ما تسميه بعض الباحثات بالنسوية الاستعمارية، أي استغلال قضايا النساء كواجهة لتبرير سياسات الهيمنة”.
“وبهذا يتم اختزال معاناة النساء الفلسطينيات في مجرد ‘قضايا نسائية’ معزولة عن جوهرها السياسي التحرري، في حين أن الواقع يتمثل في نظام استيطاني-استعماري يقمع النساء والأطفال ويستهدف مقومات الحياة”.
وحول خطاب “الأختية” الذي يقدمه المنتدى تعتبر اللجنة أنه “ليس جديداً، بل يندرج ضمن نفس المنطق الذي استُعمل سابقاً لتبرير الحروب الإمبريالية التي شُنت ضد شعوب الجنوب، من غزو أفغانستان باسم ‘تحرير النساء الأفغانيات’، أو لتسويغ التدخل العسكري في العراق حيث شددت المنظمات غير الحكومية الدولية على دور النساء العراقيات باعتبارهن مستفيدات محتملات من الديمقراطية التي استوردتها الولايات المتحدة”.
وتسترسل الناشطات، “واليوم يُعاد إنتاج هذا المنطق نفسه، حيث يُستعمل الخطاب النسوي لتفريغ النضال النسوي الفلسطيني من محتواه التحرري، وإبعاده عن جوهره المناهض للاستعمار، في الوقت الذي تدفع فيه النساء والأطفال ثمناً باهظاً لجرائم الصهيونية”.
وتؤكد عضوات اللجنة أن هذه الاستراتيجية تقوم على التطبيع الناعم، “بمعنى هي محاولة لتمرير علاقات غير متكافئة بين المستعمِر والمستعمَر عبر قنوات رمزية وثقافية وحقوقية، وهو ما يجعل من مشاركة ناشطات مغربيات وفلسطينيات واجهة ‘تقدمية’ تمنح المنتدى صورة ‘تعددية’ و’إنسانية’، بينما هو في جوهره أداة لإدامة الوضع الاستعماري الراهن”.
وشددن في حديثهنّ على أن الحركة النسوية ليست متجانسة. “فهي تتكون من تيارات مختلفة، ولكن هناك اليوم تيار مهيمن على الصعيد الدولي حيث نشأ هذا التيار في اليسار، ثم تبنى الأيديولوجية الليبرالية ووضع عمله في إطار الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، فهذا التيار النسوي الليبرالي قد يكون حساساً للخطاب الذي يتبناه المنتدى العالمي للنساء من أجل السلام، ولهذا السبب يجب أن نسلط الضوء على المشروع السياسي الذي يحمله هذا المنتدى”
ويضفن “ومع ذلك، يجب أن نضع في اعتبارنا أن النسوية الليبرالية أصبحت موضع تساؤل متزايد بسبب عجزها عن توفير طريق التحرر لـ99 بالمائة من نساء العالم. أولاً، لأنها رافقت برامج التقويم الهيكلي و السياسات التقشفية التي زادت من هشاشة وضع النساء، سواء في بلدان الجنوب العالمي أو في البلدان الغربية. ولكن أيضًا لأن النسوية الليبرالية فشلت تماما أمام حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، واكتفت بإدانة ضعيفة”.
وفي مقابل ذلك، تبرز اليوم أصوات نسوية أممية مناهضة للإمبريالية، تقول اللجنة أنها “تربط تحرر النساء بالنضال التحرري ضد الاستعمار والعنصرية والعنف الهيكلي. وقد لعبت هذه الأصوات دوراً كبيراً في الحركة الدولية للتضامن مع الشعب الفلسطيني، حيث يرتربط النضال من أجل تحرير فلسطين بالنضال النسوي ضد كل أشكال القمع”.
وتؤكد، “هذه هي النسوية التي ندافع عنها بصفتنا لجنة نساء أطاك المغرب: نسوية أممية، مناهضة للإمبريالية والاستعمار بكل أشكاله ، تضع القضية الفلسطينية في قلب نضالها وتربط تحرر النساء بتحرر الشعوب”.
وتختم لجنة النساء جمعية أطاك المغرب، “فإننا ندين بشدة استغلال النضالات النسوية لتبييض جرائم الكيان الصهيوني و نرفض أي محاولة لتسويق التطبيع تحت غطاء ‘السلام’ أو ‘الأختية’، كما نؤكد أن السلام العادل لا يمكن أن يتحقق إلا بزوال الاستعمار والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”.
وفي السياق ذاته تقول إيمان ٱيت بن عمرو الناشطة في حركة “بي دي اس المغرب”، في تصريحها لـ”هنَّ” أن تنظيم هذا المنتدى “يفضح سياسة الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير، التي ينتهجها الغرب تجاه القضايا الإنسانية العادلة، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالقضية الأم فلسطين”.
وتؤكد الناشطة أنه “لا يمكننا أبدا الحديث عن السلام أو مناصرة قضايا النساء في ظل الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة على يد الكيان الصهيوني، الذي يمارس أبشع أشكال العنف من تقتيل وتجويع وخاصة في حق النساء والأطفال”.
وتضيف “إن حضور ممثلات عن هذا الكيان في منتدى يدّعي الدفاع عن قضايا نسوية، وقضايا السلام ومحاربة الاستعمار هو تناقض صارخ، يكشف زيف الشعارات الرنانة التي أصبحت مجرد غطاء يخفي تواطؤاً واضحاً مع واقع الاحتلال و الاستيطان في فلسطين”.
وتشير إيمان إلى “أن الخطاب النسوي السائد حالياً، إلى جانب خطاب حقوق الإنسان، تمت إذابته ضمن سياسات كولونيالية ناعمة تُفرغ المفاهيم من محتواها، وتستعمل السلام كذريعة لسلب الحقوق والمساواة بين الجاني والضحية. ففي هذا المنتدى، ستُستعمل مفاهيم مثل ‘السلام’ و’التحرر النسوي’ من طرف مشاركات، بينهن إسرائيليات، لمحاولة فرض تصورٍ يُساوي بين نساء تحت الاحتلال ونساء مجندات تحت قوة استعمارية فاشية تمارس القتل والتهجير”.
وعن أشكال الفعل المضادة لتنظيم المنتدى تؤكد الناشطة أنه سبق لهم أن تعاملوا مع تظاهرات “تطبيعية”، وتشير إلى أن “العدو الصهيوني يحاول من خلالها تبييض جرائمه، لذلك سنتعامل بما يليق مع هذا المنتدى بكل حزم لمواجهته، وسنستعين بكل القوى الحية والمناضلة لكي لا يمر هذا الحدث مرور الكرام، وحتى يعلم منظموه والساهرون عليه أن الشعب المغربي على يقظة دائمة إزاء كل محاولات الاختراق الثقافي والفكري”.
وتدعو حركة “بي دي إس المغرب” المنظمات النسوية لأن “تبدأ بالمطالبة الصريحة بإنهاء الاحتلال الصهيوني كشرط أساسي لأي حديث عن السلام أو تحرر النساء، والاعتراف بأن ما يقع في فلسطين، وخصوصاً في غزة، هو إبادة جماعية، دون أدنى محاولة للتجميل أو التبرير”.
“بحجة أن الحقوق لا يمكن أن تُفصَل عن سياقها السياسي، ولا يمكن لخطاب نسوي أن يكون تقدمياً وهو يُساوي بين الضحية والجلاد”، تختم إيمان.
جدير بالذكر، أن لجنة نساء أطاك المغرب، وجهت الدعوة إلى “جميع النسويات إلى مقاطعة المنتدى ورفض استغلال النضالات النسوية، في إطار خطاب إنساني فارغ، للتطبيع مع الواقع الاستعماري الذي تعاني منه الفلسطينيات والفلسطينيين”.
وتقول، “إننا نعتبر أن كل تضامن نسوي حقيقي لا يمكن أن ينفصل عن التضامن مع النساء الفلسطينيات ومع نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والعدالة”.



















