
بثقة مهزوزة، أمسكت سعاد بمقود سيارتها الصغيرة بكلتا يديها، محاولة –الانسجام في جلبة شوارع مدينة الدار البيضاء، بينما المركبات من حولها تتدافع كالسيل، وزعيق المنبهات يملأ المكان ويصم الآذان.
في تلك اللحظة، وفق ما تسرده الفتاة العشرينية، في حديثها لمنصة “هنَّ”، لم تكن المشكلة في القيادة نفسها، فهي اجتازت اختبار السياقة بالفعل منذ عدة أشهر، “المشكلة في ذلك الصوت الداخلي المُربك، الذي يتغذى على صراخ الآخرين وتهكماتهم”.
كان كل شيء يسير ببطء، سعاد عند كل منعرج، تكثر من التوقف، وترتبك أمام المنحدرات، محاولة بقلق تذكر ما قيل لها في حصص التدريب عند كل موقف مختلف. غير أن السائقين خلفها لم يكونوا على استعداد للتسامح مع سائقة مبتدئة؛ كانت أبواق سياراتهم تحاصرها، فيما الأيادي تلوح والشفاه تتحرك بكلمات جارحة.
صراع مع التهكم والأحكام المسبقة
في لحظة تداخل فيها الواقع بالخوف، وسط ضجيج الزحام، شعرت سعاد بانقباض في الصدر وتشنج في الذراعين. تحكي الفتاة أنها تساءلت لوهلة: “هل لأنني امرأة؟ هل هذا الغضب الجماعي سببه أنني أنا من تقود؟ أيريدون طردي من الطريق؟”.
في حديثها لـ”هنّ”، تتذكر سعاد الأسئلة التي كانت تجول في رأسها آنذاك، متراكمة مثل السيارات خلفها: “ماذا لو كنت شابا متهورا يقود بسرعة؟ هل كانوا سيحتجون بنفس الحدة؟ وماذا لو أخطأ رجل وتسبب في عرقلة السير؟ هل كانت الصفارات ستطلق بهذا الجنون؟ أم أن الخطأ حين يصدر عن امرأة، يتحول إلى دليل إدانة جماعي؟”
وتقول سعاد أن صوتا في داخلها كان يدفعها أو يهمس لها بالاستسلام: “اركني السيارة جانبا، دعيهم يعبرون، لست مضطرة لهذا العذاب اليومي”. لكنها لم تفعل. أغمضت عينيها لثانية، واستجمعت ما تبقى من شجاعتها لتكمل. “لن أترك المقود، لن أسمح لهم أن يسلبوا مني حقي في الطريق”، تقول سعاد لهذه المنصة.
سعاد لم تكن تقود فقط السيارة، كانت تحاول، في لحظة صاخبة، أن تقود قناعتها بأن الطريق من حق الجميع، وأن التردد لا يعني الفشل، وأن الخوف لا يسلبها كفاءتها، بل يثبت أنها إنسانة تعلمت بحذر، وتواجه بصدق، وترفض أن تختزل في وصف جاهز، تقول سعاد أن “هذا ما استنتجته وسط جلبة المركبات المسرعة، ووجوه الغضب المعلقة على المرايا الجانبية”.
احترام يفرضه حجم السيارة وجنس السائق
من جهتها، تقول ليلى، أنها ومنذ أن حصلت على رخصة السياقة قبل ثلاث سنوات، لم تكن الطريق بالنسبة لها مجرد وسيلة عبور، بل ساحة معركة يومية؛ فالمضايقات التي تعرضت لها لم تكن مجرد أحداث عرضية، بقدر ما كانت “طقسا يوميا” يرافقها كلما قررت أن تقود سيارتها الصغيرة.
تقول الفتاة، في تصريحها لـ”هنّ”، إنها كانت تشعر أن بعض السائقين لا يرونها كسائقة، بقدر ما يرونها “فرصة لاستعراض عضلاتهم”، وتفسر ذلك بالقول: “كانوا يلتصقون بي في الطريق، خاصة سائقي الطاكسيات، ويطلقون العنان لمنبهاتهم وإشاراتهم الضوئية، يلوحون بإيماءات سخيفة، وأحيانا يتعمدون تجاوزي وعدم احترام الأسبقية التي يحدد حيثياتها القانون”.
وتوضح ليلى إنها حاولت لمرات أن تتجاهل الأمر، لكنها كانت تعود إلى بيتها، في كل مرة، “مثقلة بمشاعر التوتر والغضب”.
لكن كل شيء يتغير حين تجلس خلف مقود سيارة زوجها السابقة، رباعية الدفع، التي اضطرت لاستعمالها مؤقتا بعد عطب لحق سيارتها. “منذ أول يوم خرجت بها، لاحظت الفرق. لا أحد يقترب. لا أحد يزعجني بـ‘الكلاكسون’، شعرت أن الناس أخيرا يرونني ويحترمونني”، تشرح ليلى بابتسامة مرة.
وتحكي ليلى أن السيارة الكبيرة بدت لها كدرع، ليس فقط لأن بها ميزات أمان عالية أو محركا أقوى، بل لأن مظهرها وحده كان كافيا لفرض الاحترام في الطريق: “كنت أقود بالطريقة نفسها، بالسرعة نفسها، وعلى المسار نفسه، لكن فجأة أصبح لي مكان، وبنادم عطاني التيساع”.
تجربة ليلى تسلط الضوء على ظاهرة نفسية واجتماعية معقدة يعيشها الكثير من النساء السائقات في المغرب، حيث لا تزال بعض العقليات تربط بين نوع السيارة ومكانة سائقها، وبين حجم المركبة والهيبة التي تفرضها على الطريق،
“أشعر أن الطريق لا تحكمه قوانين السير فقط، بل أيضا قواعد خفية تكتب بنوع السيارة وجنس السائق، وهذا أمر محزن”، تقول ليلى.
وتختم ليلى حديثها بكلمات لافتة: “في بلادنا، الطريق بحال الغابة، إلى ما كنتيش بحالهم، تعتبر فريسة، وكلشي كيبغي يهرف عليك”.
“من يغضب لكوني امرأة لا يستحق انتباهي”
تحكي سناء، شابة في أواخر العشرينات، أن أول دروس السياقة التي تلقتها لم تكن في مدرسة لتعليم القيادة، بل في البيت، على يد والدها.
“كان يقول لي دائما: الطريق ماشي ساهلة، وهاد الناس اللي كيطلقو المنبهات ماشي كلهم كيسوقو حسن منك، ولكن أغلبهم كيسمحوا لراسهوم يحاسبوك فقط لأنك امرأة”، هكذا تتذكر سناء كلمات والدها بنوع من الامتنان.
منذ حصلت على رخصتها قبل عامين، قررت سناء أن تتعامل مع الطريق مثلما تتعامل مع الحياة، أي بشيء من التحدي والكثير من المناعة النفسية.
ذات يوم، توقفت وسط زحام خانق في أحد شوارع الرباط، بينما كانت تضع علامة “90” التي تشير إلى أنها حديثة العهد بالقيادة. لم يتأخر سائق خلفها في إطلاق العنان لغضبه، وهو يصرخ ويشير بيديه في كل اتجاه، محاولًا إحراجها. لكنها لم تلتفت؛ “شغلت الراديو، وضحكت. ليس سخرية، ولكني كنت محتاجة أن أذكر نفسي بأن الصمت أقوى رد”، تقول لـ”هنَّ”، سناء بابتسامة واثقة.
بالنسبة إليها، المناعة النفسية ليست مجرد صبر على المضايقات، بل أسلوب حياة تتعلمه السائقات تدريجيا في طرقات لا ترحم، وتوضح سناء إنها طورت مع الوقت نوعا من “الفلتر الداخلي”، الذي يجعلها تميز بين الملاحظات التي تستحق الانتباه، وتلك التي لا تستحق سوى التجاهل.
“من يغضب لأنني انعطفت بدون إشارة أو شيئا من هذا القبيل، من حقه أن يغضب… ولكن من يغضب فقط لأنني امرأة اتشارك معه القيادة في الطريق، فهذا لا يجب أن أكثرت إليه”.
سناء اليوم لا تدعي أنها صارت سائقة مثالية، لكنها تؤكد أنها تقود بثقة، ثقة في قدرتها على التعلم، وعلى التمسك بحقها في الطريق، وفي صبرها على تلك النظرات التي تحاول أن تختزلها في صورة “المرأة العاجزة”.
انسحاب للحفاظ على التوازن النفسي
رغم امتلاكها سيارة منذ سنوات، لم تشعر هدى يوما أن الطريق مكانها. حسمت الأمر مبكرا، وقررت أن تبتعد عن المقود، تاركة السيارة في المرآب، ومكتفية بركوب المقعد الخلفي مع سائقة خاصة ترافقها في تنقلاتها اليومية بين العمل والمنزل والمواعيد.
هدى، التي تعمل في مجال التسويق، لا تخفي أنها كانت تحلم منذ صغرها بالقيادة، لكنها اصطدمت بواقع مختلف حين حاولت تجريبه: “أول مرة سقت فيها، حسيت براسي داخلة لحلبة، ماشي كنمشي فالطريق”، تقول بابتسامة حزينة.
وبين منبهات السيارات التي تطلق لأتفه الأسباب، ونظرات الاستنقاص الموجهة لها كلما توقفت أو ترددت، شعرت أن الطريق ليست مجرد وسيلة تنقل، بل معركة يومية لتبرير وجودها كامرأة خلف المقود.
“قال لي أحدهم ‘اذهبي إلى مطبخك’ وآخر لوح بيده بإشارة مهينة حين وقفت عند الأضواء البرتقالية”، مشيرة إلى أن تلك اللحظات جعلتها تتأكد أنها لم تعد قادرة على تحمل الإهانات أو التظاهر بعدم الاكتراث.
قرارها بالانسحاب من القيادة لم يكن بدافع الخوف، بل حفاظا على توازنها النفسي. وتقول: “إن لم أفعل هذا كنت سأتصادم، أصرخ، أدخل في شجار، أو أعود إلى البيت وأنا محترقة من الداخل”. هكذا تلخص هدى تجربتها.
ورغم محاولات العائلة إقناعها بالعودة إلى المقود، فضلت هدى الابتعاد. فهي ترى أن الطريق لا تزال مساحة غير آمنة للنساء، لا من حيث البنية أو القانون، بل من حيث العقليات.
وتقول بحزم: “لا نحتاج إلى تعليم النساء القيادة، بل نحتاج إلى تعليم الرجال الاحترام”، واليوم، لا تنظر هدى إلى قرارها كعلامة ضعف، بل كخيار للحفاظ على السلامة النفسية ووسيلة للنجاة.
دعوة لتجاوز الصور النمطية في مجال السياقة
أكدت هاجر الكحلي، عضو “المكتب الوطني للاتحاد الوطني لجمعيات وأرباب مدارس تعليم السياقة وقانون السير والسلامة الطرقية”، أن النساء في البلدان المغاربية مازلن “يعانين من تمييز واضح في مجال السياقة”، مشيرة إلى أن “نظرة المجتمع لا تزال تقصي المرأة وتضعها في مرتبة دونية مقارنة بالرجل”.
وأوضحت الكحلي، في حديثها إلى “هنَّ”، أن “أي حادث سير أو مخالفة تقع، غالبا ما يوجه اللوم مباشرة إلى النساء، إذ يسود اعتقاد بأن السائقة هي المذنبة بمجرد وقوع الخطأ”، مضيفة أن “هذا الحكم الجاهز لا يعكس الواقع، بل يكرس صورة نمطية ظالمة”.
وتابعت أن النساء اللواتي يلتحقن بمؤسسات تعليم السياقة غالبا ما يشعرن بالخوف والتردد في البداية، و”يتساءلن إن كن قادرات فعلا على اجتياز الامتحان النظري والتطبيقي والحصول على رخصة السياقة”.
وأشارت إلى أن دور مؤسسات التكوين، والمدرسات على وجه الخصوص، “يتمثل في منح هؤلاء النساء الثقة في النفس، وتأكيد أن السياقة ليست حكرا على الرجال”.
واعتبرت المحلي أن “هناك نساء يقدن الطرامواي، القطار، الطائرة وحتى الباخرة، ولا شيء يمنعهن من النجاح في هذا المجال”.
وشددت الكحلي على أن “النساء يتميزن غالبا بالانضباط في احترام قانون السير، وبارتفاع مستوى الالتزام مقارنة بالرجال”.
وقالت إن “المعطيات الميدانية تؤكد أن نسبة المخالفات المرورية الكبرى ترتكب من طرف السائقين الرجال، في حين تظهر النساء حرصا أكبر على احترام التشوير الطرقي، وتطبيق القانون بحذافيره”.
وأضافت أن الخوف الأولي الذي يرافق المرأة في بداية مسارها التدريبي “غالبا ما يتحول إلى نقطة قوة، إذ يجعلها أكثر حرصا وانتباها أثناء القيادة. أما الرجل، فغالبا ما يرفض إظهار الخوف، ويدعي الثقة الزائدة، ما قد يدفعه إلى التهور وارتكاب المخالفات حسب تعبيرها”.
وختمت الكحلي حديثها بالقول إن مثلا دارجًا يقول: “البحر كيدي غير العوامة”، في إشارة إلى أن المبالغة في “الزعامة” والاندفاع تقود إلى المخاطر.
وشددت على أن المرأة حين تتسلح بالثقة والمعرفة والتدريب الجيد، تصبح قادرة على نيل رخصة السياقة عن جدارة، وخوض هذه التجربة مساهمة في الحد من حوادث السير، داعية النساء إلى كسر الصور النمطية ومواجهة الأفكار المسبقة التي تحاصرهن في هذا المجال.
الطريق ملك للجميع
أكدت إيمان غانمي، رئيسة “منظمة فضاء المواطنة والتضامن”، والفاعلة الحقوقية النسائية، أن ممارسة المرأة المغربية لحقها في السياقة ماتزال محفوفة بجملة من التحديات التي تتجاوز الجانب التقني أو المرتبط بالبنية التحتية، لتلامس مستويات أعمق “تتعلق بالنظرة الاجتماعية والصور النمطية”، مشددة على أن “الفضاء الطرقي يجب أن يعكس قيم المساواة والكرامة للجميع، رجالا ونساء”.
وفي تصريحها لمنصة “هنَّ”، تقول غانمي إن المرأة المغربية أصبحت اليوم حاضرة بقوة في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، و”السياقة ليست استثناء، وقيادة المرأة لسيارتها من أجل تلبية متطلبات العمل والأسرة والتنقل اليومي يمثل مساهمة حقيقية في دينامية المجتمع”.
غير أن الطريق، على حد تعبيرها، “مازال يشكل بالنسبة لعدد من النساء فضاء مملوءا بالتحديات الخاصة، لا بسبب الازدحام أو ضعف البنية التحتية فقط، بل أيضا نتيجة النظرة المجتمعية التي تحتاج إلى مراجعة جذرية”.
وأوضحت أن هناك تصورا شائعا بأن المرأة أقل كفاءة أو أكثر توترا أثناء السياقة، وهو “تصور غير مؤسس على بيانات موضوعية، بل نابع من ثقافة شعبية تتداول قوالب جاهزة تقصي المرأة من الفضاء الطرقي، ما يؤدي إلى مضايقات وحركات استهجان تولد ضغطا نفسيا لدى العديد من السائقات”.
وأكدت أن النساء يعانين من تعليقات غير لائقة أثناء القيادة، سواء من المارة أو من مستعملي الطريق الآخرين، وهو “ما يؤثر بشكل مباشر على شعورهن بالأمان والثقة في الفضاء العام”.
وأشارت إلى أن هذه الممارسات “قد تبدو للبعض بسيطة أو عابرة، لكنها في الواقع تضرب في عمق كرامة المرأة كمواطنة كاملة الحقوق”.
واعتبرت غانمي أن التقدم الحاصل في وعي النساء بحقوقهن لا يكفي وحده، في ظل الحاجة إلى مزيد من حملات التوعية، والدعم القانوني، والمرافقة المؤسساتية، “لضمان احترام المرأة في الطريق كسائقة، وحمايتها من كافة أشكال التمييز أو المضايقة”.
وأشادت غانمي بالدور الذي تلعبه جمعيات المجتمع المدني، لا سيما الجمعيات النسائية، في مواجهة هذه الظواهر، من خلال تنظيم حملات تحسيسية، وورشات تدريب وتأطير، وتقديم الدعم القانوني للسائقات، فضلا عن المساهمة في تغيير العقليات عبر برامج إعلامية وتربوية.
كما شددت على أهمية الشراكة بين الجمعيات والسلطات والمؤسسات الرسمية من أجل إرساء فضاء عمومي قائم على المساواة والاحترام المتبادل.
وقدمت الفاعلة الحقوقية عددا من المقترحات التي تراها أساسية للنهوض بوضعية المرأة في الفضاء الطرقي، ومنها تحسين الإطار القانوني، من خلال سن قانون إطار للمناصفة، يحمي النساء من جميع أشكال التمييز، ويشمل التمييز والمضايقات أثناء السياقة نموذجا واضحا لذلك، بالإصافة إلة تعزيز الوعي المجتمعي، عبر حملات إعلامية إيجابية تبرز كفاءة النساء خلف المقود، وتدعو إلى احترام حضورهن الطبيعي في الطريق.
واختتمت غانمي تصريحها بالتشديد على أن الهدف ليس تحميل طرف معين مسؤولية الوضع، بل فتح حوار جماعي هادئ وبناء، يقوم على قناعة راسخة بأن الطريق ملك للجميع، ولا يمكن أن يكون آمنا ومريحا إلا إذا شعر فيه كل فرد، رجلا كان أو امرأة، بالاحترام والمساواة.
“أتوجه بنداء صادق لكل المعنيين؛ فلنشتغل جميعا، بروح التعاون والتشارك، لجعل الفضاء العمومي مجالا يعكس قيمنا الوطنية والدستورية في المساواة والكرامة والاحترام”، تختم الفاعلة حديثها.


















