
منذ خطاب العرش لسنة 2022، الذي دعا فيه الملك المغربي، محمد السادس إلى مراجعة مدونة الأسرة بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والدستورية، عاد ملف إثبات النسب ليحتل واجهة النقاش العمومي في المغرب.
وفي هذا السياق، أصدرت مجموعة “نساء شابات من أجل الديمقراطية” كتيبًا توثيقيًا بعنوان: “إشكالية النسب في مدونة الأسرة: نحو قراءة جديدة للنصوص الدينية والقانونية”، يوثّق لمداخلات أكاديمية ومدنية بحثت في إحدى أكثر القضايا حساسية: حقوق الأطفال المولودين خارج إطار الزواج.
كرامة الطفل بين النص والواقع
يرى الكتيب أن إشكالية النسب ليست مجرد ثغرة في التشريع، بل أزمة بنيوية تتقاطع فيها المرجعيات الدينية والاجتماعية والقانونية. فمدونة الأسرة لسنة 2004، رغم ما حملته من إصلاحات، أبقت على قاعدة «الولد للفراش» كشرط أساسي، واستبعدت صراحة اعتماد الخبرة الجينية كوسيلة لإثبات النسب، مما أدى إلى حرمان آلاف الأطفال من حقهم في الانتماء الكامل إلى آبائهم، وما يرتبط بذلك من حقوق في النفقة، الإرث، والهوية.
وحسب معطيات ميدانية أوردها الكتيب، فإن نحو 153 طفلًا يولدون يوميًا خارج مؤسسة الزواج بالمغرب، نصفهم معرضون لخطر التشرد. وهو رقم صادم يعكس حجم الهوة بين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي.
أربعة محاور للنقاش
وزّع الكتيب المداخلات الفكرية والحقوقية على أربعة محاور رئيسية تعكس تنوّع المقاربات المطروحة. ففي المحور الأول، جرى تناول سؤال المرجعية من خلال مساءلة اعتماد الفقه المالكي وحده كأساس للتشريع، مقابل الدعوة إلى إدماج الفكر المقاصدي والاجتهاد الفلسفي المعاصر بما ينسجم مع قيم العدالة والكرامة.
أما المحور الثاني، فقد ركّز على تحولات الأسرة المغربية التي انتقلت من النموذج النووي التقليدي إلى أنماط جديدة للتعايش، مثل الأمومة العازبة والأسر ذات الوالد الواحد، وهو ما يفرض إعادة تعريف الأسرة كمؤسسة اجتماعية مرنة وقابلة للتكيّف مع الواقع.
وفي المحور الثالث، طُرحت إشكالية النسب بين القانون والأخلاق، حيث برز التوتر بين النظرة الأخلاقية الموروثة التي تجرّم العلاقات خارج الزواج، والواقع العلمي والحقوقي الذي يتيح الاعتراف بالأبوة عبر التحاليل الجينية.
بينما خُصص المحور الرابع لطرح ملامح فلسفة جديدة للعدالة الأسرية، تنطلق من مقاربة حقوقية تقاطعية تُنصت لتحولات المجتمع، وتعيد الاعتبار للمصلحة الفضلى للطفل باعتبارها مرجعية دستورية ودولية لا تحتمل التأجيل.
بين المرجعية الدينية والالتزامات الدولية
الكتيب أبرز شهادات وتحليلات لباحثات وحقوقيات اعتبرن أن النسب ليس مسألة تقنية فحسب، بل حق وجودي وإنساني، وأن استمرار المدونة في ربطه فقط بالزواج الشرعي يُعيد إنتاج التمييز البنيوي ضد النساء والأطفال.
فالأم العازبة، حسب الدراسات الميدانية، تظل وحدها في مواجهة وصمة المجتمع وصرامة القانون، بينما يُعفى الرجل غالبًا من أي مساءلة، مما يعكس ما سمّته بعض المداخلات بـ”الهندسة القانونية للظلم”.
كما لفت الكتيب، الانتباه إلى التناقض بين مدونة الأسرة والالتزامات الدولية للمغرب، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل التي تنص على حق الطفل في اسم وهوية ومعرفة والديه منذ ولادته. كما أكد أن لا نص قطعي في القرآن يمنع اعتماد الوسائل العلمية الحديثة لإثبات النسب، وهو ما يفتح الباب أمام اجتهادات فقهية جديدة تراعي مقاصد الشريعة الكبرى: حفظ النفس والكرامة والنسب بمعناه الإنساني الواسع.
وخلص الكتيب إلى أن مراجعة مدونة الأسرة ليست مجرد تعديل تقني في بعض المواد، بل هي لحظة فكرية وحقوقية لإعادة بناء مفهوم الأسرة والنسب. فالعدالة الحقيقية، كما جاء في التوصيات، تعني رفع القداسة الزائفة عن المفاهيم التقليدية، والاعتراف بالتنوع الاجتماعي، وضمان حقوق النساء والأطفال بعيدًا عن منطق الوصم والإقصاء.
توصيات عملية لإصلاح مدونة الأسرة
إلى جانب النقاش الفكري والقانوني، قدّم الكتيب حزمة من التوصيات العملية التي تشكّل أرضية للتغيير المنشود. فقد دعا أولًا إلى إدماج الخبرة الجينية كوسيلة رسمية لإثبات النسب أمام القضاء، باعتبارها أداة علمية دقيقة يمكن أن تنهي الكثير من النزاعات وتمنح الأطفال حقهم الطبيعي في الانتماء.
كما أوصى بضرورة تعديل المواد 150–162 من مدونة الأسرة حتى تضمن اعترافًا كاملاً بالأطفال المولودين خارج الزواج، وعدم الاكتفاء بتعويضات شكلية تحت مسمى “البنوة”. وفي السياق ذاته، شدد المشاركون على توسيع مفهوم البنوة ليشمل جميع الحقوق القانونية المرتبطة بالنسب، مثل الاسم، الإرث، والنفقة، بدل أن يظل اعترافًا رمزيًا لا أثر له على حياة الطفل.
ومن الناحية المجتمعية، حث الكتيب على إطلاق حملات توعية شاملة تهدف إلى إزالة وصمة العار التي تلاحق الأمهات العازبات وأطفالهن، وتعزيز ثقافة الاعتراف والكرامة. ولتحقيق هذا الهدف، اقترح أيضًا تعزيز دور مؤسسات الحماية الاجتماعية لتقديم الدعم للفئات الهشة، وخاصة النساء اللواتي يتحملن عبء الأمومة منفردات.
وأخيرًا، شدد الكتيب على أهمية إشراك المجتمع المدني والباحثين الشباب والنساء في صياغة الإصلاحات، بما يضمن عدالة أكثر شمولًا، تعكس تنوع المجتمع المغربي وتستجيب للتحولات العميقة التي يشهدها.
أسئلة معلقة
في خاتمته، ترك الكتيب القارئ أمام جملة من التساؤلات المفتوحة التي تختزل عمق المأزق المجتمعي والقانوني؛ إلى متى سيظل الوجود مرهونًا بالشرعية والكرامة بالاعتراف الرسمي؟ وكيف يمكن لقانون لا يعترف بالطفلة الأم أن يساهم في إصلاح مجتمع يزعم حماية أفراده؟ ثم هل نحن مستعدون فعلًا لعدالة تنطلق من الإنسان كقيمة عليا، بعيدًا عن الألقاب والأعراف؟
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأسئلة المعلّقة، تطرحُ ثلاثيةً من التحديات العميقة أمام المشرّع والمجتمع على حدّ سواء؛ فهي تكشف أولًا عن أزمة الشرعية التي تجعل الاعتراف القانوني بالوجود الإنساني رهينًا بعقد الزواج، في حين أن الكرامة حق أصيل لا ينبغي أن يرتبط بأي شرط.
كما تفضح ثانيًا عجز القانون عن مواكبة الواقع حين يستمر في إنكار وجود الطفلة الأم، بدل أن يوفر لها إطار حماية ورعاية يحد من الهشاشة والإقصاء.
وأخيرًا، فإن التساؤل حول استعداد المجتمع لعدالة تنطلق من قيمة الإنسان في ذاته يختبر مدى قدرتنا على تجاوز منطق الوصم والألقاب إلى منطق الاعتراف والحقوق.
وبهذا المعنى، فإن الأسئلة ليست مجرد خاتمة للكتيب، بل هي دعوة مفتوحة لمراجعة عميقة للمنظومة القانونية والاجتماعية بما يضع الإنسان، كل إنسان، في قلب مشروع العدالة الأسرية.


















