إستطلاع لـ”هنَّ”| تونسيات يكشفن عدم إهتمامهنَّ بالشأن السياسي

منذ انطلاق مسار “25 جويلية” 2021، والفضاء العام في تونس يسجل تراجعا واضحًا لنسب مشاركة النساء في الشأن العام ولحضورهنّ في مواقع القرار. 

ورغم أن هذه الفترة عرفت تعيين امرأة رئيسة للحكومة، لأول مرة في تاريخ البلاد؛ إلا أن جميع المحطات الانتخابيّة التي تزامنت مع مدة إدارتها للبلاد؛ سجلت ضعفًا في تمثيلية النساء السياسية. 

وتعيد منظمات نسوية انخفاض نسب مشاركة المراة إلى “ضرب مبدأ التناصف في القانون الإنتخابي”، مشيرةً إلى أن “تأثيره قد يتواصل ليشمل مشاركتهن في المواعيد الإنتخابية”. 

عزوف عن السياسة

ومع اقتراب تونس من محطة انتخابيّة جديدة، تعتبر الأهم بالنسبة للبلاد، يتجه خلالها التونسيون لاختيار رئيسهم للفترة النيابية 2025- 2029، قامت “هنَّ” باستطلاع عشوائي لآراء عينة من النساء التونسيات من أعمار مختلفة، سألتهن خلاله عن “ما مدى إهتمامهن بالشأن السياسي؟، وهل هن بصدد متابعة تفاصيل المحطة الانتخابيّة الخاصة بالرئاسيات؟”. 

وتشير مجمل الأجوبة التي جمعتها “هنَّ” من نساء تونسيات إلى أنهن “لسن من المهتمات بالشأن السياسي”. 

ولا يعتبر المستوى الثقافي عنصرًا مؤثرًا في آراء النسوة اللاتي تم استطلاع آرائهن، فسواء كانت المرأة خريجة جامعة أو ذات مستوى تعليمي بسيط؛ إلا أنهن يجمعن على أن المشاركة في الإنتخابات أو الترشح ليسا من أولويات إهتمامهن. 

مريم همامي، شاب تبلغ من العمر 20 عاما، تقول في تصريح لـ”هنَّ”، “ليست لي أي فكرة عن المستجدات السياسية التي تعيش على وقعها تونس اليوم”، فهي لا تتابع الشأن السياسي بالمرة، وباعتبار أن الحوارات التلفزية لم تعد موجودة فلم يعد لها مصدر تتابع من خلاله المستجدات. وكشفت مريم أنها لم تشارك “في أي محطة انتخابية إلى غاية اليوم”، مشيرةً إلى أنها لم تقرر بعد هل ستؤدي واجبها الإنتخابي أم لا؛ يوم الـ6 من أكتوبر المقبل، وهو موعد الدور الأول للانتخابات الرئاسية.

المشاركة رغم الانتكاسة الديمقراطية 

أما وئام عدلي، ذات الـ19 ربيعًا، والتي تنتمي إلى عائلة كل عناصرها يشتغلون في سلك الأمن، ليس لهم الحق في الانتخاب، ويمنع ببيتهم الحديث في السياسة، فتقول أنها وإلى غاية أشهر مضت “لم أكن من المهتمات بالشأن العام ككل والسياسي على وجه الخصوص”. 

وكشفت أن انضمامها إلى إحدى الجمعيات الشبابية المتخصصة في البيئية، في الحي الذي تقطنه؛ غيّر من سلوكياتها وحولها من امرأةٍ عاديةٍ إلى مواطنةٍ تريد أن تكون جزءًا من “تغيير واقع حيها عبر تشجيره وجعله أنظف وأجمل وأكثر أمنًا”.

“عبر تجربتي البسيطة أستطيع أن أقول أنني سأكون من الفاعلين في الفترة الانتخابية الحالية وسيكون لي صوت أدلي به يوم الانتخاب”، توضح وئام وهي مبتسمة.

من جهتها، تؤكد سهيلة طرابلسي، 29 سنة، أنها كانت أكثر متابعة للشأن العام بما فيه السياسي، غير أنه وأمام ما شهدته البلاد من تحولات ورِدة عن مكتسبات الحريات العامة والفردية، “أصبت بحالة من فقدان الشغف”. 

وتضيف ساخرة، “من أجل سلامتي النفسية، أخذت مسافة من الشأن العام خاصة السياسي، على الرغم من مواصلة المتابعة لكل مستجد”. 

أما بالنسبة للانتخابات الرئاسية، فتؤكد الطرابلسي، على مشاركتها في الانتخابات “حتى وإن تطلب الأمر المشاركة في كامل المسار الإنتخابي”. 

وبالعودة للأرقام الرسمية، سجلت المجالس المحلية المنتخبة مؤخرا في تونس، النسبة الأضعف في تمثيلية النساء على امتداد الـ14 سنة الماضية، وما تخللها من مواعيد انتخابية والمجالس الانتخابية، والتي بلغت حدود الـ12 بالمائة، مقارنةً بنسبة 29 بالمائة التي سجلتها تمثيلية المرأة التونسية في المجلس التأسيسي عام 2011، وبنسبة 31 بالمائة في مجلس نواب الشعب لسنة 2014.

وبلغت نسبة مشاركة المرأة التونسية في برلمان سنة 2019 حدود الـ24 بالمائة، وكانت تمثيليتها في حدود الـ16.2 بالمائة في مجلس نواب الشعب الحالي. كما حظيت المرأة بالتمثيلية الأكبر في الانتخابات البلدية لسنة 2018، حيث مثلت نسبة 47.7 بالمائة من العدد الجملي للفائزين. 

فضاء غير ديمقراطي 

في قراءتها لحالة العزوف وعدم اهتمام النساء في تونس بالشأن السياسي والمحطات الانتخابية، تقول الناشطة الحقوقية نجاة عرعاري، في تصريح لـ”هنّ” إن “هناك ثقافة سائدة تعتبر الشأنين العام  السياسي هو مجال ذكوري بامتياز، فتاريخيًا كانت المناصب القيادية ومواقع اتخاذ القرار يسيطر عليها الرجال”. 

وترى الباحثة في علم الاجتماع، أن الثقافة السائدة  “جعلت النساء لا يهتمن بالسياسة على أساس أنها حكرٌ على الرجال، بالمقابل تعتبر فئة كبيرة أن الموضة والتجميل هي مجالات محتكرة من طرف النساء. في الوقت الذي لا توجد مجلات للنساء وأخرى للرجال، بل هو مجرد تقسيم اجتماعي وثقافة ذكورية”.

وتعتبر عرعاري أن العامل الثاني لعزوف النساء عن الشأن السياسي، هو الفضاء غير الديمقراطي، وتفسر انه “بعد الثورة وحالة الانفتاح الإعلامي جعلت من قضايا النساء مادة إعلامية متداولة ومكنت عديد النساء من يتحولن الى شخصيات معروفة وقيادات وطنية ومشاركات في الشأن العام وجعلهن يهتمن أكثر بالقضايا الوطنية السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها..  غير أنه كلما سجلنا تراجع في مجال الحقوق والحريات يتراجع حضور النساء في مواقع القرار والشأن العام”.

وتوضح الحقوقية التونسية أن “الفضاء الديمقراطي الحر، هو ما يجعل النساء تكتسبن الشجاعة للمشاركة والتعبير عن رأيهن  السياسي، بينما في ينتج عن الانغلاق السياسي، ارتفاع العنف المادي والمعنوي في الفضاء العام والافتراضيّ ضد النساء، وهو ما يزيد من ضغط الأسرة والعائلة على النساء للانسحاب من الشأن العام إلى مربعهن التقليدي الذي حدده لهن المجتمع والعقلية الذكورية السائدة”. 

فضاء منتج للخوف 

وفي نفس الوقت، تنبه عرعاري إلى أن “المحاكمات التي يواجهها عدد من الوجوه السياسية والحقوقية والنقابية والصحفية المعروفة، والتي تضم عدد من النساء، بدورها تخلق عزوفًا عامًا عن الشأن العام، وهو أمر غير مرتبط فقط بالنساء، بل يشمل الجنسين، ويجعل الرجال والنساء على حد السواء ينسحبون من الفضاء العام”.

وتشير الناشطة والباحثة في علم الاجتماع إلى أنه “للمرة الاولى في تاريخ تونس تسجن حوالي عشر معتقلات رأي، بين ناشطات سياسيات وحقوقيات وصحفيات ومحاميات، ما يجعل المناخ العام مناخًا منتجًا للخوف، ويجعل المرأة تنسحب تدريجيا وتقصي نفسها بشكل آلي من الفضاء العام ومن الشأن العام السياسي”.

اقرأ أيضا

  • منع مسيرات تضامنية مع فلسطين “دعم لجرائم الإبادة”

    ???? منعت مسيرات احتجاجية ضد العدوان الإسرائيلي، تخليدا ليوم الأرض الفلسطيني، نهاية الأسبوع الماضي، من طرف قوات الأمن في عدد من المدن المغربية، ما خلف تنديدا واستنكارا واسعينِ من طرف المشاركين في تلك الاحتجاجات.

    Hounna | هنّ|

  • الافلات من العقاب يشجع على اغتيال السياسياتِ في ليبيا

    جريمة الاغتيال السياسي، واحدة من عمليات التصفية التي تستهدف الخصوم السياسيين في ليبيا، منذ الانفلات الأمني الذي أعقب إسقاط نظام القذافي في عام 2011.  وأصبحت كابوسًا يترصد السِياسيات الليبيات اللاتي خرجن للمطالبة بحقوقهن في العمل السياسي والاجتماعي. وأدى الفشل في ملاحقة ومحاسبة الجناة في قضايا اغتيال السياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان؛ إلى ظهور ثقافة الإفلات…

    Hounna | هنّ|

  • بين المشاركة والمقاطعة.. موقع المرأة الجزائرية في معركة الانتخابات 

    تتجه اليوم، الفئة الناخبة الجزائرية إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثل الشعب الجزائري، ورئيسًا جديدًا يحكم البلاد لمدة خمس سنوات قادمة، في انتخابات مسبقة، ويخوض هذا الاستحقاق  ثلاثة مرشحين، أبرزهم الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي صعد إلى سدة الحكم في عام 2019 بعد رحيل بوتفليقة، ويرافقه في هذا السباق  كل من يوسف أوشيش عن حزب…

    ماجدة زوين|

  • “الشوارع لهم والبيوت لنا”.. الطريق الصعب للجزائريات نحو السياسة 

    بعد مرور خمس سنوات على اندلاع الثورة الشعبية المعارضة للنظام العسكري الجزائري، المعروفة بـ"الحراك"، والذي كانت المرأة إحدى طلائعه الرئيسية، فقد خرجن وهن على قناعة بأنه لن يكون هناك تغيير حقيقي أو ديمقراطية كاملة دون المساواة بين الجنسين، ولكن منذ فبراير 2019 إلى اليوم، جرت مياه كثيرة تحت جسر "الحراك"، مياه لا تزال المرأة الجزائرية…

    ليلى محمد|