“أنقذوني من الغرق.. كنت على وشك الموت”، بهذه الكلمات تستعيد سيلي (اسم مستعار) اللحظات التي كادت تنتهي فيها حياتها أثناء محاولتها العبور نحو سبتة المحتلة، وتروي “حين علمت أن أبواب سبتة فُتحت، لم أفكر مرتين، توجهت إلى البحر وبدأت أسبح نحو الضفة الأخرى، بيد مصابة بجرح عميق.. وبينما كنت أحاول تجاوز الحاجز البحري، خارت قواي، لولا وجود أشخاص كانوا يشقون الطريق نفسه ومدّوا إليّ يد العون، لما وصلت إلى اليابسة”.
حين وطئت قدمها “سبتة” اعتقدت أنها وصلت لبر الأمان، لكن اكتشفت أن رحلة النجاة الحقيقية قد بدأت للتو. “سيلي” وهي إمرأة مغربية عابرة جنسيا، هربت من الاضطهاد الذي عاشت فيه لسنوات بحثاً مكان تعيش فيه بأمان وبدون خوف، لكن الأيام الأولى في أرض اللجوء اقتادتها إلى قلب الجحيم، ثلاثة أيام بلياليها قضتها تائهة في الغابة، تصارع الجوع والخوف قبل تعرضها لسرقة هاتفها وما تبقى معها من أموال.
تحكي سيلي لمنصة “هنّ” تفاصيل تلك الأيام بصوت مخنوق “ذهبت إلى الغابة وبقيت فيها ثلاثة أيام من دون طعام، ولم يكن لدينا سوى الماء.. وخلال تلك الفترة، سرقوا أموالي وهاتفي”.
البحث عن مأوى يتحول إلى كابوس
بعد تعرضها للسرقة، بحثت سيلي عن مكان آمن يحميها، وبعد محاولات كثيرة وجدت سريراً في غرفة يعيش فيها إثنا عشر شخصاً، مقابل ثلاثين يورو في الليلة والقيام بالأعمال المنزلية والاعتناء بالأطفال، تقول: “كنت أعيش مع 12 شخصاً في الغرفة، كنت أعمل وأطبخ للأطفال حتى يسمحوا لي بالبقاء معهم.. لقد عانيت نفسيا ولم أعد قادرة على الاحتمال، فقررت العودة إلى الغابة.

في اليوم التالي لوصولها للغابة المجاورة لمركز إقامة المهاجرين (CETI) “إل خارال”، وبينما كانت تحاول اقتناص ثواني معدودات لأخذ قسط من الراحة ، اوقفها شخصان يستقلان دراجة نارية، لم يكونا يرتديان أي زي رسمي، هددها بالقتل إن لم تعد من حيث أتت، قبل أن يجرداها مما تبقى معها من أغراض. اضطرت سيلي إلى حلق شعرها لكي تحمي نفسها، تقول : “حلقت شعري كاملا لتغيير ملامحي”.
اختارت سيلي الصمت على التقدم بأي بلاغ رسمي للشرطة حول ما تعرضت له من سرقة وتهديد، خشية أن تتسرب معلومات عنها إلى السلطات المغربية أو إلى عائلتها.
نجا من الغرق ليواجه العنف
دخل يوسف (اسم مستعار) إلى مدينة سبتة سباحة، وفي حديثه لمنصة “هنَّ”، يستعيد الساعات الأولى من رحلته: “دخلت إلى مدينة سبتة سباحة يوم الجمعة، في الخامسة والنصف صباحا، توجهت مباشرة إلى الغابة، حيث كان يوجد كثير من المهاجرين، وظللت هناك يومين”. بعد يومين في الغابة، غادر يوسف بحثا عن مكان أكثر استقرارا، لكنه لم يجد سوى الشارع مأوى له، يقول: “توجهت بعدها إلى مجمع سكني، حيث وجدت عدداً كبيراً من المهاجرين المغاربة، تحدثت إلى بعضهم، وكنا نبيت جميعا في المكان نفسه، في الشارع”.
خلال تلك الفترة، تعرّف يوسف عبر الإنترنيت، إلى رجل إسباني عرض عليه المساعدة، يروي: “التقيت برجل إسباني عبر الإنترنيت، فعرض علي أن أستحم في منزله، وبعد ذلك صرت أذهب إلى بيته أحيانا لأغير ملابسي وأتناول الطعام”.
لكن تلك العلاقة سرعان ما تحولت إلى مصدر خطر على يوسف، بعدما أخبر أحد الأشخاص المهاجرين المغاربة بأن الرجل الذي يلتقيه مثلي الجنس. يروي: “عندما نزلت إلى الشارع، جاء أحد المهاجرين برفقة عدد من أصدقائه، فضربني أحدهم في وجهي، وقال لي : نحن هنا لنبحث عن مستقبل أفضل، وأنت هنا فقط لتحصل على الجنس”.
بعد الاعتداء عليه، تمكن يوسف من التواصل مع محامية وأخبرها بما تعرض له، يضيف: “حاولت مساعدتي في العثور على مكان آمن أعيش فيه، وتواصلت مع عدد من الجمعيات، إلى أن وجدوا لي المكان الذي أقيم فيه الآن”.
أتلقى تهديدات “بالحرق والقتل”
حين تستعيد سيلي حياتها في المغرب تختصرها بجملة: “حياة لا تطاق، حياة مدمّرة جداً”، كانت الإساءة بالنسبة إليها واقعاً يومياً يلاحقها أينما ذهبت: “كنت دائماً أتعرض للظلم والضرب والإهانة، كانوا ينادونني في الشارع ثم يضربونني”. وتضيف “مجتمعنا لا يرحم، كانوا دائماً يهينونني ويصفونني بكلمات مثل: الشذوذ، واللواط، والشاذ”.
لم يكن هناك مكان تشعر فيه بالأمان، لا مع أسرتها، ولا في الحي، ولا في العمل أو المستشفى. وتشرح: “من الصعب أن أعيش مع عائلتي، أو أن أمر في الحي، أو أن أجد عملاً، أو أن أذهب إلى الطبيب.. من الصعب أن أواجه المجتمع”.
وعن غياب الحماية القانونية، تقول: “في مركز الشرطة، ليست لدينا حقوق، ولا يوجد قانون يحمينا. حتى لو تم الاعتداء علي وكنت مصابة بجروح، لا أحد يهتم لأمري”. وتؤكد سيلي أن التهديد بالسجن يلاحقها حتى وهي في بيتها، إذ يظل خطر السجن قائماً بسبب القوانين تعاقب على “المثلية الجنسية” و”العلاقات خارج إطار الزواج”.
لكن الخطر الأكبر، بحسب سيلي، لم يعد يأتي من الشارع أو المجتمع وحدهما، فقد تحولت عائلتها نفسها إلى مصدر تهديد مباشر لحياتها. تقول: “عائلتي تبحث عني لكي تقتلني، وأنا أتلقى تهديدات بالحرق والقتل من أقرب الأشخاص إلي”. لهذا، لا تبدو العودة إلى المغرب خياراً بالنسبة إليها، بل مواجهة محتملة مع الموت، تقول بحسم: “من المستحيل أن أعود إلى المغرب، ولو كلّفني ذلك الانتحار، فأنا أفضل الانتحار على العودة إلى هناك”.

تعيش سيلي اليوم تحت وطأة خوف لا يفارقها، وقد بدأ ينهك جسدها ويدفع حالتها النفسية نحو الانهيار، تسترسل: “حالتي الجسدية لا تطاق، وحالتي النفسية مهددة بالانهيار.. لا أستطيع النوم”. بوصولها إلى سبتة لا تطلب سيلي إلا أن ترتاح “أريد فقط أن أرتاح، أريد فقط أن أكون وحدي وأن أشعر بالأمان”.
الخوف من السجن
يوسف بدوره لم يكن قرار مغادرة المغرب سهلا بالنسبة إليه، فقد ترك عائلته وعمله وكل ما بناه خلفه، بحثاً عن حياة لا يضطر فيها إلى إخفاء هويته أو سماع عبارات الإدانة التي ظلت تلاحقه، يقول: “السبب الرئيسي الذي دفعني إلى مغادرة بلدي وعائلتي وترك عملي وكل شيء، هو أنني أريد أن أعيش بحرية مثل أي إنسان، من دون أن أسمع: أنت مثلي، يجب أن تتوب، ستدخل جهنم، والله لن يرضى عنك، وأنت من قوم لوط. لم أعد أتحمل هذه الكلمات”.
لكن ما حسم قراره بالمغادرة كان اعتقال حبيبه السابق والحكم عليه بالسجن عشرة أشهر نافذة وغرامة مالية قدرها عشرة آلاف درهم، بعدما عثرت الشرطة على صور حميمة تجمعهما. ويقول يوسف إن الحكم صدر استناداً إلى الفصل 489 من القانون الجنائي المغربي.
منذ ذلك الحين، تحوّل الخوف بالنسبة إليه إلى تهديد دائم، يوضح: “لم أعد أشعر بالأمان في بلدي، لأنني أصبحت مهدداً في أي وقت بالسجن أو بعقوبة قاسية وغير إنسانية”.
ويختتم يوسف شهادته بمناشدة السلطات الإسبانية الاعتراف بحقه في الحماية: “أطالب الحكومة الإسبانية بمنحي حق اللجوء، حتى أتمكن من العيش بحرية، مثل أي إنسان، من دون خوف من السجن أو التعرض للسب والقذف بسبب ميولي الجنسي”.
هشاشة مضاعفة ومطالب بالحماية
عن أوضاع طالبي وطالبات اللجوء من مجتمع الميم-عين، تقول مارينا بيريز، منسقة فرع منظمة “سور أكوخي” في سبتة في تصريح لمنصة “هنَّ”، إنهم يعيشون هشاشة مضاعفة، خصوصاً في ظل غياب أبسط مقومات العيش الكريم، من مأوى وغذاء ونظافة. وتوضح أن كثيراً منهم ينحدرون من بلدان يواجه فيها أفراد مجتمع الميم-عين-كيو+ أشكالاً متفاوتة من الوصم السياسي والاجتماعي، ما يجعلهم أكثر عرضة للعنف والاستغلال والوقوع في شبكات الاتجار بالبشر والدعارة.
وحمّلت بيريز السلطات الإسبانية مسؤولية التعرف المبكر إلى هذه الفئات وتوفير الحماية اللازمة لها عبر آلية اللجوء، مؤكدة ضرورة تخصيص الموارد الكافية لضمان سلامة أشخاص قد تكون حياتهم أو سلامتهم الجسدية مهددة، ولا يستطيعون العودة إلى بلدانهم.
كما انتقدت التوجهات الجديدة للسياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة واللجوء، ولا سيما الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء، محذرة من أن تقليص المدد الزمنية المخصصة لدراسة الملفات قد يعرقل تحديد حالات الهشاشة المعقدة، ومن بينها حالات الأشخاص المنتمين إلى مجتمع الميم-عين-كيو+.

وفي تقرير نشرته مجموعة Border Resistance تحت شعار “مقاومة كويرية ضد الحدود القاتلة والعنصرية ورهاب المثلية”، دعت المجموعة إلى النقل الفوري لطالبي اللجوء من مجتمع الميم-عين المعرّضين للخطر من مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين (CETI) وبقية مراكز سبتة، إلى أماكن إيواء آمنة في شبه الجزيرة الإيبيرية. كما طالبت بتخصيص فضاءات استقبال آمنة ومنفصلة داخل هذه المراكز، تضمن الخصوصية وتحمي الأشخاص من الكشف القسري عن هوياتهم الجندرية أو ميولهم الجنسية.
ولا تقتصر مطالب المجموعة على توفير الإيواء الآمن، بل تشمل أيضا إتاحة دعم نفسي متخصص وعاجل، وإجراء تقييم فوري لمخاطر إيذاء النفس، في ظل ما تكشفه الشهادات الواردة في التقرير من هشاشة نفسية شديدة. ودعت كذلك إلى فتح تحقيق جدي وشفاف في الاعتداءات الجسدية والسرقات والتهديدات التي تعرّض لها أفراد من هذه الفئة، بدلا من التعامل معها باعتبارها وقائع ثانوية.
وطالبت Border Resistance بوقف جميع عمليات الترحيل القسري إلى المغرب، مؤكدة أن إعادة هؤلاء الأشخاص في ظل المخاطر التي يواجهونها قد تعرّض حياتهم وسلامتهم للخطر. وترى المجموعة أن مسؤولية حماية الفارين من الاضطهاد والعنف لا ينبغي أن تتوقف عند الحدود، وأن ضمان سلامتهم يجب أن يكون أولوية في سياسات الهجرة واللجوء.
عنف متعدد الأوجه
وفي ضوء هذه الشهادات، التي تكشف تعدّد الأسباب التي دفعت عشرات من أفراد مجتمع الميم-عين إلى المخاطرة بحياتهم والعبور نحو الضفة الأخرى، يتضح أن ما عاشوه ليس حالات فردية معزولة، بل امتداد لعنف واسع ومتعدد الأشكال. فقد كشف آخر تقرير ميداني لجمعية “نسويات”، أُنجز سنة 2024 وشمل 50 فرداً من مجتمع الميم-عين في الدار البيضاء وأكادير وتطوان، أن نسبة من تعرضوا للعنف، بدءاً من الإساءة اللفظية والنفسية وصولاً إلى الاعتداء الجنسي، بلغت 80 في المائة في أكادير، و60 في المائة في تطوان، و55 في المائة في الدار البيضاء.
ولا يتوقف هذا العنف عند حدود الشارع، بل يتسلل إلى البيوت، حيث يظل العنف الأسري من أكثر الاعتداءات صمتا وتكتما، وغالباً ما يُبرَّر باسم “الشرف” و”الأخلاق” والحفاظ على ما يسمى “النظام الطبيعي” للأسرة.
ويعمّق القانون هذا الشعور بانعدام الأمان، إذ يظل الفصل 489 من القانون الجنائي المغربي، الذي يجرّم العلاقات الجنسية المثلية ويعاقب عليها بالسجن والغرامة، أبرز أداة قانونية لملاحقة أفراد مجتمع الميم-عين، إلى جانب فصول مرتبطة بـ”الآداب العامة”. وحسب تقرير “نسويات”، لا تُستخدم هذه النصوص لتجريم العلاقات الحميمية فحسب، بل تتحول أيضاً إلى وسيلة لمراقبة المظهر الخارجي وطرق التعبير عن الهوية الجندرية، في مقابل غياب أي حماية قانونية من التمييز في العمل والتعليم والرعاية الصحية.














