“رفضت الخروج من السجن إلا في الوقت المحدد لإطلاق سراحي، لأنني لا أحتاج للعفو من أحد، فأنا لست مجرمة ولا مذنبة، فذنبي الوحيد هو أنني حلمت بوطن أفضل تصان فيه كرامة الإنسان، ودافعت عن حقي وحق كل أبناء وبنات الشعب في تعليم مجاني… فقال لي مدير السجن بالحرف الواحد أنه عليّ الامتثال لأوامره والخروج الآن وإلا سنستعمل القوة”، هكذا تتذكر يسرى الخلوقي، آخر لحظاتها قبل مغادرة بوابة السجن.
تعرضت يسرى للتعنيف والضرب والتنكيل من قبل الموظفين في الوقت الذي قامت به إحدى موظفات السجن بجمع ملابسها وأغراضها، وفي شهادتها لـ”هنَّ” تسرد ذلك بمرارة: “تم سحبي من شعري بالقوة وأخرجوني. هذه هي ممارساتهم التي تتنافى مع الشعارات التي يتغنى بها النظام القائم من قبيل حقوق السجين والقطيعة مع الماضي ودولة الحق والقانون وحقوق الإنسان، لتتضح لنا طبيعة النظام القمعية بما هو نظام لا وطني لا ديمقراطي لا شعبي”.
في مقابلتها مع “هنَّ” تحكي يسرى عن اليوم الذي استدعتها إحدى الموظفات في السجن، قائلة: “في صباح يوم الثلاثاء 29 يوليوز 2025 استدعتني الموظفة السجنية وأخبرتني أنني سأخرج من السجن… استفسرت عن سبب إطلاق سراحي الآن، رغم أنني لم يبق لي سوى خمسة أيام على موعد إطلاق سراحي. وبعد ذلك قابلت مدير السجن وأخبرني أن النيابة العامة راعت ظروفي باعتباري طالبة، لذلك قامت بإطلاق سراحي الآن”.
وتضيف ساخرة: “يا للمفارقة العجيبة لم أكن طالبة وقت اختطافي من وسط الجماهير الطلابية واعتقالي في 4 ديسمبر 2024 بطريقة وحشية، ولم أكن طالبة خلال الأشهر الثمانية التي قضيتها في الاعتقال السياسي. لم أتحول إلى طالبة إلا بعد أن قضيت هذه الفترة الطويلة في السجن”.
يسرى الخلوقي، طالبة مناضلة في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وتنتمي إلى فصيل النهج الديمقراطي القاعدي، وتدرس بالكلية المتعددة التخصصات بمدينة تازة. هي معتقلة سياسية سابقة، اعتقلت على خلفية مشاركتها في مسيرة طلابية للمطالبة بتحسين ظروف النقل الجامعي بالمدينة.
قبل إلتحاق يسرى بالجامعة، اعتقلت أختها التي كانت طالبة آنذاك، ما جعلها تعيش حالة من التخوف المسبق من النضال الطلابي، خاصة وأنها عاينت عن قرب قسوة هذه التجربة وما تخلفه من أثر لدى عائلاتهم.
وتتذكر قائلة: “كنت قد حمّلتُ المسؤولية للرفاق واعتبرتهم سببا في إعتقال أختي. فقد حدث ذلك عندما كنت أتابع دراستي في الباكالوريا. إلى جانب ذلك، كانت المدرسة نفسها تغرس نوعا من هذا التخويف، إذ كان يقال لنا باستمرار من لدن الأساتذة أنه يوجد في الجامعة أشخاصا يحملون أفكارا معينة ويسعون إلى إثارة المشاكل في المغرب”.
“كان بعض الأساتذة يحدثوننا على أن في الجامعة يوجد أنصار الفكر الملحد، وكانوا يحاولون إقناعنا تجنبهم، لقد صوروا لنا على أن هؤلاء الأشخاص في الجامعة على أنهم مجرمون. باعتبارنا تلاميذ فكان من السهل أن نصدق دعايتهم”، تضيف.
عند التحاقها بالجامعة، توخت يسرى الحذر من الطلبة الذين كانوا يحملون على عاتقهم مسؤولية تنظيم الاحتجاجات والأنشطة النقابية، “لم أكن أود الاقتراب منهم، لأنني كنت أحمل نوعا من الحقد وصورة قبيحة عن الحركة الطلابية بصفة عامة. لكنني في الوقت عينه لم يكن لدي ذلك التشدد أو التعصب في الرأي. كنت أفضل أن أرى الشيء وأعيشه في واقعهِ أولا، ثم بعد ذلك أحكم عليه”.
بمناسبة 8 مارس حظرت يسرى إلى النقاش الذي نظمه الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في الكلية حول قضية المرأة، تتذكر ذلك قائلةً: “حضرت ذلك اليوم النضالي وشاركت في الدردشات وشاهدت الصور وقرأت عن المعارك التي خاضها الطلبة قبلنا، والتضحيات، مثل تلك التي قدمتها النساء في المغرب، مثل سعيدة المنبهي وزبيدة خليفة وعلى المستوى الأممي بشكل أيضا. وهذا الأمر جعلني، أنا أيضا كامرأة، أرغب في أن أكون جزءا من هذه النضالات”.
وتسرد يسرى “تخلصت من ذلك التخوف في أول مظاهرة، توجهنا إلى عمادة الكلية، وتشكلت لجنة للحوار، وبطبيعة الحال، لم أشارك للحوار. لكنني كنت واثقة أننا لا نقوم سوى بالدفاع عن حقوقنا كطلبة. استمرت التجمعات في الساحة لمناقشة المطالب، مثل المنحة والعديد من، والاكتظاظ، وغياب الحي الجامعي آنذاك”.
وفي سنة 2018 حدثت مواجهة عنيفة بين الطلبة والسلطات العمومية استمرت لما يقارب ثلاث ساعات، تصف يسرى مجريات الأحداث “خرج الطلاب والطالبات حوالي الساعة العاشرة والنصف، وفتح الرفاق حلقية أمام الحافلة من أجل النقاش والاتفاق على الخطوة المقبلة، لكن سرعان ما اقتربت القوى القمعية الحرم الجامعي، وهذا ما لا يمكن أن يقبل به الطلاب والطالبات”.
وتوضح أنه سبب هذه المواجهات كان هو “ما وقع من اعتداء مرفوق بالإهانة، تعرضت له إحدى الطالبات من قبل أحد المراقبين في الحافلة، وكان الجميع حاضرا يستمعون إلى الطالبة، وعليه اتخذت الجماهير الطلابية قرار مقاطعة الحافلة كخطوة احتجاجية، ثم تشكلت لجنة حوار توجهت إلى شركة فوغال لكن قوبل ذلك بالتجاهل”.
وتشرح “وكانت الخطوة التصعيدية هي مقاطعة الحافلات صباح ذلك اليوم بعد أن تم طرق أبواب الحوار لأكثر من مرة، فخرجت الجماهير الطلابية بعد مقاطعة جماعية للحصص الدراسية، وبعد أن تمت مقاطعة الحافلة الأولى والثانية حدث التدخل من قبل قوى القمع، دخلوا مباشرة من خلف الحافلات، حتى وصلوا إلينا، فتفرقنا باتجاه السوق، لكن الجماهير الطلابية سرعان ما عادت إلى الجامعة”.
“تراجعت القوى القمعية بعد تقدم الجماهير الطلابية، في وفي المساء، عدنا وخرجنا في مظاهرة أخرى، وكانت مظاهرة تنديدية بالقمع الذي تعرضنا له، وفي الوقت نفسه استمرارا للتظاهرة السابقة، وبنفس الطريقة، استمرينا في مقاطعة الحافلات حتى جاءنا ممثل عن الشركة وقال لنا: نريد حوارا، فقط تعالوا إلينا”، تضيف.
وتستحضر يسرى حين دخلت للمرة الأولى الحوار مع اللجنة، “كان هذا أول حوار لي، بدء حوالي الساعة الرابعة، واستمر حتى الساعة العاشرة والنصف. وهذان الأمران أي الحوار والمواجهة هما اللذان قرباني كثيرا من النضال إلى الرفيقات والرفاق القاعديين”.
وترى يسرى أن المجتمع المغربي دائما ما يقمع النساء، “وكان للرفاق والرفيقات فضل كبير علي، خصوصا في الساحة وفي حلقيات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. هذا الفضل الكبير ساعدني في تكوين شخصيتي، وتعلمت الجرأة، لأنني كنت خجولة فحتى في الثانوية، إذا ما كان عندي الجواب الصحيح، لم أكن أستطيع التحدث مع الأستاذ”.
وتتابع: “ما يجعل المأمورية سهلة للتفاعل مع نقاشات الطلبة، هو أنه لا أحد له الحق في السخرية من أي شخص، فالأعرافُ تمنع ذلك. إن هذا المجتمع المصغر يعطي الفرصة للطالبات القادمات من المجال القروي، فهنّ يخجلن كثيرا، لتكوين شخصية مستقلة قادرة على المواجهة واتخاذ القرار بجرأة”.
وفي سياق حديثها عن غياب الماسترات بالكلية المتعددة التخصصات، تشير إلى أن ” الطالبات يعانين بشكل مضاعف، فالعديد منهن لا يسمح لهن والديهن بالذهاب إلى مدن جامعية أخرى لمتابعة الدراسة، وهناك من تحصل على وظيفة في مدينة أخرى، ولا يسمح لها بالذهاب. إن الطالبة تعاني الأمرين، فالمؤسسةُ الجامعية والمجتمع معا يعيقان مسارها الأكاديمي والمهني”.
وتشرح “إن النقص الكبير في الأساتذة المتخصصين، والمشاكل اليومية مع شركة النقل وأسعارها المرتفعة، وفي ظل غياب المنح والوضع الكارثي للسكن، إذ حين ولوجي إلى الجامعة استأجرت مكانا لأنامُ فيه داخل منزل يضم 14 طالبة، لقد كنا نعيش حرفيا في مخيم اللاجئين”.
“وفي المقابل، حين ندافع عن مطالبنا المشروعة، يتم ترهيب عائلاتنا، فمثلا المعتقل السياسي السابق محسن لمعلم توجهوا إلى عائلته مرات عديدة وأخبروا أهله أن خمس سنوات تنتظره في السجن”، كما تذكر.
وفي ما يخص ملف النقل الجامعي، تقول يسرى “يبعد الحي الجامعي عن الكلية بأزيد من ساعة ونصف على الأقدام، وفي ذلك اليوم المشؤوم الذي سبق اعتقالنا، لم تأت الحافلة في الصباح، إلى حين منتصف النهار، أتذكر أنه حدث استنفار بعدما لم يجد الطلاب وسيلة للتنقل”.
وتضيف “بسبب تأخر الحافلة كل هذا الوقت، نظمنا شكلا احتجاجيا تنديدا بالوضع، ليزداد الوضع تعقيدا بعد تكرر الأمر لأزيد من أسبوع، وحين بدأت الامتحانات حدثت مشاكل كنا في غنى عنها من قبيل الممارسات اللاأخلاقية التي يقوم بها المراقبون في الحافلة حيث يتعرضون للطلبة بالسب والشتم”.
وتكشف يسرى “في يوم الإثنين ذلك، تعرض الطلبة إلى جملة من الاستفزازات، يوم الثلاثاء، تأزمت الأمور بشكل كبير حيث نزل بعض الطلبة من الحافلة ومعهم التذاكر، فأكملوا الطريق مشيا على الأقدام إلى الكلية. أما نحن، فركبنا الحافلة حوالي الساعة العاشرة تقريبا، عائدين لتناول الغداء في الحي لكنهم أوقفوا الحافلة. إضافة إلى حافلتين إثنيتين ، رغم أن الحفلة كانت ممتلئة عن كاملها، وكل الركاب دفعوا ثمن التذاكر”.
“اضطررنا لإكمال الطريق سيرا على الأقدام. وفي المساء، واجهنا نفس المشكلة عند العودة للكلية، أكملنا المسير على الأقدام، وكأننا قضينا اليوم كله على الطرقات ذهابا وإيابا. والغريب في الأمر أنه تكرر الأمر في الليل. وفي اليوم الموالي سيتكرر الأمر نفسه، لقد كانوا يعدون لنا فخا حيث قدمت مختلف تلاوين الأجهزة القمعية لمتابعة الوضع خصوصا أن حي الجامعة يقع ضمن نطاق ريفي”، حسب قولها.
وتسترسل “يوم الأربعاء، حوالي الساعة الثانية عشرة، لم تكن هناك حافلات متاحة للطلبة للوصول إلى الجامعة، فقمنا بالإعلان عن حالة استنفار وتوجهنا جميعا إلى الحي الجامعي تم انطلقنا في مسيرة احتجاجية متجهين نحو مدينة تازة. فكانت قوى القمع في انتظارنا على مسافة منا، بمجرد اقترابنا منهم، هاجمونا مباشرة دون أي إنذار مسبق”.
واعتقلت يسرى ومعها رفاقها وبعض الطلبة، تحكي عن ذلك لـ”هنَّ”: “قاموا بعزلنا، كنت محاطة بالعديد من عناصر القوى القمعية واحد منهم أمسك رجلي، فوقعت على الأرض ووجهي انغمس في التراب بعد ذلك، قاموا بحملي من رجلي ويدي، كما لو كانوا يحملون أضحية في العيد، والضرب كان في كل أنحاء جسدي بشكل واضح ومؤلم”.
وتحكي “في السيارة، تعرضت للضرب بشكل عنيف، بالعصي وبأقدامهم، البعض يمسكني من شعري وآخر يحترف الصفع، لم أكن أشعر بما يحدث كل ما في الأمر كان الألم يغمر جسمي بالكامل. أتذكر أنهم أخذوني عبر طريق مختصرة، لم يأخذوني من الطريق الرئيسية لتازة، بل استخدموا طريقا جديدة أو فرعية”.
وتتابع حديثها قائلة: “كان فمي ممتلئا بالتراب وأردت مسحه، عندها ضربني مرة أخرى أحد عناصر قوى القمع على وجهي. كان عندي جرح بالقرب من أنفي وأسناني كانت تؤلمني، لكنه واصل ضربه ساخرا مني ومستهزءا على طول الطريق حتى وصلنا إلى المخفر، وهناك وجدت محسن ونجيم”.
“وجدت محسن مضروبا ومجروحا في يده، لقى ضربات عديدة، حتى فقد وعيه قليلا، فتم إخراجه لإجراء تصوير شعاعي على وجهه ورأسه، أثناء اعتقالي، رأيته يُضرب على رأسه، كنت أراه من الجهة المقابلة للطريق، ونجيب بقي مرتديا حذاء واحد فقط بعد أن سقط الآخر بسبب قوة الضرب، وكانت حالتهما سيئة من جراء التعذيب”، تسرد يسرى.
وتواصل: “في البداية سألوني عن إسمي وأجبت: يسرى الخلوقي، لكنهم لم يقتنعوا وقالوا لي: لا، هذا ليس اسمك، فقال أحد رؤسائهم: أنت تكذبين علينا، سنضيف لك تهمة انتحال الشخصية، وطلب مني بطاقة التعريف، فقلت له أني لا أحملها، سألوني عن الرقم، فقلت أني لا أتذكره، وأوضحت له لو أعطيتك الرقم وكان خاطئا ستقول إنني كذبت عليك”.
وتتابع يسرى أنهم قاموا بإجراء فحص العيون للتحقق منها، وقال الذي قام بذلك “الآن سأعرف من أنتِ حقًا”. مضيفة أن ذلكًمانًمرافقًا للترهيب النفسي والسب والشتم “بعد ذلك، نقلوني إلى جناح آخر، بينما وضعوا محسن في الجناح المقابل. لقد اعتقلوا طلبة آخرين أيضا، وجلبوهم واحدا تلو الآخر، بحيث كان هناك 12 طالبا قد تم اعتقالهم، إضافة إلينا نحن الثلاثة”.
“قال لي رئيس القسم سأربيكم جيدا، سأرسلكم إلى السجن خمس عشرة سنة، ولن تروا الضوء أبدا، خمس عشرة أو عشر سنوات في انتظاركم، حتى تتعلموا كيف تلعبون معنا وحتى تتعلموا كيف تتحدثون عن الحق”، تحكي يسرى.
وتقول يسرى ساخرة “بعد حصار شديد لكي لا أتواصل مع الطلبة المعتقلين لتهدئتهم، أخدوا ينقلونني من مكان إلى آخر، وانتهى بهم المطاف بأن أدخلوني إلى مكتب “قسم الضحايا – العنف ضد المرأة”، لم أتمالك نفسي وضحكت ساخرة من الأمر. وخلالها كانوا يحققون مع الطلبة، وكانت الأسئلة أعطني أسماء هؤلاء الرفاق؟ هل أنت من الرفاق؟ من ينظم الشكل؟ من قال لكم أن تخرجوا؟ من لم يقل لكم؟ لم تكن الأسئلة عن قطع الطريق أو ما فعلتموه، الغالبية كانت موجهة فقط لمعرفة الرفاق. كنت أسمع: هل تعرف محسن؟ هل تعرف يسرى؟”.
وتسترسل “خلال التحقيق كانت أغلب الأسئلة: كم سنة لديك في الجامعة؟ هل تنتمين إلى النهج الديمقراطي القاعدي؟ منذ متى انتميت إلى القاعديين؟، وعندما قلت لهم لماذا تسألونني هذه الأسئلة التي لا علاقة لها بالأحداث؟ هل هذا تهمة؟ من حقي أن أنتمي، هذا أمر لا علاقة له بسبب اعتقالي، هذا موضوع سياسي لا علاقة له. قال لي: نحن نسأل ما نريد. وقالها هكذا: نحن نكتب في المحضر ما نريد، نحن فقط نسألك. وفعلاً المحضر كتبوا فيه ما أرادوا، وأنا أصلاً لم أقرأه ولم أطلع عليه، وطبعا لم أوقع عليه”.
وتتذكر يسرى أيضًا: “بعد أن أخدونا إلى التحقيق مع وكيل الملك في ظروف سيئة للغاية، ارتأوا أن يأخذونا إلى المستشفى، وصلت سيارة الإسعاف لنتفاجئ بالعدد المهول لعناصر السلطات تحاصر المكان من كل الجهات، كان المشهد وكأن شيئا خطيرا قد حدث، كأنها خلية إرهابية، عندما صعدنا إلى سيارة الإسعاف كانت هناك سيارة شرطة أمامنا وأخرى خلفنا، والدراجات النارية التابعة لهم تلاحقنا، إضافة إلى سيارات مدنية تابعة لهم”.
“شعرت أن الأمر يبعث على الضحك، ضحكت وأنا أتخيل أننا طلبة نريد حافلة، وها نحن دخلنا من الباب، وكانوا يبعدون الناس كي يفسحوا لنا الطريق في الوسط ويتبعنا جيش من رجال الأمن بلباس مدني، كانت معي شرطيتان بلباس مدني، إضافة إلى الذين كانوا بزيهم الرسمي، وكان عددهم أكثر من عشرين شخصًا، وهؤلاء فقط الذين كانوا يرافقوننا في الداخل”.
وتقول معلقة “الطبيب قال لي: أنت بخير لم يصبك أي مكروه… وبدا كلامه طبيعي وهو نفسه كان تحت حراستهم. بالرغم من أن رجلي والجهة القريبة من الكلية كانت تؤلمني كثيرا، والجهة اليمنى قد ازرقت فعلا من شدة الضرب، وعلى وجهي كانت خدوش واضحة”.
ودخلت يسرى في إضرابها الثاني عن الطعام والذي دام اثني عشر يوما، مدافعة عن هويتها السياسية ومطالبة بالتطبيب، ومتابعة الدراسة، والولوج إلى المكتبة.
تحكي عن ذلك بتأثر: “مباشرة بعد أن قدمت لإدارة السجن إشعارا بخصوص الإضراب عن الطعام، تواصلوا معي وأخبروني أنهم مستعدون لتحقيق مطالبي، ناشدوني بفك الإضراب عن الطعام. لكنني أصريت على موقفي وهو أني سأستمر في الإضراب عن الطعام حتى تحقيق المطالب على أرض الواقع”.
وتردف قائلة “في الأيام الثلاثة الأولى من الإضراب كان لدي إحساس قوي بالجوع ليتبعه الألم في الأيام التالية. في سجن النساء لا توجد زنزانة إنفرادية فكان مصيري قضاء هذه الأيام في ‘الكاشو’ (زنزانة عقابية)، كانت درجة الحرارة جد منخفضة في شهر دجنبر، وكنت أنام على الأرض مباشرة وهم يقدمون لي الطعام، كان الألم في الكلي والرأس يرافقني، واختنقت لأكثر من مرة نظرا لنقص الأوكسجين، ورغم ذلك اكتفيت بالماء والسكر فقط”.
وتروي: “حين وصل الإضراب يومه العاشر، ناداني الوكيل العام، وسألني عن أسباب الإضراب، شرحت له الأمر ورد علي قائلا: ‘هل تفاهموا معك من أجل التأثير على القضاء؟’ كان قد جلب معه الفستق وعصير الفواكه، وقال لي: ‘خدي مني هذا والعني الشيطان’… أجبته بالحرف، حتى ولو لم أكن مضربة عن الطعام لن آخذه منك”.
قضت يسرى الخلوقي ثمانية أشهر سجنا نافذا، بعدما خففت محكمة الاستئناف الحكم الصادر ابتدائيا بسنة سجنا نافذا إلى ثمانية أشهر، قبل أن يطلق سراحها، الذي تعلق عليه قائلةً: “لقد كانت جحافل قوى القمع تطوق محيط المحكمة وجنبات الكلية خلال فترات المحاكمات الصورية. إننا الآن نعلم السبب الحقيقي وراء إطلاق سراحي قبل المدة الكاملة لمحكوميتي، وهو خوفهم ورعبهم من الجماهير التي كانت ستحج من كل مكان وتحتشد يوم الإثنين أمام باب السجن، هذا ما لا يرديه النظام القائم وأزلامه”.
وتضيف “لا يريدون أن يكون لإستقبال المعتقل السياسي صدى، ولا أن يتعاطف معه أحد خصوصا بعد الصدى الكبير وطنيا ودوليا الذي عرفته قضية إعتقالنا، معركتنا النضالية، ومشروعية معركتنا. بل يريدون أن يصنعوا من المعتقل السياسي مجرما، إنها حرب نفسية ومحاولة يائسة لتركيعه ولكي لا يتجرأ الآخرون على قول لا. إن طاحونة الصراع الطبقي ستفرز مناضلين ومناضلات جدد يحملون المشعل. وأقول كما قالت أمنا في النضال الشهيدة سعيدة المنبهي: ‘السجن لي مرتبة والقيد خلخال… والمشنقة يا رفاقي رفيقاتي أرجوحة الأبطال'”.
في شهادتها لهذه المنصة، تكشف يسرى الخلوقي عن تجربة اعتقال تداخل فيها العنف الجسدي والضغط النفسي مع محاولات كسر إرادة الاحتجاج الطلابي. وبين تفاصيل الاعتقال والتحقيق والسجن، تبرز قصة طالبة تحوّل مسارها الجامعي إلى مواجهة مفتوحة مع السلطة دفاعًا عن مطالب اجتماعية اعتبرتها مشروعة.
ورغم الأشهر التي قضتها خلف القضبان، تؤكد يسرى أن التجربة لم تُنه قناعاتها بقدر ما عمّقت إيمانها بجدوى النضال الطلابي، معتبرة أن معركتها، ليست قضية فردية بقدر ما هي جزء من صراع أوسع من أجل الكرامة والحقوق داخل الجامعة والمجتمع في المغرب.



















