أوروبا تأكل بأفواه دولنا ثوم الهجرة! 

 كان من المفترض، بل من الضروري، أن تقوم الدنيا ولا تقعد في بلداننا المغاربية: موريتانيا، المغرب وتونس، وحتى في ليبيا الممزقة؛ بعد ما كشفه تحقيق مشترك بين ائتلاف “لايت هاوس ريبورت”، ووسائل إعلام دولية مختلفة، لكن صمت القبور طغى على كل صرخات المهاجرين والمهاجرات؛ ضحايا السياسات أوروبية، التي أصبحت تصدر لنا من تحت الطاولات، عبر اتفاقيات تعاون مشترك، أو ما تسميه المعاجم الرسمية بـ”مكافحة الهجرة”.

في هذه الدول، دولنا للأسف، التي تتشدق حكوماتها بـ”السيادة الوطنية”، سُخّرت لها أموال ووسائل أوروبية، كما كشف التحقيق المذكور، من أجل القيام بما لا تقدر دول أوروبا على فعله في حق اللاجئين والمهاجرين فوق أراضيها، فحتى في أعنف وأبشع أفعالها، لا تجرؤ هذه الدول التي تدعي الحقوق والحريات على احتجاز الناس فوق أراضيها على أساس لون بشرتهم، أو أن تضعهم قسرًا على متن حافلات النفي؛ ليتم نقلهم نحو البيدِ والأماكن المجهولة.

لا تستطيع أوروبا جعل أراضيها “مكباتٍ بشرية”، ولكنها تستأجر دولنا المنهوبة؛ لتمارس بأيديهم عنجهيتها، وترمي سمها على الأفارقة “السود” بأفواههم، بكل عنصريتها المقيتة وقبحها الدامي، متناسية هي ودولنا معها؛ أن “أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها، كائنًا من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، وهي التي تبرر له أخطاءه وجرائمه”، كما أبدع غسان كنفاني في القول.

هذا التحقيق المستنير، الذي شارك فيه زملاء مغاربة، يظهر أن أفراد الشرطة والجيش، من المغرب وتونس وموريتانيا، ينفذون مداهمات هدفها عنصري، يستهدف الأشخاص السود؛ الذين يفترض أنهم مهاجرون أو طالبو لجوء… وهنا أرفع القبعة للزملاء المغاربة الذين خاضوا مغامرة هذا التحقيق، فأنا أعرف كيف هو العمل في هذا الحقل الممتلئ بالألغام. 

وبمجرد إلقاء القبض على هؤلاء المهاجرين، يصادر كل ما لديهم، من شيء؛ هواتف محمولة، أوراق هوية وأموال، ويتم بعد ذلك احتجاز هؤلاء الأشخاص في أماكن يخجل المرء من وصفها، في بلدان تناغي التقدم وتدعي الديموقراطية، ففي هذه الأماكن الظروف غير إنسانية، والأنكى من ذلك، أنه يتم التخلي عنهم في المناطق النائية أو المدن البعيدة عن الحدود، أو تحت قيظ الصحراء القاسية؛ كأنهم قطعان ماشية أصابها وباء، وكأن البشر لم تعد فيه بقية من آدمية تجاه البشر.

ولكي نكون أكثر دقة، فقد تمكن معدو هذا التحقيق، الذين اشتغلوا ميدانيًا، من التحقق على أرض الواقع من أنه في سجون موريتانيا على وجه التحديد، لا يحصل المهاجرون المحتجزون على طعام أو شراب، وأنه يتعين عليهم التبول في قنينات، وأن النساء الحوامل والأطفال محتجزون أيضًا. فهل هذه أخلاق دولة إسلامية، أم هي سادية الأنظمة العسكرية حين تعطى لها الفرصة لممارسة السلطة؛ بالدعم المادي من جهة، وبالصمت المؤيد لها، من جهة أخرى؟.

في موريتانيا، بلد الرقة والشعر والجمال؛ تم نفي هؤلاء المهاجرين إلى المناطق النائية، خاصة إلى الحدود مع مالي؛ مناطق فيها الموت مجانيٌّ ومقدسٌ، حيث تنشط فيها جماعات إرهابية مسلحة، نفي تم بأموال ومركبات أوروبية، وتم باستخدام التكنولوجيا والتدريب المقدم من الاتحاد الأوروبي.

لقد وثّق التحقيق، شهادات تؤكد دخول الشرطة الإسبانية إلى مراكز احتجاز المهاجرين، بل وتسلمت لوائح من السلطات الموريتانية بأسماء الأشخاص الذين تم نفيهم على الحدود مع مالي. ويظهر التحقيق أن العديد من السيارات المستخدمة في موريتانيا والمغرب، للاعتقال ورمي المهاجرين في الصحراء، تتطابق في كثير من الحالات – من حيث النوع والعلامة التجارية وسنة الإنتاج – مع تلك التي سلمتها إسبانيا لهذين البلدين في إطار التعاون المشترك.

المعطى الذي جاء به التحقيق، والذي يكشف تواتر وتكرر العمل بين الدول الأوروبية والمغاربية؛ إلى الحد الذي يبدو فيه ما جرى أنه جريمة دولية، مؤسسية، وعابرة للحدود؛ حيث أن إيطاليا وتونس طبقتا ذات الأسلوب بمعدات وإمكانياتٍ أوروبية، وكذلك مع دولة النمسا، التي توفر الكلاب التي تستخدمها السلطات المغربية لمطاردة المهاجرين. وكل هذا بعلم وتواطؤ الاتحاد الأوروبي، والحكومة الإسبانية، ووكالة “فرونتكس”، التي أصبحت جيشًا غير رسمي مكونا من “المرتزقة والقراصنة”؛ إن صح الوصف؛ تابعا للاتحاد الأوروبي.

يفتح هذا التحقيق جميع العيون ملء أبعادها، ويؤكد بالمعلومات التي قدمها إلى أين وصل تصدير الحدود الأوروبية في بلداننا، وهي ممارسة بدأت في أواخر التسعينيات، ولكنها اليوم وصلت منتهاها، بحيث أصبحنا الفم الأوروبي الذي يؤكل به الثوم وتمضغ به الحقوق. إن أياً من الإجراءات اللاإنسانية والدنيئة التي قام بها الاتحاد الأوروبي في بلداننا، لن تساعده على إدارة الهجرة أو الحد منها، بقدر ما يظهرنا، نحن المغاربيون، الحالمون بالعدالة والديمقراطية والمساواة مجرد خدمٍ لأوروبا، وحرسٌ لحدودها حتى وإن كان الثمن إزهاق أرواح إخواننا من بقية دول إفريقيا.

لم يتطرق التحقيق للجزائر، ليس لأنها جنة الله في أرضه بالنسبة للعابرين أراضيها، من مهاجرين أو طالبي اللجوء، بل ربما لأن تلك الثكنة العسكرية لها مناخ صعبٌ للعمل في قضايا الهجرة، ويستحضرني هنا، ما رواه لي مهاجرون ملء معاناتهم، في مواقف متعددة أثناء اشتغالي على قضايا الهجرة واللجوء، إذ يعتبرون أن الجزائر بالنسبة لهم؛ هي الجحيم الذي لا مناص منه؛ أولا لأنها توجد في طريقهم الصعب، وثانيًا لأن العنصرية مرتفعة هناك، بالإضافة إلى تعامل سلطاتها العنيف المتسم بالإضطهاد، حيث يرمونهم في حدود النيجر، وهي صحراء لا مَعلمٌ بها يُذكر، ولا حيٌّ فيها يؤنِس؛ “لا دٌارةٌ فيها ولا دَيّارَا”؛ وهو الأمر الذي وثقته أيضًا عدة منظمات حقوقية وازنة، وقد أشعل أزمة بين البلدين مؤخرًا.

في المحصلة، تبقى كل هذه الممارسات لا إنسانية، ولا تنتج إلا الموت والألم وانعدام العدالة، وقد أثبتت حركة التاريخ؛ أنه بغض النظر عن حجم الإنفاق على عسكرة الحدود؛ فإن الهجرة ظاهرة لا يمكن الحد منها ولا إيقافها لأنها ببساطة طبيعة بشرية.

اقرأ أيضا

  • على خطى اللاجئات.. خرائط المنفيات التونسيات في فرنسا عبر الأجيال

    منذ مطلع القرن العشرين، شكّلت فرنسا فضاءً موازياً للسياسة التونسية، وامتداداً آخر لصراعاتها، ولحظات انفتاحها، وانكساراتها أيضًا. فقد اتّخذ المنفى الباريسي، في مختلف محطّات التاريخ الوطني، هيئةَ مجال يُعاد فيه رسم ملامح المعارضة التونسية كلّما ضاقت بها أروقة الداخل. فمن طلبة الحركة الوطنية الذين وجدوا في باريس منبراً لمقارعة الاستعمار، إلى المناضلين.ات اليساريين.ات والقوميين.ات والإسلاميين.ات…

    يسرى بلالي|

  • من الظل إلى الضوء.. التسوية الاستثنائية تمنح المهاجرات فرصة جديدة في إسبانيا

    الإثنين الماضي، بدأت خدمة الحضور الشخصي لتقديم طلبات التسوية الاستثنائية لأوضاع المهاجرين في مدينة مالقة، فالأشخاص الذين تمكنوا من استكمال جميع الوثائق وحجزوا موعدًا مسبقًا لتقديمها، أصبح بإمكانهم، ابتداءً من ذلك اليوم، 20 أبريل الجاري، تقديم طلباتهم في ما مجموعه 26 مكتبًا تابعًا للبريد (Correos) تم تجهيزها لهذا الغرض في مختلف أنحاء المقاطعة الأندلسية، إضافة…

    Hounna | هنّ|

  • مغربية تُرحَّل في خضم علاجها من السرطان.. فضيحة تهز نظام التعاقد الموسمي في إسباني

    في صباح اليوم الرابع من شهر يونيو الجاري، كانت زينب، عاملة زراعية مغربية، تودّع حقول الفراولة الإسبانية في مدينة هويلفا ليس لأنها أنهت موسم العمل، بل لأن أحدهم قرر أن رحلتها يجب أن تنتهي هنا. لم تغادر بإرادتها، ولا أنهت عقدها بسلام. زينب، التي شُخّصت حديثًا بسرطان عنق الرحم في مرحلته الرابعة، أُجبرت على ركوب…

    Hounna | هنّ|

  • جزائرية تضع مولودها في مدينة سبتة بعد قطعها 5 ساعات سباحةً من المغرب

    وضعت شابة جزائرية تبلغ من العمر 26 عاما، مولودها في المستشفى الجامعي بمدينة سبتة، بعد وصولها إليها قبل أيام، عقب عبورها من المغرب سباحةً لمدة خمس ساعات.وبحسب مصادر تحدثت لـ"هنَّ"، من الخدمات الصحية والاجتماعية، "وصلت الشابة فاطمة إلى ساحل سبتة قبل أيام بعد قفزها في الماء من شاطئ مغربي قريب، رغم أنها حامل في شهرها…

    Hounna | هنّ|