“تغيرت حياتي حين اقترح علي زوجي مصاحبته وأبنائي، للالتحاق بالدولة الإسلامية، لنحيا حياة إسلامية حقيقية… رفضت في البداية، وتوسلت إليه بأن يتركني وأبنائي، وليذهب ليجرب حظه هناك تم يعود إلينا، في البداية لم يكن لديه أي مانع لتركنا في المغرب، لكن أحد أصدقائه الذين كانوا يغرونه بالحياة الجميلة هناك، أقنعه أن يأخذني وولدينا معه.. وبعد إلحاح مني للبقاء، خيرني بين العيش مع أبنائي، أو تركي وحيدة في المغرب بعد أن يطلقني”، بهذه الكلمات تفتح أمل جعبتها لمنصة “هنَّ”، لتسرد بمرارة بداية الرحلة التي قلبت حياتها وغيرها من نساء الجهاديين رأسًا على عقبٍ.
تتواجد أمل داخل مخيم الهول بشمال سوريا، وحكايتها هي جزء من سردية المعاناة، لحوالي 140 امرأةً مغربية، مازلن عالقات في بؤر التوتر بين سوريا والعراق وفق الأرقام الرسمية المغربية، لكل واحدة منهن قصة أزواجهم الذين أضاعوا حيوات أسرهم من أجل “حلم الشهادة” والموت المقدس، الذي قادهم إلى الارتماء في حواضن تنظيم “داعش” الأرهابي.
معاناة حقيقية تعيشها مئات النساء والأطفال، ضحايا أفكار ظلامية هدامة، أحرقت الأخضر واليابس، بعضهن ذهبن عن طيب خاطر، وأخريات شاءت الأقدار أن ترتبطن بـ”دواعش” متطرفين، غادروا بلدهم بحثًا عن “دولة الخلافة” وسط الدم المهدور، فكان القتل مصيرهم، تاركين وراءهم كومة لحم، ونساء يضربن أخماسًا في أسداسٍ بحثا عن الخلاص.
في حديثها لـ”هنَّ” تقول أمل أنها و”بعد تفكير طويل في مصيري لوحدي، خصوصا وأنه سيأخذ فلذات كبدي مني إلى عوالم لا معرفة لي بها، وافقت”، مضيفةً أن الزوج “باع سيارته وكل ما نملك في المغرب، وسافرنا جوا إلى تركيا، بعدها ذهبنا إلى سوريا، وعشنا لفترة في اللاذقية، حيث استقبلنا حينها الجيش الحر”.
غادرت أمل، المغرب وهي في عمر لا يتجاوز الـ23 سنة، حاملة أبناءها الثلاثة الذين أنجتهم وهي في ربيعها الـ17، من زوجها الذي كان عمره آنذاك 24 سنة.
في رحلتها معه، انتقلت أمل وأبناؤها من مدينة إلى أخرى في سوريا طيلة السنتين اللتين كان زوجها فيهما على قيد الحياة، فمن اللاذقية عادت إلى تركيا لإعداد الوثائق من أجل الإقامة بها، وهو قرار تراجع عنه، وأعادها بمساعدة أصدقائه إلى ريف حلب بسوريا، ومزق كل الوثائق لكي لا تفكر في الهرب إلى المغرب صحبة الأبناء.
وتوضح أمل أنها حين وصلت، عاشت كابوسا حقيقيا، إذ “أُصبت بصدمة كبيرة، ليس هناك أي دولة إسلامية، بل لا علاقة لذلك الواقع بالإسلام، هناك كل شيء مباح، القتل، الذبح ظلما والتفجير…، ولا شيء يمثل الإسلام في هذه السلوكيات”.
“أقسم أني لم أكن أحمل مطلقا أي أفكار متطرفة، لم أكن أفكر في السفر رفقة زوجي، حاولت إقناعه أن يذهب حيثما شاء، ويتركني مع أبنائي وسط أسرتي، لكن توسلاتي لم تستطع تغيير ما تم إقناعه به من طرف أصدقائه الذين أوهموه بأنه سيعيش وأبناؤه حياة مثالية، فما كان مني بعد أن هددني بأخذ أبنائي معه، وتركي وحيدة إلا القبول… كان علي الاختيار بين أبنائي وبين البقاء وحيدة مطلقة في المغرب”، تضيف أمل بصوت تملؤه الحسرة.
“كانوا يقولون لنا أن هذه هجرة في سبيل الله، فأرد عليهم أنا هنا من أجل أبنائي فقط، وهذه قناعتي الأكيدة فلا شيء يمثلني هنا”، توضح أمل، التي لم تكن على علم بحقيقة تنظيم “داعش” إلا حين وطأت قدماها تلك المنطقة، ومما زاد الطين بلة بعض “الفيديوهات” التي كان زوجها يعرضها عليها معتبرا أن ذلك التقتيل “جهاد في سبيل الله”، فحاولت الهروب، ولكن زوجها فطن للأمر، فمزق جميع الوثائق الثبوتية الخاصة بها وبأبنائها.
ما اكتشفت أمل، هي فضائع كثيرة لم تعد سرا، فقد اكتشف العالم ما كان ولازال يحدث هناك، والذي راه ضحية دعايته الكثيرون، “سمعت أنه تم قتل عدد من المغاربة الذين أعلنوا أن ما يحدث في ما يسمى الدولة الإسلامية، لم يأتي به الدين الإسلامي، كما سمعت بقتل مواطن سوري قالوا إنه جاسوس، صلبوه في محور الطريق، ثم بعدها تم قتله… ورأيت يوما جثة فتاتين صغيرتين مقتولتين، تم وضعهما في دورة للمياه بعد تقطيعهما، قيل إنهما كانتا جاسوستين”.
بعد قتل زوجها في إحدى الغارات الجوية، حاولت أمل، الهروب، ومن أجل ذلك بحثت عن “سمسار” ليعبد لها الطريق إلى تركيا، لكن تم القبض عليها وسجنها، وبعدها تم احتجازها بمخيم الهول الذي يخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي، والذي صار الملاذ الأخير لنساء وأطفال جهاديي تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وتعيش أمل الآن مع أبنائها الأربعة، بعد أن أخذ الإبن الأكبر منها وهو في عمر 13 سنة، -يؤخذ الأطفال الذكور من المخيم بعد تجاوزهم سن 13-، إلى مركز من أجل إعادة إدماجهم، ويفتح لهم المجال للتواصل مع أمهاتهم لدقائق بعد أشهر من الاختفاء، دون تمكينهم من زيارة بعضهم البعض.
“الوضع هنا في المخيم جد صعب، لا نستطيع النوم بشكل كامل، نحن دائما في حذر، أخاف على نفسي وأبنائي، خصوصا ابنتي الوحيدة، أكاد لا أفارقها خوفا عليها، لا شيء يشي بالاستقرار هنا، على الرغم من وجود تطبيب ومؤسسات تعليمية للأبناء، هنا طبيب واحد، يمنح أربعة أنواع من الأدوية لكل المرضى، على تنوع مرضهم” تقول أمل.
وتضيف أن الهرب صار أمرا صعبا، “خصوصا على الأرامل، في حين لو اختارت المرأة الزواج سيتمكن زوجها من إخراجها من المخيم بمنح المال للسماسرة، الذين يطلبون ما بين 20 أو 30 ألف دولار أو يزيد، ويتم ذلك عن طريق الاستخبارات”.
تتوسل أمل، وتناشد من أجل “العودة إلى الوطن الأم”، إذ تعتبر نفسها ضحية لزوجها، وضحية لأنها اختارت “البقاء إلى جانب أبنائها، والرحيل إلى جهنم الحياة”.
وتختم حديثها مع “نَّ” قائلة، “هدفي الوحيد في الحياة، هو أن أعود صحبة أولادي إلى بلدي المغرب، حيث الأهل والأحباب، حيث الاستقرار والأمان الحقيقي”.















