في الحضارات القديمة، كانت الأشجار تمثّل رمز اتّصال بين الأرض والسماء، ومن خلالها تشكّلت في التمثّلات الاجتماعية ككائناتٍ رمزية مشحونة بالمعاني، ارتبطت بالحياة والخصوبة والذاكرة والعبور بين العوالم المرئية واللامرئية.
وفي المخيال الشعبي الإنساني، مثّلت الشجرة محورًا كونيًا يجمع السماء بالأرض، وجذرًا يربط الإنسان بالماضي والأسلاف، وسقفًا يمنحه الحماية وتحقيق الرجاء. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحوّل الأشجار، في ثقافات عديدة، إلى فضاءات للطقوس والدعاء والتبرّك، حيث تُعلّق الأقمشة وتُهمس الأمنيات وتُترك القرابين الرمزية.
ثلاثية النساء والأشجار والماء: طقوس الرجاء والحماية
ارتبطت الأشجار في الحضارة السومرية، بفكرة الخصب والخلود، وظهرت شجرة الحياة كرمزٍ مركزي في الأساطير والتمثّلات الدينية، تُجسّد تجدّد الطبيعة واستمرارية الوجود. كما ارتبطت ملكة السماء “الآلهة إنانا” وهي أهمّ إلهة في بلاد الرافدين بدورات الحياة والنماء، في سياقٍ تتقاطع فيه الأنوثة بالطبيعة والخصوبة.
أمّا في الحضارة الإغريقية، فقد ارتبطت بعض الأشجار بآلهة محدّدة؛ فشجرة الزيتون كانت رمزًا للإلهة أثينا، وشجرة البلوط ارتبطت بزيوس، وكانت الغابات تُعدّ فضاءات مقدّسة تسكنها الحوريات والأرواح الطبيعية. وفي الحضارة الرومانية، ورثت الطقوس الزراعية والطبيعية كثيرًا من رموزها الإغريقية، حيث اعتُبرت الأشجار مسكنًا للقوى الحامية، ومكانًا للتطهّر أو طلب البركة، خاصّة في الأعياد المرتبطة بالمواسم الزراعية.
هذا الحضور الرمزي العميق للأشجار لم يختفِ مع ظهور الأديان التوحيدية، بل استمرّ في شكل ممارساتٍ شعبية متوارثة، أعادت تأويل الطبيعة بوصفها وسيطًا بين الإنسان ورجاءاته العديدة والعميقة.
وفي شمال إفريقيا، كما في مناطق عديدة من العالم، حافظت المجتمعات المحلية على طقوسٍ ترتبط بالأشجار والينابيع والجبال، حيث تتداخل عناصر المعتقد الديني مع الموروث الثقافي القديم وحيث أعاد الإنسان إنتاج طقوس معتقداته القديمة داخل المعتقدات التوحيدية الجديدة.
من هنا، مثّلت الأشجار فضاءاتٍ للبوح الجماعي، تُختزن فيها قصص النساء والرجال، وتتحوّل إلى شاهدٍ صامت على آمالٍ مؤجّلة ومخاوف يومية.
وجدير بالذكر، أنّ طقوس النساء في المجتمعات المغاربية قد ارتبطت، منذ زمنٍ بعيد، بعناصر الطبيعة بوصفها فضاءاتٍ للبوح والرجاء والالتماس الرمزي للحماية والخصوبة. فقد شكّلت المياه، على وجه الخصوص، عنصرًا مركزيًا في الممارسات النسائية الشعبية؛ حيث تُزار العيون والينابيع طلبًا للشفاء أو الإنجاب أو فكّ العُسر، في طقوسٍ تجمع بين التطهّر الجسدي والاطمئنان النفسي.
ويشير الباحث بول باسكون في كتابه “الطقوس والمعتقدات في المغرب” إلى أنّ هذه الممارسات “لا يمكن اختزالها في بعدها الاعتقادي فحسب، بل تُفهم أيضًا كمساحات اجتماعية تُعيد من خلالها النساء صياغة علاقتهنّ بالجسد والطبيعة والجماعة. فالماء، في المخيال الشعبي، ليس مجرّد موردٍ حيوي، بل وسيطٌ رمزي بين الرغبة الإنسانية والقوى الخفية، تمامًا كما تتحوّل الأشجار والأماكن الطبيعية الأخرى إلى نقاط التقاءٍ نسائية تُحفظ فيها الأسرار وتُروى فيها الحكايات وتُنسج حولها طقوس الأمل”.
ومن خلال هذا المنطلق الرمزي، يمكن قراءة شجرة “أمّ الشلاليق” بالعڨبة الواقعة بمنطقة ملاق من ولاية الكاف (الشمال الغربي التونسي)، ليس فقط باعتبارها معلمًا محليًا أو طقسًا شعبيًا، بل كامتدادٍ لذاكرة إنسانية أوسع ترى في الطبيعة مرآةً للذات ومصدرًا للمعنى. فهي شجرةٌ تحمل أمنيات وذكريات وذاكرات وآثار الأيادي التي مرّت بها، الأقمشة التي رُبطت على أغصانها، والقصص التي نسجها الناس حولها. وبذلك تصبح فضاءً تتقاطع فيه المعتقدات، والتجارب الشخصية، والتاريخ الثقافي للمنطقة.
الذاكرة والنقد
تنتمي نُوّة الزيتوني، وهي سيّدة ثمانينية، إلى جيل عايش الحضور اليومي لشجرة “أمّ الشلاليق” منذ عقود طويلة. فقد ولدت في منطقة النعيمة، التي مازالت محلّ إقامتها إلى اليوم، حاملة في ذاكرتها صورة الشجرة التي كان الناس يعرفونها باسم “شجرة تحقيق الأمنيات” أو “الشجرة المباركة”.
في شهادتها لـ”هنّ” تُفسّر نوّة كيف يرتبط التراث المحلي بالذاكرة العمرية الطويلة، إذ تشهد الأجيال الكبرى على الممارسات الرمزية حتى دون المشاركة فيها مباشرة.
تقول: “رغم معرفتي بالشجرة منذ سنين طويلة، لم أزرها يومًا لأداء طقس أو طلب، كنت أمرّ بجانبها فقط وأنا ذاهبة إلى جامع سيدي عمر”.
وتصف إحساسها تجاه ما كان يُمارس حول الشجرة بكلمة واحدة: “بدعة” (أي ابتدعه الإنسان). ورغم هذا الموقف النقدي، بقيت شاهدة على مشاهد تركت أثرًا في ذاكرتها، إذ رأت نساءً يبكين ويتضرّعن، ويقمن بربط الشلاليق (الأقمشة) على أغصان الشجرة ويدعون الله بحرقة.
هنا يظهر التناقض بين الموقف الشخصي النقدي للممارسة وبين شهودها على القوة الرمزية والاجتماعية للطقس لدى الآخرين.
تستحضر نُوّة مشاهد النساء اللاتي يأتين للشجرة لأسباب محدّدة: تزويج بناتهن، طلب الإنجاب، أو الوفاء بالنذور. وتقول: “كنت أرى كل ذلك بوضوح، وأدركت حينها سرّ الشجرة: هي في أصلها شجرة زيتون، وكل القداسة المحيطة بها لم تكُن سوى نتاج اعتقاد بشري”.
يعكس هذا الإدراك البعد التحليلي الذي يمكن للذاكرة النقدية أن تضيفه للتراث الشعبي، موازنًا بين الرمز والواقع المادي. مشيرة إلى أنّ القصص المتداولة حول الشجرة متطابقة تقريبًا، تقوم على فكرة تحقيق الأمنيات عبر عقد النيّة وربط قطعة قماش على أغصانها. وتضيف: “النساء أنفسهن كنّ يروين القصص ويمارسن الطقس في طقس جماعي صامت، أحيانًا مع البكاء والدعاء”.
ويوضّح هذا الطقس الجماعي الذي أشارت له نوّة الدور الاجتماعي للرموز الشعبية، حيث تصبح المشاركة الجماعية وسيلة لتعزيز الانتماء والاحتفاظ بالعادات.
تؤكد نُوّة على أنّ هذا الطقس كان في السابق حكرًا على النساء، ولم تشاهد رجالًا يمارسونه. كما أنّه لم يكن مرتبطًا بوقت محدّد، بل كان يمارس في مختلف الأوقات. ومن وجهة نظرها، كان الناس ينسِبون للشجرة قدرات على الشفاء والحماية ومنح الراحة النفسية، واعتبروها “مباركة عند الله”.
لا تعكس هذه الممارسة الترابط بين الطبيعة والرمز النفسي، ولا كيفية تحويل الإنسان الفعل الرمزي إلى وسيلة للتخفيف من القلق أو التعب النفسي، بقدر ما تعكس تشريك الإنسان لإله الإسلام -الذي استغرق عقودا للوصول إلى المغرب الكبير- في هذا الطقس الوثني بالأساس والذي يعود إلى الحضارات القديمة كجزء من إلتماس “المغفرة غير المباشرة” في طبيعة محافظة بالأساس.
غير أنّ موقف نُوّة، كان نقديّا وحاسما، إذ تصنف ممارسة هذا الطقس ضمن الشعوذة وتعتبره شكلًا من أشكال الشرك بالله: “نظرتي لم تتغير، الاعتقاد بوسيط بين الإنسان وربّه خطأ ديني مهما تغيرت أشكاله أو رموزه”.
كما توضّح بأنّ الجيل الجديد لا يعرف الشجرة بالضرورة، ولا يعتبرها جزءًا من تراث مدينة الكاف، بل يصفها ببساطة: “هي شجرة زيتون فقط”. كما أنّ فكرة التوثيق أو الحفظ لا تثير لديها أيّة حماسة، فهي ترى أنّ نسيان الشجرة لا يعني خسارة شيء.
يختزل هذا الموقف الشجرة في سياق رؤية دينية وعقلانية، حيث تُفصل الممارسة الرمزية عن قيمة التراث المحلي بالنسبة لبعض النساء.
الشجرة في الحكايات الجماعية
تجلس رشيدة بالسعود، ذات الخمسة والسبعين عامًا، في بيتها بمدينة الكاف، وتستحضر من ذاكرتها الشعبية صورة شجرةٍ لم تزرها يومًا بقصد الطقس، لكنّها ظلّت حاضرة في حياتها عبر الحكايات والأحاديث المتداولة. لم تكن علاقتها بأمّ الشلاليڨ علاقة تجربة شخصية، بل معرفة سماعية تشكّلت منذ الطفولة، حين كانت تسمع اسمها يتردّد بين الناس كأحد رموز المدينة غير المعلنة.
ومن خلال شهادتها لـ”هنّ” تتجلّى الذاكرة الشفوية بوصفها وسيطًا أساسيًا لنقل المعتقدات الشعبية، حيث تُبنى المعرفة الجماعية أحيانًا دون تجربة مباشرة.
وتقول رشيدة: “أنا لم أزر الشجرة يوما بنيّة الطقس، لكنّني أعرفها منذ صغري، أسمع عن قصصها”. وتضيف أنّ الشجرة ظلّت تُعرف باسمها نفسه عبر الزمن: “اسمها أمّ الشلاليڨ، هكذا نعرفها، وليس الشواليق كما يقول بعض الناس”. وتستحضر أيضًا أسماءً أخرى سمعتها عرضًا، مثل “للا الشجرة”، في إشارةٍ إلى طابعها الأنثوي الرمزي والمبارك في المخيال المحلي.
تُظهر هذه التسمية الأنثوية كيف تُحمَّل الطبيعة صفات بشرية، خصوصًا صفات الرعاية والحماية المرتبطة بالأنوثة في الثقافة الشعبية.
ورغم غياب التجربة الشخصية، تحمل رشيدة أرشيفًا غنيًا من القصص المتناقلة عن نساء “مباركات” كنّ يقصدن الشجرة طلبًا لتحقيق الأمنيات. “لم تكُن الحكايات تُنقل من شخص واحد، بل كانت تنتشر بين الناس، فهذه تتحقّق أمنيتها، وتروي ذلك إلى جاراتها، ومن ثمّ تُصبح الحكاية معروفة”. بهذا المعنى تتحوّل التجربة الفردية إلى سردية جماعية، فيُصبح الإيمان نتاجًا للتكرار الاجتماعي أكثر من كونه تجربة ذاتية.
تستعيد رشيدة الحكايات الأكثر تداولًا والتي تكون دائما بطلاتها نساء مباركات يكون الدعاء عندهن مستجاب. أو روايات متشابهة تكاد تكون نسخة واحدة تتكرّر حول طقسٍ بسيط، وهو، التوجّه إلى الشجرة وربط قطعة قماش أو “شوليقة” على أغصانها في شكل عقدة، علامةً على النيّة والطلب. توضّح رشيدة ممارسة الطقس “تذهب النساء إلى الشجرة وتربط حولها شلاليق، وكل عقدة تعقدها فيها أمنية”.
ويُترجم الربط المادي للعقدة الرغبة المجردة إلى فعل ملموس، وهو نمط طقسي نجده في ثقافات عديدة حيث تتحوّل الإيماءة الجسدية إلى وسيلة للتعبير عن الأمل.
تستحضر رشيدة نماذج من الكلام البسيط الذي كان يُقال عند الشجرة، أقرب إلى الرجاء منه إلى الطقوس الدينية المعقّدة: “يا أمّ الشلاليڨ، راني جيتك طارحة في النيّة، عندي ثلاثة بنيّات، أعطيني وليّد، وكان نجيب وليد نرجع نحلّ العقدة ونجيبلك الزيارة” (يا أم الشلاليق، جئتك عاقدة النيّة، لي ثلاث فتيات، ارزقيني بصبي وإن تحقّق الطلب أعود محمّلة بما لذّ وطاب).
أو قول الرجل: “يا أمّ الشلاليڨ، أعطيني بنيّة الحلال” (يا أمّ الشلاليق جئتك طالبا وجود فتاة للزواج). وتوضّح أنّ الزيارة لم تكن مرتبطة بوقت محدّد، بل كانت مفتوحة في أي لحظة يشعر فيها الإنسان بالحاجة. هذا الطابع البسيط والعفوي للطقس يعكس طبيعة الاعتقاد الشعبي، حيث تختلط الدعوات اليومية بالموروث الثقافي دون وساطة مؤسّساتية.
” لم يكُن للناس حلولا اجتماعية أخرى، كانوا يذهبون للشجرة للارتياح والشعور بالأمل والأمان”، تُضيف رشيدة.
وبالعودة إلى مفهوم “الزيارة” وهذه الطقوس الجماعية فإنّ أمنيات الزواج كانت تتحقّق وذلك نتيجة التقاء الرجال والنساء في هذه الطقوس التي كانت فضاءات للتعارف والالتقاء وطلب الزواج.
وعن تلاشي قيمة الشجرة في الذاكرة الجمعية تقول رشيدة “النظرة لكل شيء تتغيّر، أمّا أنا فإلى يومنا هذا اعتبرها شجرة مباركة ومستحبّة”. وتضيف أنّ المجتمع في الماضي لم يكن يعارض هذه الممارسات، بل كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، ورموزًا مألوفة لا تُثير الجدل. على عكس اليوم، أين أصبح الإقبال على أمّ الشلاليڨ نادرًا جدًا، والتقليد في طريقه إلى الاندثار بسبب تغيّر الثقافة وتطوّر الطب. هذا الإحساس بالاختفاء يعبّر عن قلقٍ ثقافي أوسع يتعلّق بفقدان الذاكرة المحلية أمام التحوّلات الاجتماعية المتسارعة. “فنسيان الشجرة يعني نسيان جزء من ذاكرتنا”. حسب تعبيرها.
في تقرير صدر عن مجلة علم الإثنوبايولوجيا والطب الإثنوي يحمل عنوان “الطقوس والمراسم والعادات المرتبطة بالأشجار المقدّسة مع إشارة خاصة إلى الشرق الأوسط” فإنّه و”في بعض المجتمعات في الشرق الأوسط، يُعدّ طقس ربط الأقمشة حول الأشجار المقدّسة من أبرز الممارسات الشعبية التي تعكس الارتباط الروحي والرمزي للطبيعة والمقدّس”.
ويضيف التقرير أن الناس يقومون بترك قطع من القماش معلّقة على جذع الشجرة أو فروعها، “حيث تمثّل هذه القطع رمزًا للأمنية أو الدعاء الذي يقدّمه الشخص، وتظل معلّقة كدليل على استمرار الطلب وانتظار تحقيق الأمنية. هذا التقليد ليس مجرّد تصرّف سطحي، بل يعكس علاقة معقدة بين الإنسان والمكان المقدّس والقوى الروحية، ويجسّد المزيج بين المعتقدات الشعبية والدين الرسمي. كما يختلف شكل الطقس وطبيعته بحسب المجموعة العرقية أو الدينية—العرب، البدو، الدروز—إلاّ أنّ الجوهر الرمزي يظل واحدًا: تجسيد النية والرغبة الروحية من خلال رمز مادي مستمر، يشدّ الممارس إلى الشجرة ويحوّلها إلى مساحة مقدّسة تلتقي فيها الحاجة الإنسانية مع الإيمان بالقوى الخفية”.
الاكتشاف المعاصر والتفسير الرمزي
في بحثنا عن شابّات الجهة، صادفتنا ألفة المناعي، ذات الاثنين والثلاثين عامًا، وهي من جيلٍ شاب تعرّف على شجرة “أمّ الشلاليق” في مرحلة متأخرة نسبيًا، رغم إقامتها في مدينة الكاف منذ نحو عشرين سنة. لم تكن الشجرة جزءًا من طفولتها أو ذاكرتها المباشرة، بل اسمًا متداولًا سمعته مرارًا قبل أن تراها للمرة الأولى سنة 2025، خلال زيارة رفقة أصدقاء، في تجربة أقرب إلى الاكتشاف منها إلى الطقس.
تقول ألفة: “كنت أعرف اسم أمّ الشلاليق منذ سنوات طويلة، لكنني لم أرها إلاّ مؤخرًا، حين قررت زيارتها بدافع الفضول والرغبة في التعرّف إلى هذا المكان الذي يتحدّث عنه الناس”. وتضيف أن الاسم ظلّ ثابتًا في الذاكرة الجماعية، وهو الاسم الوحيد الذي تعرفه، ما يعكس استمرارية التسمية رغم تغيّر الأجيال.
وتصف إحساسها العام بالمكان قائلة: “شعرت بأنّ الشجرة تختزن تعلّق الناس بالأمل، أكثر ممّا تحمل طابعًا دينيًا أو أسطوريًا واضحًا. كان المكان بالنسبة إليّ مساحة رمزية للرجاء، لا موقعًا للطقوس الصارمة”. هذه القراءة الحديثة للمكان أو الفضاء أو المساحة الدائرة بالشجرة تعكس ميل الجيل الشاب إلى تأويل الممارسات الشعبية بوصفها تعبيرًا نفسيًا واجتماعيًا، لا بالضرورة فعلًا اعتقاديًا خالصًا.
ورغم غياب ذكريات شخصية أو مواقف محدّدة، تستحضر ألفة القصص التي سمعتها من الجدّات وكبار السن، والتي تتمحور حول تحقيق الأمنيات. تقول: “كنت أسمع أن من يتمنّى شيئًا يربط خيطًا أو شلاليق على أغصان الشجرة، وينتظر أن تتحقق أمنيته، سواء كانت علاقة حب، أو حلمًا شخصيًا، أو رغبة في تغيير ما”.
وتشير إلى أنّها لا تملك معطيات دقيقة حول أصل الشجرة أو ارتباطها بوليّ أو حادثة تاريخية، مضيفة: “الروايات تختلف من شخص إلى آخر، ولا توجد قصة واحدة متّفق عليها”. وبحسب ما تعرفه، فإنّ النساء هنّ الأكثر ممارسة لهذا الطقس، الذي يتمثّل في تعليق الشلاليق كفعل رمزي بسيط للتعبير عن أمنية أو دعاء، من دون طقوس معقّدة.
ترى ألفة أيضا أنّ أمّ الشلاليق تمثّل مصدر راحة للكثيرات/ين. مُضيفة: “أفهم زيارة الشجرة كنوع من البحث عن بصيص أمل في لحظات اليأس، أو محاولة للتخفيف من ثقل الواقع”، وتُؤكّد على أنها تعتبر هذه الممارسة “تقليدًا اجتماعيًا أكثر من كونها فعل إيمان، من دون أن تحمل موقفًا حاسمًا تجاهها”.
ترى ألفة أنّ الجيل الجديد يعرف أمّ الشلاليق أساسًا عبر الحكايات التي ينقلها الكبار، مؤكّدة: “نسيانها يعني نسيان جزء من عادات الجدود”. وتُبدي حماسًا واضحًا لفكرة توثيق الشجرة وحفظ ذاكرتها للأجيال القادمة. وتختم بقولها: “بالنسبة إليّ، أمّ الشلاليق ليست مجرد شجرة زيتون، بل عادة متوارثة، وجزء من ذاكرة جماعية تستحق أن تُحفظ وتُروى”.
الشجرة كرجاء أخير
تُقدّم سميرة ولهازي، أستاذة في علم اجتماع الجندر، قراءة تحليلية لشجرة “أمّ الشلاليق”، ضمن الإطار الثقافي والاجتماعي للمدينة. وتشير إلى أنّ معرفة هذه الشجرة ليست محصورة في منطقة الكاف، بل يُلاحظ وجود طقوس مشابهة في مناطق عديدة من الشرق الأوسط، حيث تُعلّق قطع من القماش على الأشجار أو عناصر طبيعية كرمز للنية والدعاء، ما يعكس العلاقة الروحية المعقّدة بين الإنسان والمكان المقدس، ويجسّد التقاء المعتقد الشعبي بالدين الرسمي.
من منظورها العلمي، تظل ممارسة التبرّك بالأشجار قائمة حتى لدى أشخاص ذوي معرفة علمية عالية، إذ تُلبّي الحاجة النفسية إلى الأمان والأمل، خصوصًا عندما تتعلّق الأمنيات بالحياة والعطاء والتجدّد، كما ترمز الشجرة إلى الظل والثمار والأوراق المتجدّدة سنويًا. ورغم إدراك البعض للطابع الرمزي لهذه الممارسات، فإنهم يواصلون التمسّك بالطقوس، عبر ربط قطعة قماش، كنوع من الاحتفاظ بالأمل أو استكمال ما لم يتحقّق بالوسائل العلمية والمتاحة.
وتُشير سميرة إلى أنّ هذه الفضاءات الرمزية قد تكون شكّلت، تاريخيًا، مساحة خاصّة للنساء، حيث تتيح لهن الخروج من الحيز الخاص (المنزل) والالتقاء وتبادل الخبرات، وهو ما يُمكن ربطه بالدور الاجتماعي والنفسي للشجرة في المجتمعات التقليدية، رغم غياب دليل علمي مباشر. في العصر الحالي، يُظهر تراجع الاعتماد على الطقوس ارتفاعًا في مشاركة النساء في الفضاء العام، مثل الجامعات، لكن الجانب الرمزي والاعتقادي لا يزال حاضرًا كجزء من الذاكرة الثقافية.
من الناحية الأنثروبولوجية، تؤكّد سميرة أن العلاقة بين الممارسة والشجرة لا تتوقف عند الطقس الظاهري، بل تتعداه لتشمل الجانب النفسي والاجتماعي والرمزي، حيث يلتقي الإيمان بالقوى الخفية مع الحاجة الإنسانية للأمان والأمل. كما تبرز شهادة سميرة أهمية وضع هذه المواقع ضمن استراتيجيات ثقافية وتنموية مستدامة، لتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية والقيم المحلية، بدل أن تبقى ممارسات مغيّبة عن الإعلام وصنّاع القرار.
في تقاطع الشهادات، بين ذاكرة نقدية ترى في الشجرة مجرّد زيتونة عادية، وذاكرة جماعية ما تزال تمنحها معنى روحيًا، وقراءة شابة تعيد تأويلها كرمزٍ نفسي واجتماعي، تتشكّل صورة «أمّ الشلاليق» بوصفها أكثر من مجرّد شجرة. فهي مرآة لتحوّلات المجتمع المحلي، واختبار حيّ لعلاقة الإنسان بالمقدّس والطبيعة والذاكرة.
تكشف هذه الروايات النسائية المتعدّدة أنّ القيمة الحقيقية للشجرة لا تكمن فقط في الطقوس التي ارتبطت بها، بل في كونها فضاءً للحكي الجماعي، وملاذًا للأمل، ومساحةً للتعبير عن القلق والرغبات في سياقات اجتماعية محدودة الخيارات. وبين من يراها بدعةً دينية ومن يعتبرها جزءًا من التراث ومن يقرؤها رمزيًا، تستمرّ «أمّ الشلاليق» كأثرٍ ثقافي يعكس صراع المعنى بين الأجيال.
ومع تراجع حضورها في الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نكتب تاريخ الأشجار حين تختفي طقوسها، أم حين ندرك أنّها كانت، في جوهرها، حكايات بشرية تبحث عن معنى وأمل؟ لعلّ حفظ ذاكرة “أمّ الشلاليق”، لا يعني إعادة إنتاج الممارسة، بل فهم السياقات الاجتماعية والنفسية التي جعلت منها يومًا فضاءً نسائيًا للرجاء والبوح، وجزءًا من سردية محلية تستحق أن تُروى قبل أن تُنسى.



















