أمينة بوغالبي: “الكوطا” رفعت حضور النساء.. لكن الهندسة الانتخابية تحدّد فرص وصولهنَّ إلى القرار

بعد أكثر من عقدين على اعتماد آليات التمييز الإيجابي في المغرب، لم يعد حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة استثناءً كما كان في السابق، لكن ارتفاع أعدادهنَّ لم يكن كافيًا لتجاوز الفوارق في الوصول إلى مواقع التأثير والقرار. وبين المقاعد التي تضمنها آليات “الكوطا” وصعوبة العبور إلى المنافسة في الدوائر المحلية، تبرز حدود هذا التقدم؛ ففي انتخابات 2021، وصلت 96 امرأة إلى مجلس النواب، لم تفز منهن عبر الدوائر المحلية سوى ست نساء.

من هذه الزاوية، تبحث دراسة “أثر الهندسة الانتخابية في تحقيق الفاعلية السياسية لتمثيل النساء”، للباحثة أمينة بوغالبي والأستاذ مصطفى يحياوي، في أثر القواعد التي تنظّم العملية الانتخابية على تمثيل النساء. فمن حجم الدوائر وطريقة احتساب المقاعد، إلى ترتيب المرشحات داخل اللوائح وطبيعة الاقتراع، تكشف الدراسة، التي تتبع التجربة المغربية بين 2002 و2021، أن فعالية “الكوطا” لا تتحدد بوجودها فقط، بل بكيفية تصميمها وبالشروط المحيطة بتطبيقها.

في هذا الحوار، تناقش منصة “هنَّ” الباحثة أمينة بوغالبي، حول الذي حققته “الكوطا” بعد أكثر من عقدين على اعتمادها، وأين تظهر حدودها؟ وكيف تتحكم الهندسة الانتخابية والممارسات الحزبية في مسارات وصول النساء إلى المؤسسات المنتخبة؟ وما الذي يفصل بين رفع عدد النساء داخلها وبين بناء تمثيل سياسي قادر على الوصول إلى مواقع التأثير والقرار؟

 هاجر: ما الذي دفعكم إلى دراسة أثر الهندسة الانتخابية على تمثيل النساء، وما الذي لفت انتباهكم أكثر خلال البحث؟

 أمينة: يرتبط هذا المقال في الأصل ببحث ميداني أوسع أنجزته في إطار أطروحتي للدكتوراه في الجغرافيا السياسية وجغرافيا النوع الاجتماعي، حول القيادة النسائية داخل مجلس النواب. خلال ثلاثة أشهر من الملاحظة المباشرة داخل المجلس كطالبة باحثة، بدأت أطرح أسئلة تتجاوز عدد النساء الموجودات في المؤسسة: كيف يعشن هدا الفضاء؟ هل يتوفرنَ فعلا على الفرص نفسها للوصول إلى مواقع التأثير والقرار؟ وهل تكفي المساواة القانونية لكي تكون الممارسة السياسية متساوية بين النساء والرجال؟

ومن هنا برز أمامي بشكل واضح الفرق بين الدخول الى المؤسسة وبين امتلاك السلطة داخلها. أطروحتي التي في طور الإعداد تنطلق من هذا التناقض: في 2021 وصلت النساء الى 96 مقعد من أصل 395، أي 24.3%، لكن مواقع السلطة الأساسية، كرئاسة المجلس ورئاسة غالبية اللجان والفرق ظلت في معظمها ذكورية. 

وفي هذا السياق تطورت فكرة المقال مع الاستاذ مصطفى يحياوي، المشرف على أطروحتي والمشارك في المقال، والذي كان قد اشتغل على مسألة الهندسة الانتخابية قيل انتخابات 2021، بصفته أستاذا وخبيرا استشارياً، هو  صاحب الفكرة وكان قد طرحها في لقاء مع اللجنة الموضوعاتية حول المساواة. وبعد شتنبر 2021 جاءت فكرة تطوير الفكرة بناء على نتائج الانتخابات والقوانين الانتخابية الجديدة.

 هاجر: تنطلق دراستكم من أن المشكلة ليست في وجود “الكوطا”، بل في طريقة تصميمها، كيف تؤثر الهندسة الانتخابية في فعالية تمثيل النساء؟

 أمينة: صحيح، فالهندسةُ الانتخابية تعني أن التفاصيل التقنية ليست محايدة؛ حجم الدائرة، طريقة احتساب المقاعد، موقع المرشحة داخل اللائحة، من يحتل المرتبة الأولى، وهل الاقتراع مباشر أم غير مباشر. كل هذه العناصر تحدد في النهاية ما إذا كانت الكوطا ستنتج ترشيحات فقط أم مقاعد فعلية.

انتخابات 2021 تقدم مثال واضح؛ ففي الدوائر الجهوية لم يكتف القانون بوجود نساء في اللائحة، بل ألزم بأن تكون المرتبتان الأولى والثانية مخصصتانِ للنساء، وأن لا يقل عدد المرشحات عن ثلثي المقاعد المطلوب شغلها. هذه قاعدة تصميمية ترفع احتمال الفوز فعليا. بينما في المقابل، عندما توجد النساء في اللوائح ولكن في مراتب لا تسمح لهنَّ بالفوز، تصبح “الكوطا” شكلية. لذلك فالنتيجة الأساسية للمقال هي أن فاعلية الكوطا ليست في وجودها فقط، وإنما في موقع النساء داخل هندسة المنافسة الانتخابية. 

هاجر: بلغت نسبة النساء في مجلس النواب 24.3% سنة 2021، بينما لم تتجاوز 12.5% في مجلس المستشارين. كيف تحللون هذه الأرقام؟

أمينة: في مجلس النواب، نتج نظام الدوائر الجهوية 90 مقعدا للنساء، بينما فازت 6 نساء فقط عبر الدوائر المحلية في انتخابات 2021. أي أن الجزء الأكبر من النتيجة جاء مباشرة من طريقة تصميم النظام الانتخابي. 

أما في مجلس المستشارين، فانتقل تمثيل النساء من 11.7% سنة 2015 إلى 12.5% فقط سنة 2021. والقانون يمنع تتابع إسمين من الجنس نفسه في بعض اللوائح، وهذا تقدم مهم، لكنه لا يضمن أن تتصدر النساء اللائحة. وفي الاقتراع غير المباشر تصبح المرتبة الأولى حاسمة جدا…لذلك يمكن احترام التناوب شكليا مع استمرار وضع النساء في مراتب ضعيفة انتخابياً…وهو ما نسميه في المقال إقصاء الرتبة.

إذن، الفارق بين 24.3% و12.5% لا نفسره فقط باختلاف الثقافة أو درجة تقبل النساء، بل بالأساس باختلاف القواعد التي تنظم الوصول إلى المقعد.

هاجر: إلى أي مدى حققت “الكوطا” اختراقاً في تقبل النساء داخل المشهد السياسي، ولماذا لم تتحول إلى مدخل يعزز حظوظهن في الدوائر المحلية؟

أمينة: لا شك أن الكوطا حققت اختراقا مؤسساتيا كبيرا، وذلك بالانتقال من حضور نسائي هامشي جدا (نائبتين فقط في انتخابات 1993 و1997) إلى 96 نائبة في 2021، والذي لم يكن ليحدث بهذه السرعة دون آليات التمييز الإيجابي. لذلك لا أرى “الكوطا” باعتبارها مشكلة، بالعكس، هي التي كسرت حاجز الدخول.

لكن يجب التمييز بين تطبيع وجود النساء داخل المؤسسة وبين حصول تحول في قواعد المنافسة السياسية نفسها. في 2021 جاءت 90 من أصل 96 نائبة عبر القناة الجهوية، بينما فازت 6 فقط في الدوائر المحلية. كما تظهر نتائج الانتخابات السابقة أن النسبة الكبرى من النساء البرلمانيات ظلت مرتبطة بالآليات المحجوزة

وقد ساعدني البحث الميداني على فهم هذا الأمر بشكل أعمق؛ فالوصول عبر دائرة محلية يحتاج إلى تزكية حزبية في دائرة قابلة للفوز، وإلى قاعدة انتخابية وشبكات محلية وموارد مالية واستمرارية في العمل الترابي. وقد وصفت برلمانيات في المقابلات التي أجريتها معهنَّ صعوبة الحصول على هذه التزكيات، خصوصا عندما تكون الدوائر القابلة للفوز مرتبطة أصلا بقيادات أو أعيان داخل الاحزاب. 

هاجر: تستحضرون استمرار “الأسقف الزجاجية” وضعف الترشيحات النسائية خارج اللوائح المخصصة للنساء. هل الأمر مرتبط بالبيئة السياسية العامة أم بالبنية التنظيمية والثقافية للأحزاب؟

أمينة: اعتبر أن العاملان متداخلان، لكن البحث يبين أن الأحزاب هي البوابة المباشرة التي تمر عبرها هذه الاختلالات، حيث أن البيئة السياسية العامة مهمة في هذا الصدد، وخاصة الثقافة السياسية، والموارد المالية، وشبكات الأعيان، وتقسيم الادوار الاجتماعي، والوقت المتاح للعمل السياسي… لكن الحزب هو الذي يحول هذه العوامل إلى قرار ملموس، فهو من يقرر من يحصل على التزكية وفي أي دائرة وفي أي مرتبة.

ومن خلال البحث الميداني يمكن القول إن الاختناق يحدث في جزء مهم منه قبل وصول الناخب إلى صندوق الاقتراع؛ فالترشيحات النسائية في المواقع المحلية القابلة للفوز تبقى محدودة، بينما تحتفظ رؤوس اللوائح بطابع ذكوري قوي. ولذلك تشير النتائج إلى أهمية النظر إلى عمليات الانتقاء الحزبي، وليس فقط إلى افتراض أن الناخب لا يصوت للنساء. 

هاجر:حققت النساء تقدماً متفاوتاً بين المجالس الترابية والبرلمان، كيف نقرأ هذا التفاوت في سياق النظام الانتخابي؟

أمينة: بعد إصلاحات 2021، بلغت النساء نحو 38.5% في مجالس الجهات، و35.6% في مجالس العمالات والأقاليم، و26.64% في المجالس الجماعية، مقابل 24.3% في مجلس النواب و12.5% فقط في مجلس المستشارين. وهذه النتائج لا تأتي من نظام انتخابي واحد؛ ففي المجالس الجماعية مثلا انتقل القانون من حصة ثابتة كانت تتحول بسهولة إلى سقف إلى منطق الثلث. وقد أحدث هذا تغييرا مهما، حتى وإن لم يصل التطبيق الفعلي في الجماعات إلى 33.3%. 

وفي هذا الصدد، لا ينبغي قراءة التفاوت باعتباره دليلا على أن المجتمع يتقبل النساء في مستوى ولا يتقبلهنَّ في آخر، فجزء مهم من الفرق يرجع إلى نوع الضمانة القانونية وكيفية احتساب المقاعد وترتيب اللوائح وطبيعة الاقتراع. وهذا بالضبط ما نقصده في الدراسة بالهندسة الانتخابية.

 هاجر: تحذر دراستكم من تحول “الكوطا” إلى سقف للتمثيل بدل أن تكون جسراً نحو المناصفة. على أي أساس تقوم مخاوفكم وكيف يمكن تجاوز هذا السقف؟

أمينة: تظهر المشكلة عندما تحدد “الكوطا” تقريبا عدد النساء اللاتي سيدخلنَ المؤسسة، بينما تظل بقية القنوات مغلقة أو شبه مغلقة أمامهنَّ، وفي هذا الصدد يتحول الحد الأدنى المضمون إلى حد أقصى فعلي.

في 2021، كمثال، حققت الدوائر الجهوية 90 مقعد للنساء، لكن الدوائر المحلية لم تنتج سوى 6 نائبات. كما تؤكد الدراسة أن ضعف الترشيحات النسائية خارج المقاعد المحجوزة ظل مستمراً. 

كما لا يجب أن نغفل أمراً آخر مهم، وهو أن النائبة المنتخبة عبر اللائحة الجهوية لا تستطيع العودة للمرة الثانية عبر الطريق نفسه وفق القاعدة الحالية، وبالتالي تحتاج إلى الانتقال إلى الدائرة المحلية. لكن هذه الدائرة تتطلب الانغراس والشبكات والتزكية التي قد لا تكون قد استطاعت بناءها خلال ولاية واحدة. كما أن التجديد الكبير للنائبات يقلل من تراكم الخبرة البرلمانية، في وقت تعتبر فيه الأقدمية مورد مهم للوصول إلى المسؤوليات. 

وعليه، فتجاوز السقف يتطلب أن لا تبقى “الكوطا” قناة منفصلة، بل أن يتم تعزيزها بفتح المواقع القابلة للفوز في الدوائر العادية في وجه النساء، وضمان الاستمرارية والتراكم السياسي، وربط وجود النساء بمواقع المسؤولية وليس بعدد المقاعد فقط.

 هاجر: بعد أكثر من عقدين على اعتماد “الكوطا”، هل ترين أن هذا النظام يجب ان يستمر بصيغته الحالية، رغم انه لم يستطع أن يُنتج لنا تمثيلية نسائية سياسية قوية، وظل اثره اساسًا في رفع الحضور العددي للنساء؟

 أمينة: أعتقد أن “الكوطا” ما زالت ضرورية، لكن لا ينبغي أن تستمر بصيغتها الحالية وحدها، ذلك أن المعطيات نفسها تؤكد اننا لم نصل بعد الى مرحلة يمكن فيها الاستغناء عنها.

ويمكن الاطلاع على الأرقام الصادرة عن الداخلية بخصوص انتخابات 2026، و2021، حيث أنه رغم ارتفاع نسبة النساء من مجموع الترشيحات من 34.17% سنة 2021 إلى 36.47% سنة 2026، نجد أنه على مستوى الدوائر المحلية لدينا 762 مرشحة من أصل 5,046 مترشحا سنة 2021، أي نحو 15.1%، إلى 875 من أصل 5,505 سنة 2026، أي نحو 15.9%. بمعنى أن التحسن في 5 سنوات لا يتجاوز حوالي 0.8 نقطة مئوية في المنافسة المحلية.

هاجر: تميز الدراسة بين الحضور العددي والتمثيل الفعلي، هل يخضع الأمر لمنطق التراكم، وكيف يمكن تحويل انتخاب النساء إلى تأثير حقيقي في القرار السياسي؟

أمينة: وجود النساء لا يعني بالضرورة القدرة على التأثير حيث أننا نلاحظ زيادة أعداد النساء بينما تظل رئاسة المجلس والفرق واللجان ومراكز توزيع المعلومة والقرار ذكورية. كما أن التراكم مهم أيضا لأن الخبرة والأقدمية والشبكات يتم بناؤها مع الزمن. لكن عندما تتجدد غالبية النائبات باستمرار، نفقد جزء من هذا الرصيد المؤسسي. 

ولهذا فإن تحويل الكم إلى تأثير يحتاج الى الاستمرارية في المسار السياسي، والوصول إلى رئاسة اللجان والفرق وأجهزة المجلس، وفي هذا السياق، فإن التحول من الحضور إلى القيادة مرتبط بالقواعد المؤسساتية، والممارسات الحزبية، والموارد التي تمتلكها البرلمانيات، والأقدمية، والانغراس الترابي وغيرها.

لذلك في المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من مؤشرات الحضور، كم عدد النساء في المجلس، إلى مؤشرات النفاذ إلى السلطة: ونطرح السؤال كم نائبة تترأس؟ كم واحدة تشارك في دوائر القرار؟ وكم منهنّ تستطيع العودة إلى المجلس وتستمر فيه؟ 

هاجر:تحدثتِ عن مستويات مختلفة تحدّ من التمثيل السياسي للنساء، من ضعف الوصول إلى مواقع القرار الى طبيعة النظام السياسي وموقع البرلمان وأدوار الأحزاب ،هل نحن اذن امام عطب مركّب يتجاوز مسالة “الكوطا” وحدها؟

 أمينة: تعالج “الكوطا” أساساً باب الدخول إلى المؤسسة التشريعية، لكنها لا تعالج وحدها كل ما يحدث قبل الدخول وبعده؛ فالمعركة الرئيسية تبدأ قبل الانتخابات بخصوص الحصول على التزكية وفي أي دائرة وفي أي مرتبة.

وبعد الانتخابات تبرز معركة أخرى وهي الوصول لمناصب المسؤولية وعلى رأسها رئاسة المجلس واللجان والفِرق، ومن يستطيع الاستمرار لولاية ثانية وثالثة ورابعة؟ لذلك فتحويل الحضور البرلماني إلى قدرة فعلية على التأثير يتأثر بمسار الانتخاب والأقدمية والموارد الحزبية والعلاقات داخل المؤسسة، وغيرها…

وكما أشرت، فإن الأرقام الأخيرة تؤكد ذلك، فرغم أن النساء يمثلن 36.47% من مجموع الترشيحات، لكن نسبتهنَّ تنخفض إلى حوالي 15.9% فقط في الدوائر المحلية، ثم تنخفض أكثر عندما نصل إلى رئاسة اللوائح، حيث أن النساء يترأسن 121 لائحة محلية فقط من أصل 1,615، أي حوالي 7.5%. إذن كلما اقتربنا من الموقع الأكثر حسما في المنافسة الانتخابية، تقل نسبة النساء. 

وعليه أعتبر أننا أمام عطب مركب يشمل الجانب الانتخابي والحزبي والمؤسساتي والاجتماعي مرتبط أيضا بتوزيع الموارد السياسية. ولهذا فرفع عدد النساء وحده، رغم أهميته، لا يكفي لإنتاج تمثيل فعليّ أو قيادة سياسية نسائية قوية.

هاجر: نلاحظ أيضاً حضور نساء يرتبط ترشيحهنَّ بعائلات سياسية أو بأعيان محليين، هل ساهمت طريقة تدبير لوائح النساء في إعادة إنتاج شبكات النفوذ داخل الأحزاب بدل توسيع المشاركة السياسية للنساء؟

 أمينة: الإنتماء إلى عائلة سياسية لا يعني في حد ذاته أن المرشحة غير كفوءة أو أنها وصلت فقط بفضل عائلتها، لأن الخلفية العائلية أو القرب من الفاعلين السياسيين قد يساعد النساء انتخابياً، كما يمكن لهذا الرأسمال العائلي نفسه يتحول أحيانا إلى وصم للمرشحة، بحيث يقال عنها أنها مفروضة من فوق أو يتم دائما الحديث عنها بصفتها إبنة فلان أو فلانة.

وفي هذا الصدد، فالمشكلة اليوم هي غياب الشفافية في عملية الانتقاء، لأن ترك ترتيب اللوائح واختيار الأسماء بدرجة كبيرة للأجهزة الحزبية يمكن أن يجعل الولاءات الداخلية والعلاقات العائلية والتوازنات التنظيمية مؤثرة في الاختيار أكثر من المسار النضالي نفسه. كما أن هناك مشكل آخر لا يتم الحديث عنه كثيرا، ويتعلق الأمر بنوع من التوريث غير الرسمي للدوائر المحلية حيث تظل الدوائر القوية مرتبطة بالأعيان وأصحاب الموارد وتجد النساء صعوبة إن لم نقل استحالة في الحصول على رأس اللائحة فيها. 

هاجر: خلال الولاية التشريعية 2011-2016، برزت أسماء مثل أمينة ماء العينين و حسناء أبو زيد وبثينة القاروري، وكان لهنَّ حضور واضح في النقاش السياسي والبرلماني. كيف تفسرين تراجع حضور هذا النوع من الأصوات لاحقًا؟ وهل يرتبط ذلك بطريقة اختيار المرشحات أم بتراجع دور الأحزاب في التأطير وصناعة النخب؟

أمينة: في الواقع بحثي الميداني لم يقس الحضور الاعلامي أو الخطابي للبرلمانيات بين الولايات بطريقة تسمح بهذه المقارنة. لكن تسمح المعطيات الإمبريقية (الميدانية) بتفسير صعوبة تراكم القيادات النسائية واستمرارها. وهنا يمكن الحديث عن التجديد الكبير للبرلمانيات، حيث وجدت أن معدل النساء الداخلات لأول مرة كان هو 86.6% سنة 2011، و90.1% سنة 2016، ثم 97.9% سنة 20211، أي أن 94 من أصل 96 منتخبة في 2021 دخلنَ المؤسسة لأول مرة، عكس  الكثير من الرجال الذين يكررون الولايات في المجلس. وهذا مهم لأن الشخصية البرلمانية المؤثرة لا يتم صنعها خلال بضعة أشهر. هي تحتاج إلى تراكم في الخبرة، ومعرفة بالمساطرِ وتطوير الشبكات والقدرة على التفاوض وبناء الشرعية داخل المؤسسة. عندما يعاد تشكيل الكتلة النسائية تقريبا من جديد في كل ولاية، فإننا نفقد جزء كبير من هذا التراكم.

هاجر: إلى أي حد تتحمل الأحزاب مسؤولية ضعف التمثيل النوعي للنساء، خصوصًا مع تراجع دورها في استقطاب الأعضاء وتأطيرهم وتكوينهم سياسيًا؟

أمينة: الحزب متدخل مهم جدا لأنه هو من يقرر بخصوص التزكية والترتيب ونوعية الدائرة. وهو المسؤول عن صناعة النخب النسائية، وتظهر نتائج هذه العملية في فترة الانتخابات، والدليل هو أننا اليوم لدينا 121 من النساء مرشحات على رأس لائحة محلية  مقابل 1494 رجل (في سنة 2021، كان لدينا 97 نساء مقابل 1375 رجال)، يعني خمس سنوات لدينا تطور طفيف بزيادة 24 مرشحة فقط.  

وهذا بالنسبة لي معطى أساسي، لأنه لا يكفي أن نسأل الحزب كم نساءً رشحت بل يجب أن نسأل كم نساءً وضع في رأس لائحة بالأساس، وبعدها يأتي السؤال هل هي دائرة لدى الحزب تاريخ للفوز فيها، إما أنها دائرة يغطيها الحزب من باب عدم ترك الساحة فارغة فقط، وليس له حظوظ فيها ولا قوة.

هاجر: تقترحون اعتماد التناوب على رأس اللوائح المحلية في المدن الكبرى. وكيف يمكن لهذا الإجراء أن يرفع حظوظ النساء في الفوز؟

أمينة: لأن المشكلة الرئيسية في اللوائح المحلية ليست غياب النساء عنها، بل موقعهنَّ داخل اللائحة. وفي هذا الصدد ومع طريقة احتساب المقاعد الجديدة، فوجود النساء في المرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة في دائرة لا يفوز فيها الحزب إلا بمقعد واحد لا يختلف كثيرا، من حيث النتيجة، عن عدم ترشيحهنَّ.

لذلك نقترح تطبيق التناوب بين مرشحة ومرشح على رأس اللائحة في دوائر العمالات الستة المقسمة الى مقاطعات: الدار البيضاء، الرباط، سلا، مراكش، فاس وطنجة. حيث أن تطبيق هذا الإجراء على 64 مقعد في هذه الدوائر يمكن أن يضمن ما لا يقل عن 32 مقعد محلي للنساء. وإذا أضيف ذلك الى مقاعد الدوائر الجهوية، يمكن أن يصل الحد الأدنى الى حوالي 122 مقعدا من أصل 395، أي مايقارب 31%. والأهم من الرقم نفسه أن هذه النساء سيفزنَ من خلال الدوائر المحلية العادية، بما يسمح ببناء شرعية انتخابية وترابية ومسارات سياسية يقل الاعتماد فيها مستقبلا على المقاعد المحجوزة.

هاجر: تقترحون ربط التمويل العمومي للأحزاب باحترام آليات الإنصاف الجندري، كيف يمكن أن يكون ذلك فعالاً دون السقوط في فخ “الكوطا” الجامدة؟

أمينة: المقترح لا يقوم على أن نقول للحزب: يجب أن يكون لديك عدد معين من النساء، لأن هذا المبدأ قد يعيد إنتاج “الكوطا” الجامدة، لكن الفكرة هي الانتقال إلى تمويل مرتبط بالنتائج وبنوعية المشاركة، حيث يمكن مثلا ربط جزء من الدعم العمومي بنسبة النساء المرشحات في مواقع قابلة للفوز، وبوجودهنَ في الأجهزة القيادية للأحزاب، وفي المكاتب التنفيذية للمجالس المنتخبة، و بالاستثمار في تكوين القيادات النسائية. 

وهنا يصبح التمويل حافزا لتغيير السلوك التنظيمي وليس مجرد مكافأة على استكمال عدد محدد، حيث نصل إلى النتيجة نفسها وهي أن التمويل يمكن أن يدفع الأحزاب إلى الاستثمار بشكل فعلي وحقيقي في المسارات النسائية، من التكوين إلى التزكية المحلية القابلة للفوز وإعداد المنتخبات للاستمرار في مسارهنَّ السياسي. 

 هاجر: تحدثتِ عن ضرورة ترشيح النساء في “الدوائر القابلة للفوز” كيف تُحدَّد هذه الدوائر؟ وهل توجد معايير واضحة لذلك، أم أن الأمر يظل خاضعًالتقديرات القيادة الحزبية؟

أمينة: هي ليست تصنيفاً قانونيّاً وإنما مفهوم تحليلي يمكن قياسه بقدر كبير من الموضوعية عبر استحضار نتائج الحزب في الانتخابات السابقة، وعدد المقاعد التي يحصل عليها عادة، ونتائجه الجماعية داخل المجال نفسه، وكذا قوة تنظيمه المحلي، وحجم الفارق بينه وبين المنافسين.

لأن المشكلة هي عندما يقال أن الحزب رشح النساء، لكنه يقوم بوضعهنَّ في مواقع لا تنتج مقاعداً. مثلا حزب لديه دائرة معينة معروفة على أنها قلعته التاريخية يفوز دائما فيها بمقعد، هل هذا الحزب مستعد ليرشح سيدةً على رأس هذه الدائرة، أم أن رأس اللائحة محجوزٌ للرجال وتوضع النساء في المرتبة الثانية أو الثالثة مما لا يمنحها فرصة الفوز.

وهنا، لا يجب أن نغفل قيام الأحزاب أحيانا بترشيح نساء على رأس اللائحة في دوائر تعتبر شبه خاسرة، من باب القول إن الحزب رشح نساء كقائدات للوائح المحلية وإعطاء أرقام قد تبدو مهمة لكن التحليل النوعي يثبت العكس.

هاجر: إلى جانب إصلاح آليات الترشيح، كيف يمكن تشجيع النساء على الانخراط في السياسة والمجال العام منذ البداية، بدل البحث عن مرشحات فقط مع اقتراب الانتخابات؟

أمينة: الأكيد هو أنه يمكن صناعة قيادة سياسية قبل الانتخابات ببضعة أشهر على اعتبار المسار يبدأ قبل ذلك بسنوات في الجمعيات والجماعات الترابية والنقابات والشبيبات الحزبية والهياكل المحلية والجهوية للأحزاب، لأن هذه الإطارات والفضاءات قد تشكل لهنَّ فرصاً لاكتساب مهارات التفاوض وأخذ الكلمة وبناء القدرات والشخصية. لذلك فالمطلوب هو أن تستقطب الأحزاب النساء بين الانتخابات وليس فقط أثناءها، وأن تمنحهنَّ مسؤوليات حقيقية محليا، وفرص للتكوين في السياسات العمومية والتواصل والحملات الانتخابية، وأن تتيح لهنَّ بناء قاعدة انتخابية وقرب من الساكنة ترابياً.

وفي هذا السياق، يجب اتخاذ تدابير لربط جزء من التمويل العمومي للأحزاب ليس فقط بعدد المرشحات، وإنما مؤشرات قابلة للقياس مثل حصيلة الحزب في تكوين القيادات النسائية، ونسبة النساء في المواقع القابلة للفوز، وحضورهنَّ في الأجهزة القيادية للحزب، أي الانتقال من مكافأة العدد إلى التشجيع على تغيير السلوك التنظيمي نفسه.

هاجر: في ضوء خلاصات دراستكم، ما التعديلات الأكثر إلحاحاً قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لتحقيق تقدم فعلي؟

أمينة: إذا أردنا أثراً واضحا وقابلا للقياس، أرى أن الأولوية هي الجمع بين عدة مستويات، لأن تعديل رقم الكوطا وحده لن يكون كافيا بتاتا. وهنا يمكن الترافع من أجل فرض التناوب على رأس اللوائح المحلية القابلة للفوز، وليس فقط إدراج النساء في اللوائح. كما يمكن تصحيح آلية احتساب الثلث في الجماعات، لأن القانون يستهدف الثلث بينما بقيت النتيجة الفعلية عند 26.64%، وأيضا تعزيز التناوب في انتخابات مجلس المستشارين والغرف المهنية بحيث يشمل رأس اللائحة وليس فقط منع تتابع إسمينِ من الجنس نفسه. 

كما يمكن الحديث عن مراجعة مسألة استمرارية المسار البرلماني للمنتخبات عبر اللوائح الجهوية، وفتح المواقع المحلية القابلة للفوز أمامهنَّ، وفرض شفافية أكبر في التزكيات الحزبية. كما يجب ربط جزء من التمويل العمومي نتائج قابلة للقياس في مجال التمثيل والقيادة، وليس بالاكتفاء بالترشيح العددي.

هاجر: بعد سنوات من تنصيص دستور 2011 على السعي إلى المناصفة، لماذا ما زالت بعيدة عن التحقق داخل المؤسسات المنتخبة؟

يمكن القول أن آليات دستور 2011 مكنتنا من الإعتراف بالمناصفة، لكننا لم نستكمل بعد الإنتقال من مبدأ المناصفة إلى هندسة المناصفة، حيث أن دستور 2011 حسم بدرجة كبيرة مسالة الشرعية ولم يعد السؤال هل يحق اتخاذ تدابير لتعزيز تمثيل النساء، وإنما كيف نجعل هذه التدابير فعالة. 

نتائج 2021 تبين أن النوايا الدستورية لا تنتج النتائج نفسها عندما تختلف قواعد الترشح والترتيب والاحتساب والانتخاب من مؤسسة الى أخرى. فالإرادة الدستورية ضرورية، لكنها لا تكفي دون ضمانات إجرائية وآليات إنفاذ ورصد وتمويل. كما أن المسألة لا تنتهي عند باب صندوق الإقتراع، فحتى بعد إنتخاب النساء، توجد فجوة بين المساواة القانونية في صفة النائب وبين الشروط الفعلية للوصول إلى المسؤوليات والقدرة على التأثير. 

لذلك فإن المرحلة المقبلة، في تقديري، يجب أن لا تكتفي بالسؤال: كم عدد النساء اللواتي تم انتخابهنَّ، بل يجب أن تضيف سؤالين آخرين: بأي مسار تم انتخابهنَّ وإلى أي مواقع للسلطة والقرار استطاعت الوصول بعد انتخابهنَّ. وهنا بالضبط يبدأ الانتقال من المناصفة المعلنة إلى المناصفة الفعلية.

هاجر: تحدثت عن المناصفة باعتبارها أحد مداخل تعزيز التمثيل السياسي للنساء، لكن المناصفة والمساواة مفهومان مختلفان، في تقديرك هل ما نحتاجه اليوم هو المناصفة أم المساواة؟ أيهما يمكن أن يقود إلى تمثيل سياسي فعلي للنساء؟

أمينة: بالنسبة لي لا ينبغي وضع المناصفة والمساواة في مواجهة بعضهما، لأنهما لا توجدان في المستوى نفسه، فالمساواةُ هي المبدأ والغاية. والمناصفة هي إحدى الآليات فقط التي يمكن أن تترجم هذا المبدأ في توزيع مواقع التمثيل والسلطة. أما الإنصاف فهو مجموعة من التدابير التصحيحية التي نحتاج إليها عندما نكتشف أن المساواة القانونية وحدها لا تنتج مساواة فعلية. وهذا هو التمييز النظري الذي اعتمدنا في المقال من خلال اعتبار المساواة مبدأ تأسيسي، والإنصاف مبدأ تصحيحي، والمناصفة آلية تسمح بالإنتقال من المساواة الشكلية إلى مساواة أكثر فاعلية في مواقع القرار. 

وأرقام 2026 تقدم مثالا واضحا جدا. الإطار المعياري يقول إن الرجال والنساء يتمتعون بحق الترشح. لكن فعليا، في الدوائر المحلية، النساء لا يمثلنَ سوى حوالي 15.9% من المرشحين، ولا يترأسن سوى حوالي 7.5% من اللوائح. إذن المساواة في الحق لا تعني تلقائيا المساواة في فرصة الوصول إلى المقعد. 

وفي نفس الإطار، حتى لو وصلنا يوما ما إلى 50% من النساء داخل البرلمان، لن تكون المناصفة مكتملة إذا بقيت رئاسة المؤسسة والفرق واللجان موزعة بشكل غير متكافئ أن الحضور لا يساوي السلطة، والتمثيل العددي لايتحول تلقائيا إلى تمثيل فعلي. 

لذلك ما نحتاجه اليوم هو المساواة كقاعدة، والمناصفة كهدف في تقاسم التمثيل والسلطة، والإنصاف كوسيلة لتصحيح الاختلالات التي تمنع الوصول إلى ذلك الهدف. 

اقرأ أيضا

  • لنقل صوت نساء “حراك فكيك”.. ثلاث مرشحات للانتخابات الجزئية

    تصدرت ثلاث نساء لائحة ترشيحات حزب "فيدرالية اليسار الديمقراطي" للانتخابات الجزئية في مدينة فݣيݣ، المنتظر إجراؤها يوم غد الخميس، من أجل شغل تسعة مناصب في المجلس الجماعي، وذلك بعد استقالة أعضاء في المجلس عن عدد من الدوائر؛ بسبب رفضهم لقرارات اتخذت بشأن الماء تعارضها وتتظاهر ضدها الساكنة. وقدم الحزب اليساري 9 مرشحين مغطيا بذلك كل…

    Hounna | هنّ|

  • حوار| لطيفة البوحسيني: لا يمكن تأسيس منظمة نسائية في سياق يمنع حرية التعبير

    لطيفة البوحسيني، واحدة من أبرز الأصوات النسائية والحقوقية في المغرب، هي أستاذة التاريخ في "جامعة محمد الخامس" بالرباط، ومتخصصة في التاريخ الاجتماعي، وباحثة في تاريخ النساء والقضايا النسائية.  إلى جانب إسهاماتها العلمية من خلال بحوث ومقالات منشورة على مجلات مغربية ودولية، تمثل هذه الأكاديمية النضال النسائي المغربي من خلال مسارها النضالي الحافل، حيث كانت جزءًا…

    هاجر اعزة|

  • نجلاء قدية: أتعرض للتشويه والتضييق وأشعر بالخوف، ولكنّ أفكاري تغلبُ خوفي

    لطالما ارتبطت الأحزاب السياسية في المجتمعات المعاصرة بكونها ركيزة أساسية للنظام الديمقراطي، وتجسيدا للتعددية، ورقيبا على النظام الحاكم. ولعل الزخم الحزبي الذي تلى ثورة 2011 كان خير دليل على انفتاح الحياة السياسية في تونس بعد عقود من الانغلاق وسطوة الحزب الواحد، حيث كان حزب التجمع الدستوري الديمقراطي يتصدّر المشهد السياسي، مع حضور شكلي لعدد قليل…

    أميمة عدواني|

  • العنف الرقمي: وسيلة لإقصاء وترهيب النساء السياسيات في الجزائر

    عقد المجلس الشعبي الوطني بالجزائر، يوم الثلاثاء 28 جويلية، جلسة علنية خُصّصت لإثبات عضوية نواب الفترة التشريعية العاشرة، والتي تُوجت بانتخاب السيدة خليدة بوفدش كأول امرأة تتولى رئاسة البرلمان في تاريخ البلاد. ورغم هذا المكسب المهم لتمثيل النساء الجزائريات سياسياً، إلاّ أنّ التشكيلة الجديدة أظهرت تمثيلاً نسائياً ضعيفا يقتصر على 25 امرأة فقط من أصل…

    ضحى عمراني|