تفرض التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب، وما تطرحه من أسئلة متجدّدة حول أوضاع النساء وحدود المساواة، الكثير من النقاش حول العنف والتمييز والهشاشة، وتحتكم إلى أبعادٍ أكثر تعقيدًا، ربّما قد لا يصل الواحد منّا إلى كنهِهَا، وهي أبعادٌ أوجبت أن نحاور أميمة جماد، الباحثة في علم الاجتماع والفاعلة النسوية، وعضو “الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء”، التي تجمع بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني.
فهي؛ من خلال اشتغالها على سوسيولوجيا النوع الاجتماعي والتحولات الاجتماعية والترابية، واهتمامها بتجارب النساء داخل سياقات مهنية واجتماعية متغيّرة، تطرح قراءة نقدية لمساراتِ اللامساواة وأشكال إعادة إنتاجها.
في هذا الحوار، نتوقّف عند رؤيتها لظاهرة العنف ضدّ النساء، وحدود “التمكين الاقتصادي”، وتحوّلات الانخراط النسائي في الحركات الاحتجاجية، إلى جانب موقع النضال النسوي في سياق اجتماعي وسياسي متغير.
ماهي الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء؟ وما طبيعة اشتغالها وتوجّهها الحقوقي؟
الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء، هي جمعية نسائية تأسّست سنة 1992، وتشتغل من منظور نسوي حقوقي، يقوم على مناهضة مختلف أشكال التمييز والعنف ضدّ النساء، والدفاع عن حقوقهن الإنسانية في شموليتها.
يندرج عمل الجمعية ضمن فعل حقوقي وترافعي، لا ضمن منطق إحساني أو مناسباتي. فهي تنخرط في رصد أوضاع النساء، والتحسيس بأشكال التمييز والعنف التي تطالهن، ونشر الوعي بالحقوق، ودعم قدرات الفاعلات والفاعلين في المجال، إلى جانب مرافقة النساء ضحايا العنف والناجيات منه، والمساهمة في الديناميات المطلبية الرامية إلى تعزيز المساواة والكرامة والعدالة.
ويقوم توجهّها على نسوية ديمقراطية مستقلة، تؤكّد استقلالية الجمعية عن أيّ توظيف حزبي أو مذهبي، مع انخراطها الواضح في معركة المساواة والعدالة الاجتماعية والمواطنة الكاملة.
كيف يمكن قراءة ظاهرة تطبيع المجتمع مع العنف ضدّ النساء، بحيث ينظر إليه أحيانا كعنف “مبرر” أو “عادي”؟
يقتضي فهم تطبيع المجتمع مع العنف ضدّ النساء الانطلاق أولاً من ضبط معنى هذا العنف وكيفية تشكّله. فالتحليل النسوي يتعامل مع النساء والرجال انطلاقاً من تعدّد مواقعهم وتجاربهم ومساراتهم؛ إذ تتفاوت أوضاع النساء بحسب الطبقة، والمجال والعمر، والوضع الأسري، والهجرة، وغيرها من المحددات، كما يوجد الرجال بدورهم داخل مواقع اجتماعية ومصلحية مختلفة.
غير أنّ المجتمع يواصل التعامل من خلال ثنائية صارمة بين “النساء” و“الرجال”، وهي ثنائية تحمل انحيازاً منهجياً، لأنّها تحجب هويات وتجارب أخرى، وتقدّم هاتين الفئتين كما لو كانتا المجموعتين الوحيدتين الممكنتين، أو كما لو كان كل منهما كتلة داخلية منسجمة.
ومن هذا المنطلق، يميل المجتمع، في تنظيمه الرمزي والعملي، إلى اختزال التنوع الإنساني في ثنائيات حادة من قبيل: رجل/امرأة، قوي/ضعيف، مشروع/منحرف، وغيرها. وتعيد هذه الثنائيات ترتيب الواقع داخل سلم متفاوت من القيمة والشرعية، أكثر مما تعكس تعقيده الفعلي، ثم تترجم هذا الترتيب إلى توزيع غير متكافئ للسلطة والموارد.
يُمكن تلخيص هذا المسار على النحو الآتي: يُختزل التنوّع الإنساني في ثنائيات حادّة، تُقدَّم هذه الثنائيات بوصفها طبيعية وبديهية، وتُلصق بكل فئة قيم وصفات غير متكافئة، فتُنتج هذه الفروق تراتبية في المكانة والاعتبار.
تُترجم التراتبية إلى امتيازات وحرمان، ثم تتحوّل الامتيازات إلى سلطة على الأجساد والحركة والصوت والقرار، وتكتسب آليات الضبط والتأديب والإقصاء مشروعية ضمنية، فيترسّخ هذا التمييز بوصفه أمراً عادياً، ويتجسّد في النهاية داخل أشكال متعدّدة من العنف، ويُعاد إنتاج النظام الأبوي وترسيخ شروط استمراره.
هل تعود جذور هذا العنف إلى عوامل دينية وثقافية، أم إلى بنى اقتصادية واجتماعية، أم إلى تداخل بين هذه العوامل؟
تكمن أهمية ما ذكرناه سابقا، في أنّه يوسّع فهم العنف خارج لحظة الاعتداء الجسدي وحده. فالعنف يبدأ منذ اللحظة التي تُفرض فيها تراتبية بين الذوات، وتُنتقص فيها قيمة بعض الفئات، وتُقيَّد حركتها، ويُنتزع منها الصوت والقرار والاعتبار. لذلك يرتبط العنف الجسدي بمنظومة أوسع تشمل العنف الجنسي، والنفسي، والاقتصادي، والقانوني، وغيرها من الأشكال التي تؤدّي الوظيفة نفسها: إخضاع النساء، وضبط مواقعهن، وإعادة إنتاج اللامساواة.
ويُحيل تطبيع المجتمع مع العنف إلى العملية التي يتحوّل عبرها العنف من فعلٍ صادم إلى سلوك مألوف، ومن انتهاك واضح إلى ممارسة قابلة للتخفيف والتأويل والتبرير. ويتغذّى هذا التطبيع داخل مجتمع ينظّم الأدوار والتوقّعات والحريات وفق تراتبية جندرية مستمرة، تعيد المؤسسات والتمثلات والخطابات اليومية إنتاجها باستمرار.
فحين تُقبل الفروق بوصفها “طبيعية”، يُصبح التمييز قابلاً للتبرير، ثم يصبح العنف قابلاً للتسامح معه أو التقليل من خطورته. وداخل هذا النسق، تتداخل الأبعاد الثقافية والدينية والاقتصادية والمؤسّساتية في إنتاج العنف واستمراره؛ فالخطابات المحافظة تمنح التفاوت بين الجنسين مشروعية رمزية، والتمثلات الثقافية تكرّسه بوصفه ترتيباً طبيعياً للأدوار والعلاقات، والبنى الاقتصادية تمنحه قاعدة مادية عبر تكريس التبعية وتضييق شروط الاستقلال ورفع كلفة الاعتراض، فيما تترجمه المؤسّسات إلى وقائع يومية حين تضعف الحماية أو تتسامح مع التمييز أو تتعامل معه بوصفه شأناً ثانوياً.
كيف يتجلّى ذلك في الواقع اليومي؟
يتجلّى هذا النظام بوضوح في الخطاب اليومي وفي الفضاءات التي تصوغ الحس المشترك. فالعنف يُعاد إنتاجه عبر الأفعال، وأيضاً عبر اللغة التي تخفّف من جسامته، أو تنقل مركز الثقل من الفعل العنيف إلى النساء التي وقع عليهن العنف.
وفي هذا السياق، ينبغي فهم ما يسمّى بـ“ثقافة الصمت” كأثر مباشر لشروط اجتماعية ومادية ورمزية تجعل البوح بالعنف فعلاً بالغ الكلفة. وتتحدّد هذه الكلفة بالخوف من الوصم، وتوقّع عدم التصديق، واحتمال الانتقام، ومخاطر فقدان الأطفال أو السكن أو مورد العيش، فضلاً عن ضعف الثقة في مؤسّسات قد تعجز عن توفير حماية فعلية أو إنصاف كافٍ. لذلك، يُقرأ الصمت بوصفه أثراً لاختلال موازين القوة، ونتيجة لضغط اجتماعي ومؤسّساتي يحدُّ من قدرة النساء على الإفصاح والمطالبة بالحماية.
إلى أيّ حدّ يساهم التفاوت في الأجور بين النساء والرجال، خصوصا في القطاع الصناعي، في ترسيخ أشكال من الاضطهاد الممنهج؟
يمتدّ أثر التفاوت في الأجور إلى مجمل شروط العمل والحماية والاستقرار، ويشكّل تعبيراً واضحاً عن عنف اقتصادي وتمييز بنيوي داخل بيئة الشغل. فالبنية المهنية تضع النساء، خصوصاً في بعض القطاعات الصناعية، داخل مواقع أقل أجراً، وأضعف حماية، وأقل قابلية للترقّي، وأكثر تعرّضاً لكلفة الاعتراض أو فقدان مورد العيش.
ويظهر ذلك في التحكّم في شروط العمل والعيش معاً: الأجر، والعقد، والاستقرار، والحماية الاجتماعية، والحقوق الأساسية.
تعمل هذه اللامساواة أيضاً عبر آليات أخرى داخل فضاء الشغل، مثل السقف الزجاجي، والجدران الزجاجية، والأرضية اللزجة، وهي آليات تُبقي عدداً كبيراً من النساء في المواقع الأدنى أجراً والأضعف حماية والأقل اعترافاً.
وتتقاطع هذه البنية مع أشكال من العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل العمل، من تحرّش جنسي، وابتزاز، واستعمال غير متكافئ للسلطة، بما يضعف قدرة العاملات على التبليغ أو المقاومة، ويجعل الحفاظ على العمل نفسه مشروطاً بالصمت أو التنازل أو تحمّل الإهانة.
هل يمكن اعتبار هذا الاستغلال، كما في حالة عاملات بعض المصانع (مثل Sicomek)، شكلاً من أشكال العنف الاقتصادي المقبول اجتماعيا؟
في استحضارنا هنا لحالة عاملات سيكوم/سيكوميك الصامدات بمكناس، بوصفهن مثالًا مكثّفًا على هذا الاستغلال، نكتشف تلازما بين العمل الصناعي المؤنث، وقابلية الأجور والحقوق للانتزاع الجماعي، إلى جانب الإهمال في التعامل مع مطالب العاملات.
ويأخذ إيقاف العمل أو إغلاق الوحدة الإنتاجية، أثرًا يتجاوز نزاع الشغل المباشر، لأنّ نتائجه تقع على نساء بُنيت حيواتهن اليومية على هذا العمل، وعلى أسر تعتمد عليه في العيش.
كما تكشف هذه الحالة كيف يُبرَّر الإهمال وسوء المعاملة بخطابات تُعيد إنتاج المنطق الاجتماعي الذكوري نفسه، القائم على ربط الرجال بمجال الإنتاج، والفضاء العام، والاعتراف الاجتماعي، في مقابل ربط النساء بمجال الإنجاب وإعادة الإنتاج الاجتماعي، والحيّز الخاص، وأعمال الرعاية غير المؤدّى عنها، بوصفها، داخل المخيال الاجتماعي الذكوري، امتدادًا “طبيعيًا” ومفترضًا لوظيفتهن داخل الأسرة.
داخل هذا التصور، يُنظر إلى الرجال بوصفهم المعيلين الأساسيين، ويُختزل دخل النساء في كونه دخلًا ثانويًا أو مساعدًا، لأنّ عملهن لا يُعامل كحقّ، بل كاستثناء قابل للتقليص أو الانتقاص.
ومن ثمّ، يُنتظر منهن القبول بشروط عمل مجحفة، أو تدبير أوضاعهن بشكل فردي، أو الانزلاق نحو العمل غير المهيكل والهش، كما لو أنّ ذلك مسار عادي في حيواتهن.
هل هناك تجارب مقاومة يمكن أن تكون مرجعا لنضالات النساء من أجل إلغاء كل أشكال التمييز ضدّهن؟
أتعامل مع هذا السؤال بتحفّظ، لأنّ تحويل تجربة بعينها إلى مرجع مركزي قد يحجب تعدّد النضالات النسائية واختلاف شروطها. فكلّ مقاومة تنشأ داخل سياقها السياسي والاجتماعي، وتطوّر أدواتها وإيقاعها وأولوياتها بحسب ما يفرضه الواقع.
ومن هذه الزاوية، تكتسب التجارب المختلفة قيمتها من قدرتها على فتح مساحات للفعل، وتوسيع إمكانات التنظيم، وفرض قضايا النساء داخل المجال العام.
كما تحمل النضالات النسائية، في تقديري، قيمة متكافئة من حيث دلالتها السياسية، حتى حين تختلف في الشكل، أو في اللغة، أو في مستوى التنظيم، أو في حجم المكاسب المباشرة. فالمعيار الأهمّ يظلّ ما تنتجه هذه النضالات من كسر للصمت، وتفكيك للتهميش، وبناء لأشكال من الوعي والتضامن والاستمرار. ويعكس تعدّدها تنوّع المواقع التي تُخاض منها المعركة نفسها.
وفي السياق الراهن، تزداد أهمية هذا المعنى مع تصاعد الحركات الفاشية والمعادية للحقوق. فالإصرار على الاستمرار، والحفاظ على إمكان الفعل، والدفاع عن المساحات القائمة، يُشكّل في حدّ ذاته مكسبًا سياسيًا. وتتحرّك هذه النضالات اليوم داخل شروط صعبة، لكنّها تواصل مع ذلك إنتاج أثرها، ولو بشكل جزئي أو متدرج.
لذلك، أرى أنّ المرجع لا يوجد في تجربة واحدة، بل في هذا التعدّد نفسه. ومع ذلك، يصعب عليّ ألاّ أستحضر نضالات النساء الفلسطينيات، لا بمعنى التجانس أو وحدة الشكل، بل لما تكشفه من تعدّد في مواقع المقاومة وأشكالها، ومن قدرة على ربط اليومي بالسياسي، والجسد بالذاكرة، والبقاء بالفعل الجماعي، في مواجهة حرب إبادة جارية، وما يرافقها من قتل وتجويع وتهجير واغتصاب وعنف جنسي.
ما طبيعة الهشاشة التي تعيشها النساء في المغرب اليوم، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو القانوني؟
تعيش النساء في المغرب أوضاعًا مركّبة من التفقير وعدم الاستقرار ونزع الحماية، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية.
وتكشف المقاربة التقاطعية أنّ بعض النساء يواجهن تراكمات متزامنة من الحرمان والعنف بحكم تقاطع النوع الاجتماعي مع الطبقة، والمجال، والوضع القانوني، والعمل، والهجرة، إلخ.
هل يُمكن لما يُسمّى بـ“التمكين الاقتصادي” أن يُشكّل مدخلا حقيقيا لمعالجة هذه الهشاشة، أم أنّه يظل محدود الأثر؟
يظلّ ما يسمّى بـ«التمكين الاقتصادي» محدود الأثر ما دام محصورًا داخل البنية نفسها التي تُنتج التفقير وعدم الاستقرار.
فالولوج إلى الشغل أو التمويل أو التكوين لا يغيّر موازين القوى ما دامت النساء يواجهن سوقًا غير عادل، وأعباء رعاية غير متكافئة، وتمييزًا في الأجور، ومسارات قانونية مرهقة.
من منظور نسوي نقدي، ماذا نعني بمفهوم “التمكين”؟ وهل يُختزل في الإدماج في سوق الشغل، أم يتجاوز ذلك نحو أبعاد أعمق تتعلّق بالتحرّر والعدالة الاجتماعية؟
من منظور نسوي نقدي، يحمل مفهوم التمكين معنى سياسيًا وهيكليًا يتجاوز الإدماج في سوق الشغل. فهو يتعلّق بقدرة النساء على اتخاذ القرار، والتأثير في الشروط التي تُنظّم حيواتهن، وتحويل الموارد إلى قدرة فعلية على الفعل والاختيار.
ومن هنا، يبرز الفرق بين تمكين يُدمج النساء في السوق بشروط مجحفة، وتمكين يُعيد توزيع السلطة والوقت والموارد والاعتراف. ويرتبط التمكين الفعلي بالقدرة على مساءلة البنية نفسها التي تنتج التفقير.
تعزّز الأدبيات النسوية هذا المعنى حين تفهم التمكين بوصفه علاقة بين الموارد، والقدرة على الفعل، وتحقيق الاختيارات. كما أنّ الترجمة الأقرب إلى روح مفهوم empowerment هي «استعادة السلطة» أو «استرجاع القدرة على الفعل»، أكثر من لفظ «التمكين» المتداول.
فالمقصود هنا هو استرجاع النساء لقدراتهن على التأثير في مسارات حيواتهن، وإسماع أصواتهن، وتحديد احتياجاتهن، والمشاركة في صياغة الشروط التي تنظّم وجودهن.
ومن هذا المنظور، لا يُحيل المفهوم إلى مسار فردي معزول، بل إلى أفق جماعي لإعادة توزيع السلطة، يقوم على الوعي، والدفاع عن الحقوق، وبناء أشكال من التضامن والفعل الجماعي.
كيف تقيّمين حضور النساء ودورهن في الحركات الاحتجاجية الأخيرة في مناطق مثل فيجيج، مكناس، وشتوكة آيت باها؟
يندرج حضور النساء في هذه الحركات ضمن امتداد تاريخي طويل لمشاركتهن في النضالات الاجتماعية والسياسية، غير أنّ ما يبرز اليوم هو أنّ جزءاً مهماً من هذه التعبئات ينطلق مباشرة من شروط الحياة اليومية ومن الحقوق الأساسية المرتبطة بالعيش الكريم.
ففي فجيج، حضرت النساء في الدفاع عن الماء بوصفه شرطاً للحياة وحقّاً جماعياً داخل الواحة.
وفي مكناس، جسّدت عاملات سيكوميك صموداً يومياً في مواجهة الطرد وانتزاع مصدر العيش.
أمّا في شتوكة آيت باها، يبرز نضال العاملات الزراعيات ضدّ ضعف الأجور، ومخاطر العمل، وغياب الحماية المهنية الكافية.
كما حضرت النساء في عدد من المدن الكبرى في مواجهة قرارات الهدم وفقدان السكن. وتكشف تعبئات جيل زاد بدورها هذا التحوّل في مركزية الحقوق الاجتماعية، حيث خرجت شعارات عفوية تضع الصحة والتعليم في المقدّمة، لا كشعارات عامّة، بل كاستجابة مباشرة لواقع اجتماعي شديد القسوة.
فحين نتحدّث عن سياق تموت فيه نساء أثناء الولادة بسبب اختلالات في الولوج إلى العلاج، يُصبح مطلب الصحّة سؤالاً وجودياً يمسّ الحق في الحياة والكرامة.
لذلك نحن أمام تعبيرات متعدّدة عن أزمة اجتماعية أعمق، تتقاطع فيها القضايا، وتكشف على ما يبدو في الظاهر عن مطالب محلية متفرّقة، فهي في العمق احتجاج على توزيع غير عادل للموارد والحماية والاعتراف.
تتّسم هذه الاحتجاجات أيضاً، باستقلالية واضحة في التعبئة، وبمسافة نقدية تّجاه محاولات الاحتواء أو المصادرة السياسية. وهنا يظهر تحوّل في معنى الانخراط السياسي؛ إذ يتّسع هذا الانخراط خارج الأطر الكلاسيكية، ويتشكّل من داخل التجربة اليومية ومن الإحساس المباشر بالظلم.
هل يعكس هذا الحضور تحوّلا في أشكال الانخراط السياسي والاجتماعي للنساء؟
يكسر حضور النساء في هذه الديناميات الصورة التي تحصرهن في المجال الخاص. فالنساء يحضرن هنا بوصفهن فاعلات، ومنظّمات، وصانعات للاستمرارية اليومية للاحتجاج.
ومن هنا، ينبغي إعادة النظر في الفكرة التي تقول إنّ النساء “بعيدات عن السياسة”. إذ تكشف هذه الديناميات ضيق التعريف السائد للسياسة أكثر ممّا تكشف غياب النساء عنها. فحين تُحصر السياسة في الحزب، والانتخابات، والمؤسّسات، تغيب عن النظر أشكال واسعة من الفعل السياسي التي تمارسها النساء يومياً.
الاحتجاج فعل سياسي، والدفاع عن الماء فعل سياسي، والمطالبة بالأجر والكرامة والحماية فعل سياسي. وهو، قبل كل شيء، حقّ يتعرّض باستمرار للتضييق والتجريم والتشويه.
كما أنّ كثيراً من هذه الحركات يحمل مضموناً نسوياً واضحاً، حتى حين يُصاغ خارج لغة الحركة النسوية. فالمسألة تتعلّق بمواقع النساء داخل البنية الاجتماعية، وبالأعباء غير المتكافئة التي يتحملنها، وبالعنف الاقتصادي والاجتماعي الذي يطالهن. وحين تناضل النساء من أجل الماء، أو شروط العمل، فهنّ يطرحن في العمق سؤال الحماية، وتوزيع الموارد، والحق في القرار. وهذا يمنح هذه النضالات بعداً نسوياً وسياسياً في الوقت نفسه.
يُعرّض هذا الحضور النساء لأشكال خاصّة من القمع. فالنساء المحتجّات يُواجهن قمعاً يستهدف الفعل الاحتجاجي، ويُواجهن في الآن نفسه عنفاً قائماً على النوع الاجتماعي يستهدف أجسادهن، وسمعاتهن، وشرعياتهن، وحقوقهنّ في الوجود داخل الشارع. لذلك يتّخذ القمع هنا طابعاً مضاعفاً: قمعاً سياسياً، وعقاباً اجتماعياً على كسر الصورة النمطية التي تريد النساء هادئات، منضبطات، وغير مرئيات في لحظات الصراع.
في ظل السياق الحالي، ما هي الأولويات النضالية التي ترينها ملحة اليوم بالنسبة للحركة النسوية في المغرب؟
أتعامل مع هذا السؤال انطلاقاً من فكرة أساسية: قضايا النساء تُقرأ خارج منطق السلم الهرمي. فالعنف، والشغل، والقوانين، والحماية الاجتماعية، والصحّة، والتعليم، والحريات، جبهات مترابطة تمسّ الحياة اليومية للنساء، وتكشف وجوهاً متعدّدة للبنية نفسها. ومن هذا المنطلق، يُشكّل تعدّد المعارك النسوية مصدر قوّة وحيوية، لأنّه يعكس تعدّد مواقع اللامساواة وتنوّع تجارب النساء داخلها.
وفي السياق نفسه، لا تحتكر أيّ جهة شرعية النضال، ولا تملك مفاتيح فتح أبوابه أو إغلاقها أمام النساء انطلاقاً من مكوّن هوياتي بعينه. صحيح أنّ بعض التنظيمات أو الفاعلات يمتلكن أحياناً قدرة أكبر على الوصول إلى الفضاءات النضالية بسبب امتيازات طبقية أو تعليمية أو اجتماعية، لكنّ هذا الواقع ينبغي أن يدفع نحو توسيع المشاركة وتفكيك الحواجز، لا نحو الفرز أو الوصاية أو الإقصاء.
فالحركة النسوية، بحكم معناها السياسي والأخلاقي، حركة مفتوحة وشاملة. وكل تمييز داخلها على أساس السن، أو الجنسية، أو الهوية الجندرية، أو وضعية الإعاقة، أو أي موقع اجتماعي آخر، يضرّ بالنساء، ويُضعف الحركة، ويخدم في النهاية البنية الأبوية التي تقوم أصلاً على التقسيم والإقصاء.
تعبّر شابات جيل زاد عن أشكال جديدة من المقاومة، ما طبيعة التحديات التي يواجهنها، سواء في الفضاء العام أو مع السلطات أثناء الاحتجاجات أو داخل البنى الاجتماعية التقليدية؟
نحن أمام جيل يتحرّك داخل سياق شديد التعقيد: صعود خطابات محافظة ومعادية للحقوق، ارتباك سياسي عالمي، هشاشة اجتماعية واقتصادية متزايدة، وتحوّلات رقمية غيّرت معنى التنظيم والتعبئة والكلام العمومي.
كما تابعنا، في هذا السياق، أشكالاً متعدّدة من التضييق على الفعل الاحتجاجي، من اعتقالات وأحكام ثقيلة ومنع ومحاولات متكرّرة لخنق الديناميات المطلبية وإضعاف قدرتها على الاستمرار.
ولا يمكن قراءة هذا الجيل ككتلة واحدة، أو كما لو أنّه يحمل مشروعاً جاهزاً ومكتملاً. هو جيل في طور التشكل، وتجربته الاحتجاجية تعرّضت للقمع، لكن ذلك لا يعني هزيمتها. فالقمع المستمرّ لا يلغي أسباب الاحتجاج، بل قد يعمّق الإحساس بالظلم، ويغذّي الوعي بحدود الوعود السياسية والاجتماعية القائمة. لذلك، قد تتراجع بعض التعبيرات الاحتجاجية في لحظة معيّنة، لكنّها تترك أثراً في المخيال الجماعي، وفي اللغة السياسية، وفي طرق التنظيم والتعبير، وفي نظرة الشابات والشباب إلى السلطة والحقوق والمجال العام.
كما تُواجه الشابات داخل الاحتجاجات تحديّات مضاعفة. فمن جهة، يواجهن ما يواجهه كل المحتجّين من مراقبة، وتضييق، وتخويف، وتجريم للفعل الاحتجاجي، رغم أنّ الاحتجاج حقّ وليس انحرافاً. ومن جهة أخرى، يواجهن عنفاً خاصّاً لأنّهن نساء شابات اخترن الظهور في الفضاء العام، ورفع الصوت، ومساءلة السلطة. لذلك لا يكون التعامل معهن محايداً: يتم أحياناً استهداف أجسادهن، أو سمعتهن، أو طريقة لباسهن، أو علاقتهن بأسرهن، بدل التعامل مع مطالبهن السياسية والاجتماعية. وكأنّ المطلوب ليس فقط إسكات الصوت الاحتجاجي، بل إعادة الشابّات إلى الموقع الذي تريده لهنّ البنية التقليدية المتمثّلة فب: الصمت، الحذر، والانضباط.
أما داخل البنى الاجتماعية التقليدية، فالتحدّي لا يقلّ عنفاً. فالشّابة التي تحتج لا تواجه السلطة فقط في الشارع، بل قد تواجه أيضاً سلطة العائلة، والجيران، والتمثلات الاجتماعية، والخوف من الوصم. هناك سؤال دائم يُطرح عليها أكثر مما يُطرح على الشاب: “علاش خرجتي؟” “آش داك لشي صداع؟” “عندك الجهد لداكشي؟” “شكون داك لتما؟” “مالك شنو ناقصك؟” “ماخفتيش يصورك شي حد؟” هذا النوع من الأسئلة يكشف أنّ المشكلة لا تتعلّق فقط بالاحتجاج، بل بحقّ النساء في الحركة، وفي الغضب، وفي التعبير السياسي.
وفي ما يتعلّق بالعلاقة بين الأجيال داخل الحركة النسوية، أعتقد أنّ الحديث عن “فجوة” ممكن، لكن يجب ألاّ يتحول إلى محاكمة. نعم، هناك اختلافات في اللغة، والأولويات، وأشكال التنظيم، والحساسية تجاه بعض القضايا. لكنّ هذا لا يعني أنّ جيلاً يلغي جيلاً آخر. فالنسوية الحقوقية التي راكمتها الأجيال السابقة حقّقت مكاسب أساسية، ودفعت كلفة سياسية واجتماعية كبيرة، ولا يُمكن التعامل معها بخفة أو اختزالها في “نسوية كلاسيكية” متجاوزة. في الوقت نفسه، لا يمكن مطالبة الجيل الجديد بأن يكرّر نفس اللغة ونفس الأدوات ونفس الخيال السياسي. لكل جيل أسئلته، وجرأته، وحدوده أيضاً.
أنا شخصياً، لا أنتمي إلى جيل النساء اللواتي أسّسن الجمعيات النسوية وراكمْن المعارك الأولى داخل المغرب الحديث، مع ضرورة استحضار ما سبقهن من نساء وضعن اللبنات الأولى للمقاومة، من أخوات الصفا وغيرهن.
ولا أنتمي أيضاً إلى جيل زاد، رغم أنّ الانتماء إلى طاقته كان سيكون شرفاً جميلاً. ربّما أجد نفسي في موقع جسر: أرى من جهة ما تمّ بناؤه، وما يجب حمايته، وأرى من جهة أخرى ما يمكن أن يولد، وما يجب الإصغاء إليه دون خوف.
وهنا أعتقد أنّ أحد أدوار هذا الجيل هو حماية المكتسبات أولاً، لأنّ الحقوق ليست نهائية ولا مضمونة. فما نعتقد أنّه تحقّق قد يتراجع، وما نعتبره بديهياً قد يُصبح موضع تهديد، كما أظهرت سياقات دولية عديدة شهدت تراجعاً عن حقوق كانت تبدو مستقرة، من بينها الحق في الوقف الإرادي للحمل. لذلك، تظل الذاكرة الحقوقية ضرورية، خصوصاً في زمن الردّة المحافظة. وحماية المكتسبات تعني الانطلاق منها لتوسيع أفق العدالة والمساواة، وفتح مسارات جديدة للنضال، بدل التعامل معها كنقطة وصول نهائية.
كما أرفض الخطابات التي تستعمل أخطاء الحركات النسوية أو اختلافاتها من أجل ضربها أو إعلان نهايتها. نعم، هناك عمل كبير يجب القيام به داخل الحركات نفسها: تحديث الأدوات، مساءلة العلاقات الداخلية، الانتباه إلى أشكال الإقصاء غير المرئية، وتجديد اللغة والاستراتيجيات. لكن هذا شيء، وتحويل النقد إلى تصفية حساب أو محاكمة نوايا شيء آخر.
أعتقد أنّنا نحتاج إلى نقد جذري، لكن بحسن نية.
إلى مراجعة، لكن دون إعدام رمزي.
إلى جرأة، لكن دون حرق التراكم.
أمّا أفق هذا الجيل، فهو مفتوح، لكنّه ليس وعداً جاهزاً. هو إمكانية تُبنى. وما يبعث على الأمل أنّ هذا الجيل لا يطلب الإذن كي يشعر بالظلم، ولا ينتظر أن تُمنح له اللغة كي يتكلّم. و
ربّما، هنا تكمن قوته الأساسية: أنّه يذكّرنا بأنّ النضال النسوي لا يبقى حيّاً لأنّه يملك تاريخاً فقط، بل لأنّه يجد دائماً من يّعيد اختراعه، بصوت جديد، وبغضب جديد، وبأمل لا يزال يُصرّ على أنّ العالم يمكن أن يكون أقلّ ظلماً.


















