في مبادرة غير مسبوقة على مستوى شمال إفريقيا، انطلقت يوم الاثنين 9 يونيو 2025 قافلة برية ضخمة حوالي 7 آلاف ناشط مؤيد للقضية الفلسطينية من دول المغرب الكبير، في طريقها إلى معبر رفح الحدودي جنوب قطاع غزة، بهدف إيصال مساعدات إنسانية والضغط على السلطات المصرية لفتح ممر إنساني عاجل إلى القطاع المحاصر.
هذا التحرك يأتي في إطار تنسيقي واسع ضمن مشروع “المسيرة العالمية إلى غزة”، المزمع انطلاقه من مدينة العريش المصرية باتجاه رفح، بمشاركة نشطاء من أكثر من خمسين دولة.
انطلاقة القافلة من تونس نحو غزة
انطلقت “قافلة الصمود” من تونس العاصمة صباح يوم الإثنين، بعد استعدادات دامت أسابيع، بمشاركة وفود شعبية من تونس، الجزائر، ليبيا، المغرب وموريتانيا.
القافلة التي تُنسق تحت اسم “قافلة الصمود”، تضم ما يزيد عن 300 مركبة بينها حافلات وسيارات إسعاف وشاحنات تحمل مساعدات غذائية وطبية. وُصفت القافلة بأنها تحرك مدني عابر للحدود، يشارك فيه أطباء، طلاب جامعيون، محامون، نشطاء، ومواطنون من مختلف الشرائح الاجتماعية، جاؤوا جميعًا يحملون شعار: “الصمود من المغرب العربي إلى غزة”.
وعبرت القافلة الحدود التونسية-الليبية يوم الثلاثاء 10 يونيو، وسط ترحيب شعبي ورسمي من جانب السلطات الليبية، حيث وصلت إلى مدينة الزاوية في الغرب الليبي في اليوم التالي، استعدادًا للانطلاق شرقًا باتجاه الحدود المصرية.
المنظمون أكدوا أنهم ينسقون مع “منظمات مجتمع مدني في ليبيا ومصر، بهدف تسهيل مرور القافلة وإدخال المساعدات إلى غزة عبر معبر رفح”.
أهداف القافلة
تهدف هذه المبادرة الشعبية إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 17 عامًا، والمطالبة بـفتح ممر إنساني عبر معبر رفح يسمح بإدخال المساعدات الطارئة للمدنيين المحاصرين. كما يطمح المشاركون والمشاركات إلى التأثير في الرأي العام الدولي ولفت أنظار وسائل الإعلام العالمية إلى الإبادة المستمرة في غزة، في ظل التدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية هناك.
منظمات مغاربية مشاركة في القافلة، مثل التنسيقية المشتركة من أجل فلسطين في تونس وليبيا من أجل فلسطين، أعلنت أن هدفهم “لا يقتصر فقط على إيصال المساعدات، بل يشمل إطلاق صرخة احتجاج مدوية من شمال إفريقيا ضد الحصار والعنف والتجويع الذي يتعرض له سكان غزة”.
ووصفت المبادرة بأنها تحرك شعبي سلمي ذو طابع إنساني بحت، لكنه محمّل بدلالات سياسية تضامنية قوية.
حراك دولي يتقاطع مع المبادرة المغاربية
بالتزامن مع التحرك المغاربي، تستعد مجموعات دولية من أكثر من 50 دولة للمشاركة في “المسيرة العالمية إلى غزة”، وهي مبادرة دولية ستنطلق من مدينة العريش المصرية باتجاه معبر رفح، يوم 15 يونيو الجاري.
ومن المتوقع أن يشارك في هذه المسيرة نحو ألفين وخمسمائة ناشط دولي، من خلفيات مهنية مختلفة، من ضمنهم أطباء، أكاديميون وأكاديميات حقوقيون وحقوقيات وطالبات وطلاب جامعيون، وفنانون وفنانات.
وتستغرق المسيرة ثلاثة أيام، على مسافة 48 كيلومترًا من العريش إلى رفح، ويتوقع أن تنتهي يوم 17 يونيو، بينما يخطط المشاركون والمشاركات للبقاء في رفح حتى يوم 19 يونيو، في انتظار الحصول على إذن رسمي للدخول إلى القطاع المحاصر.
المنظمون أشاروا إلى أنهم “يعملون على التنسيق مع مؤسسات دولية، ومنظمات غير حكومية، ودبلوماسيين للمساعدة في التفاوض مع الحكومة المصرية حول فتح المعبر”.
إسرائيل تحض على المنع ومصر تستجيب
طالب وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، اليوم الأربعاء، السلطات المصرية بمنع قافلة “الصمود” المتجهة إلى قطاع غزة من العبور عبر أراضيها، معتبراً أنها تمثل “تهديدًا أمنيًا” وقد تؤدي إلى “استفزازات” على الحدود.
وجاءت هذه التصريحات عقب وصول القافلة، التي تضم مئات النشطاء من تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، إلى العاصمة الليبية طرابلس، ضمن رحلة تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي عن غزة.
من جهتها، شددت وزارة الخارجية المصرية على ضرورة الالتزام بالإجراءات التنظيمية لزيارة المنطقة الحدودية، مؤكدة أن دخول الأفراد والمساعدات يتم حصريًا عبر تنسيق رسمي مع الجهات المختصة، حفاظًا على الأمن القومي وسيادة الدولة.
وأكدت مصر دعمها للجهود الإنسانية تجاه غزة، مع التحذير من استغلال الأزمة لأغراض سياسية أو المساس بالشؤون الداخلية لأي دولة.
في المقابل، أوضحت الهيئة التسييرية للقافلة أن المبادرة ذات طابع إنساني بحت، ولا تحمل أي أجندات سياسية، مشددة على احترامها للسيادة المصرية وسعيها المسبق للتنسيق مع السلطات المعنية لضمان المرور الآمن.

ترحيل نشطاء مغاربة من مطار القاهرة
أقدمت السلطات المصرية، يوم أمس الأربعاء 11 يونيو، على ترحيل عدد من النشطاء والناشطات المغاربة فور وصولهم إلى مطار القاهرة، وذلك في خطوة مفاجئة أثارت ردود فعل غاضبة من الأوساط المتضامنة مع القضية الفلسطينية.
وكان النشطاء قد سافروا إلى مصر بهدف الانضمام إلى “المسيرة العالمية إلى غزة”، التي تنطلق يوم الجمعة 13 يونيو من مدينة العريش باتجاه معبر رفح الحدودي، بمشاركة وفود تضامنية من أكثر من خمسين دولة.
ومن بين الأسماء التي شملها الترحيل الناشطة الحقوقية جميلة العزوزي، المعروفة بمواقفها الداعمة لفلسطين، والتي كانت تستعد للمشاركة في الفعالية الدولية التي تهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة.
تقارير صحفية مغربية، أفادت بأن القرار اتُّخذ دون توضيح رسمي من الجهات المصرية، في وقت دخل فيه الوفد المغربي إلى البلاد بشكل قانوني.
واعتبرت جمعيات مدنية أن الترحيل يعكس سياسة تضييق على النشاط المدني والتضامني مع الشعب الفلسطيني، ويطرح تساؤلات حول التزامات القاهرة الإنسانية والدبلوماسية.
ويأتي هذا التطور قبل أيام قليلة من انطلاق واحدة من أوسع التحركات الدولية المطالِبة برفع الحصار عن غزة، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الإعلامي والحقوقي العالمي بالمشاركة الشعبية في هذه المسيرة.
التفاعل الدولي والإعلامي
حظيت القافلة والمسيرة الدولية بتغطية واسعة في وسائل الإعلام العالمية، حيث نشرت وكالات مثل أسوشيتد برس (AP) وذا غارديان (The Guardian) تقارير مفصلة عن القافلة المغاربية، مسلطة الضوء على التحرك الإقليمي الواسع والنقاش المتصاعد حول فاعلية الدبلوماسية الشعبية في مواجهة السياسات القمعية.
كما أعلنت منظمات طلابية دولية، منها “طلاب من أجل العدالة في فلسطين” – فرع أمستردام، أنها بصدد إرسال وفد طلابي للمشاركة في المسيرة، وقد أطلقت حملة تمويل جماعي لجمع التبرعات اللازمة لتغطية تكاليف الرحلة إلى القاهرة.
علامة فارقة
“قافلة الصمود” والمسيرة العالمية نحو غزة تشكلان علامة فارقة في تاريخ الحركات الشعبية الداعمة لفلسطين، إذ تجمعان بين الحراك الإقليمي من دول المغرب الكبير، والزخم الدولي من مختلف القارات، بهدف إنساني واحد، هو كسر الحصار ورفع الظلم عن سكان غزة.
رغم التحديات، فإن الرمزية الكبيرة لهذه المبادرات – سواء تم السماح لها بالوصول أم لا – تساهم في إعادة تسليط الضوء على الوضع الإنساني المتدهور في قطاع غزة، وتُثبت أن التضامن الشعبي عبر الحدود لا يزال قادرًا على إحداث تأثير في الضمير العالمي.















