خرجت، اليوم 25 ديسمبر 2025، من مدينة الرديف التابعة لولاية قفصة ومن شوارع العاصمة بتونس أصوات غاضبة ومثقلة بالأسئلة، في مسيرات ووقفات احتجاجية طالبت بفتح تحقيق جدّي وشفاف في حادثة احتراق الممرضة أزهار عميدي (التي وافتها المنية في نفس اليوم) داخل المستشفى المحلي بالرديف. لم تكن هذه التحرّكات مجرّد ردّ فعل آني على واقعة صادمة، بل تعبيرًا عن شعور جماعي بأن ما حدث يتجاوز حدود “الحادث العرضي” ليكشف عن خلل أعمق في بيئة العمل داخل المؤسسات الصحية، وعن عنفٍ إداريّ يُمارَس في صمت.
فالحادثة التي تعرّضت لها الممرضة، بعد إغمائها خلال دوام عمل مكثّف، أعادت إلى الواجهة سؤال الضغط المهني والهرسلة التي تواجهها العاملات في القطاع الصحي، خصوصًا في الجهات المهمّشة. ووفق شهادات من عائلة الضحية لـ”هنّ”، لم يكن الإنهاك وليد يوم واحد، بل نتيجة تراكم طويل من ساعات العمل الثقيلة، والتعامل الفظّ، وانعدام آليات الحماية والدعم النفسي، في ظل علاقة سلطة غير متوازنة داخل المؤسسة.
بهذا المعنى، تتحوّل الاحتجاجات من فعل تضامن إلى محاكمة رمزية لمنظومة كاملة اعتادت تطبيع الإرهاق والتعنيف المعنوي تحت مسمّى “واجب المهنة”. منظومة يُطلب فيها من الممرضة أن تتحمّل كل شيء: نقص الإطار، نقص المعدّات، ضغط الوقت، توتّر المرضى، وقرارات الإدارة، دون أن يُطرح سؤال الكلفة الإنسانية لهذا التحميل المستمر.
ما حدث في الرديف، وما تبعه من تحرّكات في العاصمة، يضعنا اليوم أمام ضرورة إعادة تعريف ما نسمّيه “حادث عمل”، والاعتراف بأنّ الهرسلة والضغط المتواصلين ليسا معطيات هامشية، بل عوامل قد تدفع الأجساد والنفوس إلى حافة الانهيار.
رواية العائلة: من التهوين إلى كشف الحقائق
تروي آمال بوعوني، ابنة عمّة الممرضة أزهار عميدي -قبل وفاة الضحيّة بيوم-، أنّ العائلة تلقت في الساعات الأولى بعد الحادثة رواية مغايرة تمامًا لما تبيّن لاحقًا على أرض الواقع. ففي صباح اليوم الموالي، أُبلغت عائلة أزهار بأنّ الحروق التي أصيبت بها “بسيطة” ولا تدعو للقلق، وهو ما دفع شقيقتها ندى عميدي إلى التوجّه إلى المستشفى فقط للاطّلاع على طبيعة الإصابة.
غير أنّ ما عاينته العائلة داخل القاعة، بحسب الشهادة، لم يكن متطابقًا مع الرواية المقدّمة. فالحروق بدت بالغة ومتقدمة، وهو ما أثار منذ اللحظة الأولى شكوكًا جدّية حول حقيقة ما جرى، وحول أسباب التقليل من خطورة الوضع. وتضيف بوعوني أنّ العائلة لم تتحصّل على توقيت دقيق للحادثة، إذ تراوحت الروايات بين الثالثة صباحًا وقرابة الفجر، دون أي توضيح رسمي مضبوط.
تمّ نقل أزهار إلى ولاية قفصة في حدود السابعة والنصف صباحًا، لكن مسار التكفّل بها اتّسم، وفق الشهادة، بالتأخير والمماطلة. ولم يُؤمَّن لها سرير في مركز مختص بالحروق البليغة ببن عروس بتونس العاصمة إلا في حدود الرابعة مساءً، بعد تدخلات وضغوط من أطراف جهوية وعائلية. اللافت، كما تؤكد قريبتها، أنّ أزهار نُقلت دون مرافقة من أيّ من زملائها وزميلاتها أو من الإطار الطبي الذي يعمل معها، “وكأنها ليست زميلتهم”.
خلال اجتماع مع بعض زميلاتها، تنقل بوعوني شهادة إحدى الممرضات التي عبّرت صراحة عن خوفها على أزهار، مؤكدة أنّها كانت تتعرض لضغوط ومضايقات متواصلة من مدير المستشفى، وأن هذا الضغط بلغ مستوى خطيرًا. وتضيف الشهادة أنّ المدير، وهو المسؤول الأول بالمؤسسة، منع زملاءها وزميلاتها من الحديث معها، وهدّد كل من يتواصل معها بالعقوبة.
تشير بوعوني إلى أنّ أزهار كانت تمتلك وثيقة صحية رسمية تثبت عدم قدرتها على العمل ليلًا، ورغم ذلك أُجبرت على مباشرة مناوبات ليلية. كما تؤكد أنّ زملاءها قد صرّحوا بأن الضغط لم يكن موجهًا إليها فقط، بل طال الإطار بأكمله، مع استهداف خاصّ لها.
أما بخصوص لحظة الحادثة، فتفيد الرواية التي نُقلت للعائلة بأنّ أزهار دخلت إلى قاعة الاستراحة، قبل أن يُغمى عليها وتسقط على التدفئة الكهربائية chauffage électrique، لتبقى دون وعي لفترة. وبعد استفاقتها، خرجت إلى الممر وهي تحترق، حيث شاهدها أحد زملائها ونُقلت على إثر ذلك إلى قسم الاستعجالي.
وتتوقّف الشهادة عند ما تعتبره محاولة للتغطية على ما حدث، إذ تؤكد بوعوني أنّ القاعة التي شهدت الحادثة تم تنظيفها بالكامل في اليوم نفسه، وتمت صباغتها وإزالة المعدات الموجودة بها، فضلًا عن إصلاح التدفئة المركزية Chauffage centrale لاحقًا، وهو ما اعتبرته العائلة طمسًا لأدلّة محتملة. كما عبّرت عن فقدان الثقة في اللجنة التي حضرت للتحقيق، خاصّة بعد تبيّن أنها لجنة جهوية من نفس الولاية، وليست لجنة مستقلة من العاصمة كما تم الإيحاء في البداية.
تختم آمال بوعوني شهادتها بالتأكيد على أنّ العائلة متمسكة بالمسار القانوني، وأن ما تعرّضت له أزهار لا يمكن اختزاله في حادث شغل، بل هو نتيجة ضغط نفسي وإداري متواصل. وتقول قبل وفاتها بيوم واحد:”مصير أزهار بيد الله، لكن حقها لن نتركه”. كما تشير إلى وجود تسجيلات مصوّرة وشهادات موثّقة لزملائها وزميلاتها -تمّ مدّنا بها-، بعضهم.ن يفضّل عدم ذكر اسمه خوفًا من التتبعات القضائية، وهو ما يعكس، بحسبها، مناخ الخوف الذي يحيط بالقضية.
من الناحية القانونية، يُعد تشغيل أزهار في النوبة الليلية رغم وجود شهادة طبية تمنع ذلك مخالفة صريحة لمجلة الشغل التونسية. إجبار أزهار على العمل ليلاً رغم وجود شهادة طبية يعد مخالفة صريحة للقانون، ويشكل إخلالًا بالتزامات مدير المستشفى تُجاه إطاره الطبي، ما يمكن أن يشكّل أساسًا لمطالبة قضائية. كما أنّ الضغط النفسي، التهديد ومنع الزملاء والزميلات من دعمها يمكن اعتباره تجاوزا لا يعكس هول الكارثة التي حلّت بالضحية فحسب بل تنعكس نتائجه على المرضى المقيمين في المستشفى والذي يبحثون عن إطارا طبيّا قادرا على الإحاطة بهم.ن نفسيا وجسديا.
تعكس هذه الواقعة الازدواجية في تجربة النساء في بيئة العمل الصحية: فبينما يوفر القانون والمعاهدات الدولية حماية صحية للنساء، فإن الممارسات التعسفية مثل الهرسلة، فرض العمل الليلي، والإقصاء من الدعم، تكشف فجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي، وتسلط الضوء على ضرورة تطبيق فعال للحقوق وحماية النساء من التمييز والضغط النفسي في جميع مستويات المؤسسات، لا سيما في القطاعات التي تتطلب مسؤولية عالية مثل الصحة.
من قلب المستشفى: زملاؤها يكشفون معاناة أزهار اليومية
حسب شهادات زملاء وزميلات أزهار في العمل، فقد تم نقل الضحيّة إلى القسم الداخلي للمستشفى في ظروف مشددة للغاية، حيث أُطفئت الأنوار ولم يُترك لها أي مجال ليراها المرضى، وتم التعامل معها بعجلة وكأنّها مُقيّدة في كل خطوة. ووصفت احدى الممرضات الحالة بأنها ضغط نفسي شديد، قارب الانهيار النفسي، حيث حاولت أزهار التماسك، لكنها كانت محاطة بعوامل عديدة أثّرت عليها نفسيًا بشكل كبير، وغمرتها مشاعر الإحباط والعزلة.
“كانت أزهار تصلي وتبكي، وتعبر عن استنزافها النفسي الكامل، متسائلة عن سبب كل ما تتعرض له وعن سبب تركها وحيدة في هذا الوضع القاسي، معربة عن رغبتها أحيانًا في التوقف عن العمل بسبب الضغط المتواصل” حسب شهادة صديقتها المقرّبة.
كما أكّدت زميلتها أنّ هذا الضغط النفسي لم يقتصر عليها وحدها، بل كان جزءًا من واقع يومي يتعرض له الجميع، حيث يُمنع الموظفون من الكلام أو التعبير عن الحقائق، حتى عبر الصفحات أو القنوات التي تهتم بمراقبة أوضاع العاملين.
وأضافت الشهادة أنّ أزهار وصلت إلى درجة استنزاف جسدي ونفسي شديدة، بحيث لم تعد قادرة على تناول الطعام أو الشراب، ولا على التعرض للشمس، في مشهد يعكس حجم التوتر النفسي والظروف اللاإنسانية التي واجهتها. كما خلصت زميلتها إلى أنّ هذه اللحظات، رغم صدقها وتأثيرها العاطفي الكبير، تكشف عن واقع مهني غير معقول ويحتاج للتحقيق والرقابة الفعلية.
ووفق شهادات أخرى وثّقتها العائلة، فإن الحادثة لم تكن مجرد خللاً عرضيًا، بل هي نتاج تراكمات طويلة من التجاوزات الإدارية داخل المستشفى، مع تسجيل أكثر من سبعين مخالفة نسبت إلى المدير المباشر، الذي يُوصف بأنّه متفرد بالرأي والقرار. وأكّد الشهود -حسب ما وثّقته العائلة- أنّ هذه المخالفات موثقة، بما في ذلك تقارير طبية متخصّصة في الجودة والكفاءة، لكنّها لم تُقدّم ولم تُدرس، ما أدى إلى تجميد آليات الرقابة والمتابعة، رغم أن الوزارة حدّدت معايير واضحة للتشغيل السليم.
وأشار الشهود إلى أنّ الوضع داخل المستشفى كان يشهد ضغطًا متواصلًا منذ الصباح، خاصة على النساء العاملات، مع ممارسات تعسفية من الإدارة شملت رفع الصوت، الصراخ، والتعامل بعنف لفظي، إضافة إلى منع أي تدخل إنساني أو دعم للموظفة المتضررة. ووصف أحد الشهود أنّ الإجراءات التي اتُخذت لرفع أزهار أو التعامل معها تمت بشكل غير إنساني، وسط تسجيلات بالكاميرات وأدلة مادية على تحطّم معدات خلال الحادثة، ما يعكس حجم الإهمال وسوء التنظيم والتعامل مع الموظفين تحت ضغط مستمر.
النقابة تتحدث: تراكم التجاوزات ومطالبة بالمحاسبة
أكّد محمود محجوبي، عضو النقابة الأساسية بمستشفى الرديف وناشط ميداني، أنّ أزهار المشهود لها بالأخلاق والعمل الجاد، تعرضت للإغماء وسقطت على سخّان كهربائي نتيجة للإرهاق، في ظروف كان من الممكن تلافيها لولا قصور التجهيزات وغياب التدفئة المناسبة. وأشار إلى أن تدخلات الزملاء والأطباء نجحت في تقديم الإسعافات الأولية ونقلها إلى المستشفى الجهوي بقفصة، ثم لاحقًا إلى قسم الحروق البليغة ببن عروس بتونس العاصمة، بعد تأخير نتيجة عدم توفر تجهيزات كافية وعدم احترام ظروف عملها الليلي، رغم وجود شهادة طبية تمنعها من ذلك.
وأضاف محجوبي أن النقابة تدعم كل الإجراءات الرامية لمحاسبة المسؤولين عن الضغط والإهمال، وتؤكد على ضرورة فتح تحقيق إداري وأمني مستقل وشفاف، بما يضمن حماية حقوق الضحايا والمحاسبة القانونية لكل من كان له دور في الحادثة أو في المضايقات السابقة. وأكد أن الثقة في لجان التحقيق مرتبطة بوضوح مصدرها وكفاءتها، وأن أي غموض أو انتماء جهوي غير شفاف قد يقلل من مصداقية النتائج ويزيد من الاحتقان لدى الأسرة والزملاء والزميلات.
فتح التحقيق في هذا النوع من القضايا، التي تجمع بين الهرسلة، الإهمال المهني، والانتهاكات الإدارية، خصوصًا بحق النساء العاملات، غالبًا ما يواجه تحديات متعددة في تونس. فحتى مع وجود نصوص قانونية واضحة لحماية حقوق العاملين.ات، إلا أنّ تطبيقها يظل مرتبطًا بكفاءة الجهات المعنية واستقلاليتها، كما أنّ التراكمات السابقة والتداخلات الإدارية قد تُبطئ سير العدالة. ومع ذلك، يمكن أن تؤدي المتابعة النقابية المستمرة، وتوثيق الأدلة، وتدخلات الجهات الوزارية المختصة إلى تحقيق نتائج ملموسة، خصوصًا إذا تم التأكيد على استقلالية التحقيقات وشفافية الإجراءات، ما يعزز الثقة في النظام القضائي والإداري ويتيح للضحايا استرجاع حقوقهم كاملة.
إصلاحات مطلوبة وحماية النساء في بيئة العمل
حادثة أزهار عميدي ليست مجرد واقعة فردية أو خطأ مهني، بل تمثل انعكاسًا عميقًا للضغوط النفسية والإدارية التي تواجهها النساء في بيئة العمل الصحية في تونس. فالتراكمات الإدارية، والإجبار على العمل الليلي رغم وجود شهادات طبية، ومنع الدعم من الزملاء والزميلات، جميعها عناصر تعكس واقعًا أوسع من الهرسلة والممارسات التعسفية التي تهدّد السلامة الجسدية والنفسية للممرضّات والعاملات بشكل عام.
من منظور تقاطعي، يتّضح أن هذه الانتهاكات لا تصيب النساء بوصفن نساء فحسب، بل تتفاقم لدى من يشغلن مواقع ضعيفة أو معرّضات للتهميش، ممّا يبرز تداخل العوامل الجندرية والمهنية والإدارية في تكريس الضعف والهشاشة داخل المؤسّسات.
إنّ فتح التحقيقات المستقلة، سواء الإدارية أو الأمنية، يمثل خطوة أساسية لاستعادة حقوق الضحايا وضمان المساءلة، لكنه لا يكتفي بمعالجة الحادثة الفردية، بل يشكّل مؤشرًا على الحاجة إلى إصلاحات هيكلية تضمن بيئة عمل آمنة، تراعي الصحة الجسدية والنفسية للنساء، وتمنع أيّ شكل من أشكال التمييز أو الهرسلة. كما يسلط الضوء على أهمية تطبيق القوانين بصرامة وحماية الموظفات اللواتي يتقدمن بشكاوى، لضمان العدالة والمصداقية، وتعزيز ثقافة مؤسساتية قائمة على الاحترام والمساواة.
رغم ما آلت إليه الحادثة من آلام وأوجاع بعد وفاة الممرّضة أزهار عميدي، إلاّ أنّها قد تكون نقطة انطلاق لتسليط الضوء على العلاقات السلطوية والتمييزية في بيئات العمل، وضرورة مقاربة نسوية وتقاطعية في جميع آليات الرقابة والحماية، لضمان عدم تكرار مأساة مشابهة مستقبلاً.



















