أزمة الكهرباء في تونس.. كيف تؤثر “التبعية الطاقية” للجزائر على الحياة التونسية؟

بصوت منهك، وذراع تتوسّطه كانيولا مثبتة بشريط لاصق أبيض يمتد منها أنبوب التقطير الوريدي، صاعدا إلى كيس السيروم المنتصب بجانبها، ظهرت السيدة سيرين الشابي، المصابة بالسرطان، وهي تُناشد السلطات التونسية عبر مقطع فيديو نشرته على حسابها بأحد منصات التواصل الاجتماعي.

كان ذلك، بعد أن باغت الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي المجمع الطبي الذي تتلقى فيه علاجها الكيميائي مذكّرة بأنّ المصابون والمصابات بالسرطان يمتلكون حساسيّة مفرطة تجاه درجات الحرارة المرتفعة، وأنّ غياب التبريد وتعطّل الأجهزة الطبية  وتعليق العلاج في مثل هذه الأجواء يُفاقم معاناتهم ويهدد حيواتهم.

تتزامن هذه الانقطاعات المتواصلة، مع دخول البلاد، منذ  مطلع شهر جويلية، في موجة حرّ استثنائية وغير مسبوقة تُعرف محلياً بـ “الصمايم”، أين سُجّلت فيها درجات حرارة قياسية، بلغت ذروتها في مدينة القيروان بتسجيل 49.7 درجة مئوية، كأعلى درجة حرارة رُصدت على سطح الأرض في ذلك اليوم، وفقاً للمرصد التونسي للطقس والمناخ (OTMC).

في المقابل لا يكاد غضب المواطنين والمواطنات يهدأ، إذ لم تتوقف منصات التواصل عن نقل تفاصيل المشهد اليومي للتونسيين والتونسيات في ظل انقطاع الكهرباء من تدوينات وصور وفيديوهات لأشخاص يوثّقون؛ تسجيل  حالات وفاة،  أطفال ونساء عالقين داخل المصاعد، وصولاً إلى تلف الأجهزة المنزلية ومعدّات ثمينة لأصحاب مؤسسات ومشاريع صغرى.

هكذا بدأ شهر جويلية في تونس، شهر تُخيّم عليه العتمة والعطش والغضب من انقطاعات طالت المياه أيضا لأيام ولساعات طويلة وامتدت تقريباً إلى كامل ولايات الجمهورية. هذا الشلل المفاجئ فجّر موجة احتقان وغضب غير مسبوقة في صفوف المواطنين والمواطنات، سيما في المناطق المهمشة والداخلية، حيث خرج الآهالي وفي مقدمتهم النساء للاحتجاج والتظاهر بعد أن أعاقت هذه الانقطاعات نسق الحياة اليومية أمام تعثّر تدخّل السلطات وضبابية المشهد العام.

في هذا التقرير، نسلّط الضوء على تأثيرات موجات الحرّ على الفئات الأكثر هشاشة، وما تخفيه هذه الانقطاعات في التيار الكهربائي. كما نعود بقراءة في طبيعة العلاقة الطاقية بين تونس والجزائر، وضمانات استمرار الإمدادات في ظل التهافت الأوروبي المحموم على الغاز الجزائري منذ اندلاع الحرب الأكرانية. 

تداعيات  الحرارة على الفئات الأكثر هشاشة 

خلال تدوينة نشرها عبر حسابه على فيسبوك، يُفسّر الخبير البيئي حمدي حشّاد أنّ ما تعيشه تونس اليوم لا يمكن عزله عن سياق تغير مناخي إقليمي  وعن موجة الحرّ التاريخية التي اجتاحت غرب وجنوب أوروبا خلال الأيام الماضية و يوضّح  أنّ  منطقة البحر الأبيض المتوسط دخلت مرحلة “احترار استثنائي”.

“سجّلت مناطق واسعة من غرب المتوسط درجات حرارة سطح البحر تتراوح بين 29 و32 درجة مئوية، مع وصول الانحراف عن المعدلات المناخية إلى 8 درجات مئوية في بعض المناطق، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله مطلع شهر يوليو منذ بداية القياسات الحديثة ، كما امتدت مساحات شاسعة من البحر لتسجل انحرافات تتجاوز 6 درجات مئوية فوق المعدل، في مؤشر واضح على الحجم غير المسبوق لهذه الموجة البحرية الحارة. ولا تقف التأثيرات عند السواحل الأوروبية فقط، إذ بدأت حرارة البحر المرتفعة تمتد تدريجيا نحو وسط  منطقة البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك السواحل التونسية”. حسب الخبير البيئي حمدي حشّاد.

وفي ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي والماء أصبح الطقس الحارّ يمثّل مصدر قلق يهدد حياة المواطنين والمواطنات خاصّة وأنّ فصل الصيف بشكل عام يمكن أن يؤثر على  صحة الأشخاص سيما الفئات الأكثر هشاشة وحساسية للحرّ. في هذا السياق، يؤكّد الطبيب العام محمد مرابط  في حديثه لمنصة “هنّ”:  “أنّ النساء الحوامل يُعتبرن من الفئات الأكثر تأثّراً بالحرارة المرتفعة نظراً لأجسادهن التي تكون أكثر حساسية وتضاعف التغييرات الهرمونية شعورهن بالحر، حيث يُمكن أن يؤدّي نقص الماء مع الحرارة إلى تقلصات رحمية مبكرة تؤثر على نمو الجنين وتقود للولادة المبكرة، كذلك يمكن  أن تمدّد الأوعية الدموية وتقود لهبوط التوتر الشرياني الذي يفاجئ الحامل بدوخة قوية ووهن قد يؤدّي لسقوطها وإصابتها. “

ويضيف  الدكتور مرابط أنّ “مخاطر درجات الحرارة المرتفعة  تمتد لتشمل الأطفال والرضع أيضا الذين ما زالت أجسادهم تتدرّب على تعديل حرارتها، كما أنّ بشرتهم الرقيقة تفقد الماء بسهولة عن طريق العرق والتنفس، ممّا يجعلهم عرضة لضربات الشمس وخاصّة عند تجاوز الحرارة 40 درجة مئوية التي قد تقود للتشنجات والجفاف الحاد، وتظهر علامات الخطر لديهم في جفاف الفم، وغرق العينين، والبكاء بلا دموع، والخمول الشديد.” 

وبحسب الدكتور مرابط “تنضم فئة كبار السن إلى الفئات الهشة والأكثر حساسية للحرّ  لكون إحساسهم بالعطش يقل مع تقدم العمر ممّا يعرض أجسادهم للجفاف دون تفطنهم لذلك، وهو ما يضر بالكلى مباشرة مسبباً قصوراً كلوياً حاداً، كما يزيد من لزوجة الدم مجهداً القلب ومسبباً جلطات أو أزمات قلبية، وتتمثل علامات جفافهم الأولى في التلعثم في الكلام والوهن وفقدان التوازن.” ولتفادي هذه المضاعفات الخطيرة، يشدّد الدكتور مرابط على ضرورة الوعي أولاّ، ثم الوقاية عبر تبريد الغرف قدر الإمكان، وتجنب الأطعمة المالحة والثقيلة المسببة لعسر الهضم، والتركيز على الخضر والغلال الغنية بالماء، مع إلزامية تجنب الحوامل للخروج أوقات الذروة وشرب الكثير من الماء وارتداء ملابس قطنية واسعة.

ما وراء أزمة الانقطاع المتكرّر للتيار الكهربائي 

تبدو أزمة التيار الكهربائي ظاهريا في تونس نتيجة لطفرة استهلاكية في الطاقة وتراجع حصتها من قبل جارتها الجزائر، إلاّ أنّ هذه التداعيات وإن بدت موسيمية، فهي ليست سوى “الشجرة التي تخفي الغابة”. وحسب عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز، إلياس بن عمار، هي أزمة مزمنة ونتاج لسياسات طاقية فاشلة تراكمت على مدار العقد الماضي، واّتسمت بغياب التخطيط الاستراتيجي، والتعويل المفرط على القطاع الخاص، مقابل التفريط في مشاريع ومقترحات الشركة الوطنية للكهرباء والغاز (الستاغ) والاتجاه نحو خوصصة القطاع.

يؤكّد بن عمار أنّ الأزمة مركّبة ولا يمكن قراءتها بمعزل عن التوجّه العام لسلطة الإشراف، أو عن طبيعة العلاقات الطاقية بين تونس والجزائر. ويوضّح أنّه “في مقابل الارتفاع القياسي لمعدلات الاستهلاك، واجهت البلاد إشكاليات بنيوية؛ إذ اعتمدت الدولة بشكل مفرط على توريد الطاقة من الجزائر، غير أنّ هذه الأخيرة لم تزوّد تونس بالكميات المطلوبة مؤخراً لرغبتها في الحفاظ على توازن شبكتها الداخلية التي واجهت بدورها ضغوطاً وأعطالاً تقنية طالت 16 ولاية جزائرية، جراء موجة الحر التاريخية، مسجّلة ذروة استهلاك قياسية بلغت 21,870 ميغاواط، ممّا أثّر مباشرة على الحصّة الموجّهة إلى تونس.

وأمام عجز الإنتاج المحلي عن تغطية الحاجيات، أصبحت عملية “القطع الدوري والظرفي” هي الحل الفني المتاح لإدارة الطاقة المتوفرة. ويُرجع بن عمار هذا العجز إلى رفض سلطة الإشراف الاستجابة لمطالب “الستاغ” بإنشاء محطات للطاقة المتجدّدة في كل من سوسة والصخيرة وغيرها من المناطق، فضلاً عن عدم التزام القطاع الخاص بتعهداته في لزمات عام 2019 حيث لم يُوفّر سوى 200 ميغاواط من أصل 500 ميغاواط كان من المفترض إنتاجها.

فجوة حادّة بين الإنتاج والاستهلاك 

تتطابق قراءة بن عمار مع البيانات الرسمية المتعلقة بالطاقة،  إذ كشفت معطيات التقرير السنوي للبنك المركزي أنّ التبعية الطاقية باتت المصدر الأكبر لاختلال التوازنات الخارجية لتونس، حيث ارتفع العجز الطاقي سنة 2025 إلى 11.144 مليار دينار، بزيادة قدرها 274 مليون دينار مقارنة بسنة 2024، ليمثل هذا العجز وحده أكثر من نصف العجز التجاري الإجمالي للبلاد (البالغ 21.8 مليار دينار).

ويعود ذلك أساساً إلى تواصل تراجع الإنتاج الوطني من النفط بنسبة 12%، وتراجع إنتاج الغاز التونسي خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 بنسبة 12.2%، مسجّلاً 1.001 مليار متر مكعب مقارنة بـ 1.14 مليار متر مكعب للفترة ذاتها من عام 2024. 

هذا التراجع يعكس اتساع الفجوة  بين الإنتاج والاستهلاك المحلي، سيما وأنّ قطاع الكهرباء التونسي يعتمد بصورة شبه كلية أي بنسبة تتجاوز 95% على الغاز الطبيعي لتوليد التيار الكهربائي المتأتي من  جارتها الجزائر.

من جهتها، كشفت معطيات موقع “طاقة” أنّ واردات تونس من الغاز الجزائري سجلت ارتفاعاً بنسبة 8% خلال الربع الأول من عام 2026، لتبلغ نحو 694 ألف طن مكافئ نفطي (ما يعادل 4.93 مليون برميل)، في محاولة مستمرة لتغطية العجز المقلق.

أزمة مزمنة وعلاقة طاقية غير مضمونة

تستأثر الجزائر بإنتاج كميات هامة  الغاز الطبيعي في المنطقة، كما تُعدُّ من أكثر الدول العربية إنتاجا للتيار الكهربائي، ويمثّل قطاع الغاز  أبرز مصادر توليد التيار الكهربائي  وركيزة أساسية يعتمد  عليها الاقتصاد الجزائري. تُنتج الجزائر ما يفوق 95 جيغاواط/ساعة، أي بنسبة 99 بالمائة من الغاز الطبيعي لتوليد التيار الكهربائي  الطبيعي وفق أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA).

في المقابل، تنبني المنظومة الكهربائية التونسية منذ عقود طويلة وما تزال على الغاز الطبيعي بنحو 97 بالمائة من إنتاج الكهرباء. ويأتي النصيب الأوفر من هذا الغاز من الجزائر عبر قناتين: عقود الشراء المباشرة من شركة “سوناطراك”، والإتاوة التي تستخلصها تونس عيناً أو نقداً مقابل عبور الغاز الجزائري نحو إيطاليا.

هذه العلاقة الطاقية (بين تونس والجزائر)، ليست وليدة اليوم، بل هي علاقة موغلة في القدم تمتد جذورها  إلى السبعينات، وتكرست رسميا مع دخول أنبوب “ترانسماد” العابر نحو إيطاليا حيّز الاستغلال في الثمانينات. وعلى مرّ العقود الطويلة والأنظمة المتتالية، استقرت الجزائر كالمزوّد الوحيد الذي تستورد منه تونس الغاز الطبيعي دون أي تغيير أو تنويع في المصادر.

في قراءة تحليلية لأبعاد هذا الارتباط الأحادي التاريخي، يرى المحلل السياسي والأكاديمي طارق الكحلاوي في حديثه لمنصة “هنّ”، أنّ “العلاقة الطاقية بين تونس والجزائر وإن كانت تبدو مستقرة ظاهرياً بفعل تقادمها، إلا أنّها ليست شراكة بالمعنى الدقيق، بل هي “تبعية بنيوية تُديرها حاجات سياسية”.

ويؤكّد الكحلاوي أنّ “هذه العلاقة التبعية المزمنة لا تفرض تنازلات تعاقدية معلنة، بل تتسبّب في ما يمكن تسميته بـ “انكماش هامش القرار”؛ لاسيما وأنّ السلطة القائمة عمّقت هذا الارتباط التاريخي بجعل العلاقة مع الجزائر ركيزة شبه وحيدة لسياستها الإقليمية. وهذه النقطة بالذات هي الأخطر، فالتبعية لا تكمن في الاستيراد ذاته،  ذلك أنّ كل دول العالم تستورد طاقتها،  بل في غياب التنويع، جغرافياً وتقنياً، والارتهان لنفس المورّد طيلة هذه العقود.”

الجزائر المورّد الوحيد بضمانات هشّة 

رغم القرب الجغرافي،  وقدم العلاقة التاريخية بين البلدين، والشراكات الكثيرة في مجالات أخرى، إلاّ أنّ الضمانات الفعليّة لاستمرار واستقرار هذه العلاقة الطاقية بين تونس والجزائر تظل هشّة بحسب الكحلاوي، ولا يمكن ضمانها بشكل مطلق. وحسب رأيه، “هناك ثلاث ضمانات تحكم هذه العلاقة وكلها هشّة؛  أوّلها العلاقة السياسية، وهي متغيّر ظرفي لا أصل ثابت. وثانيها قيمة العبور: فتونس ممرّ “ترانسماد” نحو إيطاليا، وهذه ورقتنا التفاوضية التاريخية، لكنّها ورقة تتآكل نسبيًا لأنّ الجزائر وإيطاليا معًا نوّعتا المسالك والبدائل، ولم يعد المرور عبر التراب التونسي احتكارًا جغرافيًا كما كان. وثالثها قدرة تونس على الخلاص، وهي موضع سؤال مع الضائقة المالية وتراكم مستحقات الطرف الجزائري على المؤسسات العمومية التونسية.”

ويضيف الكحلاوي أنّه،” في المقابل، تضغط على الحصص التونسية ثلاث عوامل متصاعدة: الطلب الأوروبي المحموم على الغاز الجزائري منذ حرب أوكرانيا، وفي مقدمته الطلب الإيطالي؛ والاستهلاك الداخلي الجزائري الذي ينمو بنسق سريع ويقضم فائض التصدير؛ وسقف الإنتاج الجزائري الذي لا يرتفع بنفس نسق الالتزامات.”

ويتابع الكحلاوي “حين يشتدّ التزاحم على مورد محدود، فإنّ الزبون الصغير الذي يدفع بعملة متعثرة  -وتونس تشتري كميات هامشية قياسًا بإيطاليا- يُصبح موقعه التفاوضي أضعف الحلقات، مهما كانت متانة العلاقات التاريخية. لكن رغم ذلك لا أتوقع قطعًا للإمدادات أو تأثيرا جوهريا عليها، فللجزائر مصلحة استراتيجية في استقرار جارتها في سياق جيوسياسي تواجه فيه الجزائر جيرانا غير مستقرين وبعضهم معادي. 

تداعيات تتجاوز حدود الطاقة إلى المالية والسيادة

تنفذ تداعيات أزمة الطاقة في تونس إلى قلب المالية العمومية والسيادة معًا،  وذلك عبر ما ما يسمّى بـالاقتران الجبائي-السياسي حسب الكحلاوي، فالعجز الطاقي يمثل النصيب الأكبر من العجز التجاري، وكل ارتفاع في أسعار الغاز يُترجم فورًا ضغطًا على الميزانية عبر الدعم وعلى الدينار عبر فاتورة التوريد، فتلجأ الدولة إلى الاقتراض الخارجي المشروط، وتضيق هوامش القرار الوطني أكثر، لتزداد الهشاشة أمام الصدمة الموالية. 

ويؤكد الكحلاي “أنّ الستاغ (الشركة التونسية للكهرباء والغاز) هي نقطة تكثّف هذه الحلقة، فهي مؤسسة تُحمَّل تعريفة دون الكلفة، ومستحقات غير مدفوعة من الدولة نفسها، وديونًا تجاه المزوّد الجزائري، ثم يُقدَّم لها “الحل” في شكل قروض مشروطة كقرضَي برنامج TEREG اللذين بيّنت دراسة الباحثة نورة العجيمي للمرصد التونسي للاقتصاد أنّهما يكرّسان خوصصة تدريجية لوظائف المؤسسة، لا إنقاذًا لها.”

ويفسّر الكحلاوي “أنّه ليست هناك استراتيجية معلنة ذات أهداف مرقّمة يُحاسَب عليها المسؤولين. كما أنّ سبب “التعتيم” هو أنّ اتفاقيات الغاز وأسعاره وحجم المديونية تجاه الجزائر تُدار كأسرار دولة، بينما هي شأن عام بامتياز يمسّ كل فاتورة كهرباء. كما أنّ التخطيط الفعلي للقطاع انتقل عمليًا إلى وثائق المموّلين الدوليين وشروطهم،  دون أي نقاش وطني حول النموذج الطاقي المنشود. 

 مشاريع الانتقال الطاقي المطروحة اليوم: طريق للخلاص أم تكريس للتبعية؟ 

رغم أنّ التجربة التونسية في مجال الطاقة المتجددة تعود جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي عبر مبادرات مبكرة شملت توربينات الرياح الصغيرة، وبعض الألواح الطاقية، وذلك بفضل ما تزخر به البلاد من مقومات طبيعية هامة، إلاّ أنّ هذه المشاريع  المتعلقة بالطاقة النظيفة لم تبارح مربع التعثر والمماطلة البيروقراطية.

واليوم، لم يعد هذا الملف مجرد خيار تقني أو بيئي مؤجل، بل تحوّل إلى سجال سياسي واجتماعي محتدم لا يهدأ بين الجامعة  العامة للتيار الكهربائي والمدافعين عن الستاغ والسلطات.

بدأت الدولة أيضا بترجمة ضرورة الحاجة إلى بدائل طاقية، – رغم بعض التحفظات والانتقادات حول هذا التوجه- وذلك عبر فتح باب الاستثمار الأجنبي في الطاقات المتجددة عن طريق سنّ  القانون عدد  47 لسنة 2019 المؤرخ في 29 ماي 2019 ، والمتعلّق بتحسين مناخ الاستثمار الذي تضمن أحكاماً هامة لتبسيط إجراءات ونظام اللزمات.

ورغم أهمية المشاريع المطروحة اليوم، إلاّ أنه كثيرا ما يرافقها سجال مفتوح،  آخرها مصادقة مجلس نواب الشعب على خمس اتفاقيات لزمات لإنتاج التيار الكهربائي من الطاقات المتجددة، وهو ما اعتبرته الجامعة العامة للتيار الكهربائي مشاريع لا يمكن أن تحقق إلاّ مزيدا من التبعية الطاقية، وتهدف إلى تصدير شمس ورياح تونس  وتحويلها كوقود إلى أوروبا ثم إعادة توريدها بالعملة الصعبة. وهو ما سيمثلّ ضغطا إضافيا على ميزانية الدولة وسيما الستاغ التي ستكون ملزمة بشراء كامل الكميات المنتجة. 

وفي هذا الصدد، يقول إلياس بن عمار تصريحه لـ”هنّ”: “أنّ المرور إلى هذه الإتفاقيات، خاصّة وأنه لم يقع تقييم  للزمات 2015 يمثل مخاطرة  حقيقية.” إلى جانب هذه اللزمات، هناك  أيضا مشروع  ELMED والذي يعتبر من  بين أكثر المشاريع إثارة للجدل وأكثرها أهمية نظرا لأهمية التمويل، والشركاء المساهمين فيه.

وفي تعليقه على هذه مشاريع الانتقال الطاقي، والجدل الذي يصاحبها يقول الكحلاوي لـ”هنّ”:” أنّ هذه المشاريع بصيغتها الحالية لا تحرّرنا من التبعية بقدر ما تعيد توزيعها. فنحن ننتقل من تبعية للغاز الجزائري إلى حزمة تبعيات جديدة: تبعية لرأس المال الأجنبي الذي يمتلك محطات الإنتاج ضمن نظام اللزمات، وتبعية للتجهيزات المستوردة إذ لا نصنّع محليًا ما يُذكر من مكونات المنظومة، وتبعية مالية لعقود شراء طويلة الأمد مقوّمة فعليًا بالعملة الصعبة تلتزم الستاغ بمقتضاها بشراء الكهرباء عقودًا كاملة.

بينما تتحمّل هي كلفة الشبكة والموازنة والمخاطر. إنّه منطق “إزالة المخاطر” ذاته: الأرباح خاصّة ومضمونة، والأعباء عمومية ومؤمَّمة. بل إنّ بعض المشاريع الكبرى — من الربط الكهربائي نحو أوروبا إلى الهيدروجين الأخضر التصديري — تعيد إنتاج المعادلة التي انتقدتها في ملف الكفاءات الرقمية: نُصدّر شمسنا خامًا كما نُصدّر عقولنا خامًا، ويستهلك غيرُنا القيمة المضافة.”

ويتابع الكحلاوي أنّ هذه التحديات لا يعني أن نرفض هده المشاريع، بل يعني أنّ التحرر من التبعية لا يتحقق بالميغاواط وحده بل بأربعة شروط: نجاعة طاقية تخفض الطلب قبل مطاردة العرض، فالوحدة الطاقية غير المستهلكة هي الأرخص والأكثر سيادية؛ وحصة عمومية ولامركزية في الإنتاج — سقوف المؤسسات والفلاحين والبلديات والتوليد الذاتي — لا اقتصار على اللزمات الكبرى الأجنبية؛ وإدماج صناعي محلي يجعل من الانتقال رافعة تصنيع وتشغيل قارّ لا ورشة بناء مؤقتة بالمناولة؛ وأولوية للسوق الداخلية بحيث تُوظَّف الشمس التونسية أولًا لتعويض الغاز المستورد وخفض الفاتورة، ولا يُتَّجه للتصدير إلا من موقع فائض وقوة تفاوضية. عندها فقط يصبح الطلب الأوروبي على الطاقة النظيفة ورقة رافعة بأيدينا لا قدرًا مكتوبًا علينا — وهذا هو الفارق كله بين انتقال يبني السيادة وانتقال يعيد تدوير التبعية تحت عناوين “خضراء”. “

هكذ، لا تتجسد أزمة الكهرباء في تونس فقط في الانقطاعات اليومية، ولا في ضعف الإنتاج، أو التعويل على مُورّد واحد، أو بطء سير المشاريع الطاقية منذ سنوات والجدل المثار حولها، بل تمتد لتضرب بثقلها الفئات الأكثر هشاشة وضعفاً في المجتمع. تجدها في شهقة المرضى بين الأجهزة العاطلة، وخوف الحوامل على أجنّتهن، والنساء اللاتي يواجهن قيظ الحرارة للظفر بلقمة العيش دون أدنى حماية.

إنها أزمة تُعري هشاشة الواقع التونسي وتطرح أسئلة تتعلق بالضمان الحقوق الأساسية في حياة كريمة، ليبقى السؤال قائما ومؤلما: لماذا تغيب العدالة والمساواة الطاقية والاجتماعية حين تدفع الفئات الأكثر هشاشة فاتورة خيارات وسياسات تفتقر للتخطيط؟

غير أن هذا التهميش المستمر وشعور الظلم التراكمي لم يظلا حبيسَي المعاناة الصامتة، بل بدأ هذا القهر يتحول إلى محرك للغضب الاجتماعي عبر الاحتجاج في الشوارع والأحياء الشعبية، والأرياف المنسية، والفئات الأكثر تهميشا.

اقرأ أيضا

  • ذكرى “20 فبراير” بعيون نسائية.. “حركة أسقطت جدار الخوف”

    صدحت حناجرهم قبل 14 سنة من اليوم، وهي تلهج بشعار "حرية، كرامة، عدالة اجتماعية"، فكانت مطالبهم رغم بساطتها جوهرية، وذات مغزى؛ نظام سياسي ديمقراطي متوازن، خدمات اجتماعية تليق بجميع المغاربة، وتمكين المواطنين من عيش كريم يحفظ كرامتهم. رغم صغر سنهم، حمل شباب "20 فبراير" من الوعي ما يكفي للمطالبة بالتغيير والإصلاح، مؤمنين بأن الحق لا…

    عفراء علوي محمدي|

  • تنقيح مرسوم الجمعيات في تونس: “سقوط آخر قلاع الحرية” 

     منظمات المجتمع المدني التونسي على تباين أنشطتها الحقوقية والبيئية والأكاديمية والاجتماعية والصحية؛ تتفق على "مبدأ عدم المس من المرسوم 88 لسنة 2011"، المتعلق بتنظيم الجمعيات والاتجاه نحو حسن تطبيقه.  ويصف الجسم الحقوقي أي محاولات لتغيير المرسوم أو تنقيحه ضمن مسار مبرمج، بأنها "منهجية للسلطة الحالية لإضعاف كل الأجسام الوسيطة التي انطلق في تنفيذها مسار 25…

    ريم بلقاسم|

  • من “الديسكورد” إلى الميدان.. “جيل Z” يهز الشارع وينتفض ضد “مغرب بسرعتين” 

    منذ يوم السبت الماضي، يخرج مئات الشبان والشابات إلى الشارع، في عدة مدن مغربية، رافعين شعارات بمطالب واضحة؛ المزيد من الاستثمار في الصحة، التعليم، والخدمات الأساسية، ووضع حد للفساد. هذه الاحتجاجات، انتقلت إلى الشارع بعد نقاشٍ على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما دعت إليها مجموعة تطلق على نفسها إسم GENZ212 (وهو اختصار يجمع بين "الجيل Z"،…

    سعيد المرابط|

  • متابعات وطرد وانتهاكات.. أحذية “ريكر” الألمانية معفرة بعرق وحقوق التونسيات 

    حراك عاملات وعمال معمل الجلود والأحذية، "ريتون"، الواقع بمعتمدية السبيخة، في مدينة القيروان التونسية، كشف جانبا مخفيا من "انتهاكات وضرب الحقوق المهنية والكرامة الإنسانية"، التي تمارسها إحدى الماركات العالمية الألمانية-السويسرية منذ سنوات في تونس، وفق تعبير إحدى العاملات. كما بين القدرة التي لدى المستثمر الأجنبي، بمباركة من السلط الجهوية والقضائية على حد السواء، على الضرب…

    ريم بلقاسم|