كان هشام، البالغ من العمر 27 عامًا، يملك في تلك الليلة كل الأسباب للقفز في مياه البحر الأبيض المتوسط والسباحة عدة كيلومترات – “بين ثلاثة وسبعة”، كما يعتقد – حتى يصل إلى شاطئ “تاراخال”، حيث ساحل سبتة. هو شابٌ طويل القامة ونحيف الجسد، وتبدو عليه بعض علامات القلق عندما يتحدث بطريقة متعجلة.
قبل أيامٍ، كان يتجول في ساحة مسجد “السبعة رجال” في الفنيدق، على الحدود مع سبتة، في حيرة من أمره مع الحشود التي كانت تملأ المكان، تنتظر فرصة عبور البحر للضفة الأخرى، وفي يوم الأحد 25 غشت، ظل هشام يراقب الضباب في البحر، ضباب كان يتكاثف تدريجيًا حتى أصبح يحجب أي ضوء. في تلك اللحظة نزل إلى الشاطئ عبر الصخور بسرعة وألقى بنفسه في البحر بكل عنفوان دون أن يلتفت إلى الوراء.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها بهذه الرحلة ولن تكون الأخيرة، ولكن في تلك الليلة سيكون برفقته 500 شخص آخرين، معظمهم من الرجال المغاربة وأيضا الجزائريين، غادروا بأعداد كبيرة بنية الوصول إلى الساحل الإسباني، متجاوزًا سيطرة عدد “قليل من رجال القوات المساعدة المغاربة الذين قاموا بالمراقبة في تلك الليلة وتسببوا في أزمة سياسية كبيرة”، وفق ما أوردته صحيفة “إِلْمُوندو” الإسبانية.
لم يكن هشام يعلم بزيارة بيدرو سانشيز إلى دول إفريقية، بنية الرفع من حدة الحرب على الهجرة، ولا يعلم الأزمة التي تعيشها سواحل جزر الكناري الإسبانية، بل كان غافلًا عن كل ذلك تماما. حيث علم أن زوجته فاطمة قد أنجبت وعندما وصل إلى الشاطئ أسرع لرؤيتهما. فاطمة، زوجته، شابة جزائرية تبلغ من العمر 32 عامًا، عبرت سباحةً من المغرب، وهي حامل، وبعد وصولها أنجبت مولدها في سبتة.
في الواقع، فاطمة هي التي تملك قصة مثيرة. وتقول إنها خلعت النقاب، وارتدت ملابس السباحة وقفزت في الماء، وهي حامل في شهرها الثامن وثابرت على السباحة بين ساعتين وثلاث ساعات، حتى وصلت إلى سبتة. لم تكن خائفةً على الإطلاق، ولم تكن تريد حتى التفكير في الأمر.
تتحدث فاطمة وهي ترضع إسلام، المولود في إسبانيا، والذي لا يصل عمره إلى أسبوع. ويعيش الاثنان في غرفة خاصة بهما في مركز (CETI)، وهو المركز الذي تأخذ فيه السلطات البالغين الذين لم يتم طردهم على الفور ويتم تسجيلهم في مكاتب الشرطة الوطنية.
أعطاهم أحد العاملين في المركز عربة الطفل، وأحضر لهم أحد الأصدقاء من مدينة “الفنيدق” وثائق الهوية وعقد الزواج. ومع ذلك، يؤكد هشام أنه، و”لأني مغربي، والسلطات الإسبانية أكثر لطفًا مع الجزائريين، فقد تم طردي على الفور خمس مرات (مرات قبل محاولته الأخيرة التي نجح فيها)”.
ويسرد الاثنان أنهما التقيا عبر الفيسبوك وتزوجا سرا، وتقول هي أن ذلك “بسبب معارضة عائلتها”، يصحح هو ذلك، ويوضح أنه تحدث مع والدي فاطمة وأقنعهما بعد ذلك، فاستقروا في مدينة “الفنيدق”، لمدة عامين وعاشا على 30 يورو في الشهر. لم يكن لديه عمل، ولذلك فكروا في المجيء إلى إسبانيا عندما حملت فاطمة.
وتروي فاطمة: “لقد قفزت في الماء لكي أنجب ابني هنا لأنه في إسبانيا يتمتع بحقوق وأشياء جيدة، وسأطلب لم شمل الأسرة”.
ويضيف هشام، وهو مقتنع بأن هذا يمكن أن يساعد: “فاطمة حاصلة على دبلوم مساعدة طبيب ودبلوم طباخة معجنات”. “وبعد؟”، تتساءل صحيفة “إِلْموندو”، يجيبان: “لم نفكر في الأمر”.
وتقول فاطمة “أردت أن يولد إبني في أوروبا” وذلك ما شجعني، حيث لم أكن خائفة أثناء السباحة، مؤكدة أنهم في المغرب “لم يكن لدينا حتى منزل”.
أزمة اجتماعية وحقوقية
وبحسب الأرقام التي قدمتها مندوبة الحكومة المحلية في سبتة، كريستينا بيريز فاليرو، بعد ساعات من العبور الأكبر، الذي وقع يوم الأحد، في الفترة من 22 غشت حتى الاثنين 26، تم تسجيل ما متوسطه 700 محاولة يومية للوصول إلى إسبانيا. كان يوم الأحد من أشد الأيام كثافة للضباب حيث حاول 1500 شخص مغادرة المغرب.
وتم بالفعل احتجاز المئات عند الوصول. ولكن، وفقًا لمصادر الشرطة ” هناك لحظة كان فيها 500 شخص في البحر في نفس الوقت، والذين خرجوا على دفعات مختلفة”.
ورصدت زوارق دورية الحرس المدني نحو 100 مهاجر وتم تسليمهم على بعد 300 متر من الساحل إلى زورق دورية مغربي، كما تم اعتراض 130 آخرين واعيدوا مباشرة إلى الحدود المغربية.
ومن بين 200 شخص تمكنوا من البقاء واحتفلوا بهذا الإنجاز من خلال نشر رسائل البهجة على مواقع التواصل، كان هناك حوالي 22 قاصرًا.
وفي اليوم نفسه، أصدر رئيس المدينة، خوان فيفاس، نداءً لمساعدة بقية السلطات والحكومة المركزية، يطلب الدعم في قوات الأمن، التي تحتاج إلى المزيد من الموارد والأفراد، وأعرب عن أسفه لأن القُصَّر، حيث أن الحكومة المحلية المدينة المتمتعة بحكم ذاتي، لا يمكن أن توفر لهم سوى “الملابس والمأوى والأمن والنظافة والغذاء”.
وفي يوم الجمعة الماضي، كان هناك 503 قاصرًا في سبتة و792 بالغًا في المركز، بينهم 135 جديدًا انضموا في الساعات القليلة الماضية. وفي سبتة هناك 83200 نسمة في مساحة لا تتعدى 19 كيلومترا مربعا، مما يعني أنه في سبتة يوجد قاصر واحد بين 166 ساكنا، وفق ما أشارت إليه الصحيفة الإسبانية.
من جهته، يعتبر “مرصد الشمال لحقوق الإنسان”، يوم السبت، أن تزايد أعداد القاصرين غير المصحوبين، الذين عبروا البحر من المغرب إلى سبتة يعكس “فشل المغرب في حماية هذه الفئة وإدماجها اجتماعيا”.
وقال رئيس المرصد، محمد بن عيسى، في تصريح لوكالة “إيفي” أنه “منذ سنة 2016، ارتفع عدد القاصرين الذين يحاولون دخول سبتة بالسباحة، وهو ما يعكس فشل البرامج الهادفة إلى حماية الشباب المغربي وإدماجهم اجتماعيا، وهو فشل الدولة والأسر على السواء”.
وشدد بن عيسى على أن هذه “أزمة اجتماعية وحقوقية، في حين تكتفي الحكومة المغربية بالحلول الأمنية بتعزيز مراقبة الحدود، دون رؤية لحل شامل”.















