هذا مشكل شائع عند أغلب النساء”، “تعالي عندما تريدين الحمل”، بهذه العبارات تلخّص عدد من النساء المغربيات تجاربهن في التشخيص لمتلازمة (pcos) تكيّس المبايض سابقا، و (pmos)متلازمة المبيض الأيضية متعددة الغدد الصماء حديثا.
هذه المتلازمة التي تعاني منها حوالي 170 مليون امرأة حول العالم، أي ما يقارب امرأة من كل ثماني نساء.
وتتشارك النساء المصابات بهذه المتلازمة في مختلف دول العالم، ليس فقط بالمتلازمة في حد ذاتها أو مضاعفاتها، بل أيضا يتشاركن بتجارب متشابهة، تتعلّق بصعوبات في التشخيص، أو تجارب غير مرضية مع الأطباء، باختزال معاناتهن غالبا في مشكل الخصوبة.
فكيف للعلم والطب، أن يختزل صحة النساء في قدرتها على الخصوبة؟
فجوة التشخيص المبكّر: معركة صامتة تبدأ منذ المراهقة
اصطحبتني أمي إلى الطبيب عندما كان عمري 14 سنة، بعد أن لاحظت انتفاخ في ثديي الأيسر ، وانقطاع متواصل في دورتي الشهرية، لم تشخّصني الطبيبة كفاية ولم تشرح لأمي تفاصيل عن ما أشعر به، نصحتني بأخذ أقراص منع الحمل، و سيعالج مشكل الدورة الشهرية، وأنّ الأمر عادي سيعالج بعد الزواج. تقول خولة، ذات 22 عاما في حديثها لمنصّة “هنّ”.
هكذا تبدأ رحلة الكثير من النساء والفتيات مع المتلازمة، رحلة غالباً ما تتسّم بتأخّر التشخيص وتشتّت الأعراض قبل الوصول إلى تفسير واضح لما يحدث داخل أجسادهن. تبدأ أعراض المتلازمة لدى أغلب الفتيات في سنّ المراهقة، إلاّ أنّ التشخيص الطبّي يتأخّر غالباً لسنوات بسبب طريقة تعامل العائلات مع المؤشّرات الأولية. فالأسر عادةً لا تنتبه للأعراض المصاحبة للمتلازمة مثل زيادة الوزن المفاجئة، أو مشاكل البشرة، أو نمو الشعر الزائد، وتعتبرها مجرد تغيرات طبيعية في مرحلة النمو. ولا تتحرّك العائلة لاستشارة الطبيب إلاّ عندما يرتبط الأمر حصرًا بانقطاع واضح أو اضطراب حاد في الدورة الشهرية، ممّا يؤدي إلى تأخير اكتشاف الحالة.
“عندما كنتُ أشتكي لأمي أو المقربين حول كثرة حب الشباب الذي في وجهي أو الشعر الزائد الذي يضايقني، كان الجواب دائماً أنّه فقط بسبب الضغط أو مشاكل هرمونية، لا تقلقي.. إلى أن لُوحظت عليّ باقي الأعراض لاحقاً”، تُضيف خولة.
رحلة للتشخيص
“عندما تكونين مصابة بمتلازمة تكيس المبيض، كل شيء يصبح عادياً؛ العياء عادي، الألم عادي، حب الشباب عادي، تساقط الشعر عادي، والسهو أيضاً عادي”. بهذه الكلمات تبدأ كريمة حديثها، وهي شابّة عمرها 20 من مدينة الدار البيضاء.
وتُضيف: “في البداية بدأت أشعر بعياء شديد لا أستطيع معه أن أكمل يومي، أنام كثيراً، ودائماً أكون في مزاج سيئ. أشتهي أكل السكريات بكثرة، بالإضافة إلى تساقط الشعر، الحبوب، الأرق، زيادة الوزن، والتفكير الزائد.
بدأتُ أبحث في الإنترنت عن سبب هذه الأعراض، حينما كنتُ أرى فيديوهات تصف نفس المعاناة التي أشعر بها.
بعد سنتين، بدأتُ أشعر بانتفاخ في الثديين وبهما سائل مائي، حينها تملّكني الخوف وذهبتُ إلى الطبيب.
وبعد الفحص، طلب منّي بعض التحاليل وطمأنني قائلاً: ‘لا تقلقي، ليس هناك أيّ ورم أو خطر’، ثم وصف لي أقراصا لمنع الحمل لأتناولها لمدّة ثلاثة أشهر بغرض علاج انقطاع الدورة الشهرية، وأخبرني أنّ هذا في الغالب قد يؤثّر فقط على الحمل، وفي حال واجهتُ مشكلة في الإنجاب مستقبلاً، عليّ العودة إليه.”
لم يتحسن وضع كريمة حتى بعدما أكملت الدواء لمدّة ثلاث أشهر، بل ازداد سوءا وتواصل الألم في ثديها عندها قرّرت أن تذهب عند طبيبة نسائية التي أيضا نصحتها بعدم الإهتمام بهرموناتها ما دامت لا ترغب بالحمل الآن وأنّ هذه الأعراض عادية.
قبل أن تعرف كريمة الأعراض، ظلّت رحلتها مستمرة من طبيب لطبيب، وصلت حتى الذهاب إلى أخصّائي في الأمراض الجلدية بهدف معالجة مشكل الحبوب الذي تطوّر لحبات كبيرة يخرج منها القيح والدم كان سببها عدم توازن في هرموناتها.
تنهي كريمة حديثها بـ “وأخيرا إرتحت بعد أن شُخّصت بمتلازمة تكيّس المبيض سابقا و اتّبعت نظاما غذائيا ونمط عيش جديد يعتمد على الرياضة والأغذية المتوازنة”، خاصّة عندما علمت أنّها مهدّدة بداء السكري في سن الأربعين إن لم تتبع حمية غذائية والرياضة.
الوضع في حالة كريمة ليس فرديا بل تتقاسمه أغلبية المصابات به سواء في العالم بشكل عام أو في المغرب بشكل خاصّ بحيث يزداد الوضع سوءا في منظومة صحية هشّة ومجتمع وعائلات لا تعي كفاية حول صحّة النساء.
ماهي متلازمة تكيّس المبايض؟
توضّح المتخصّصة في طب الغدد والاستقلاب السكري والتغذية بالرباط إحسان حمّوتي أنّ “انتقال تسمية متلازمة المبيض المتعدد الكيسات، إلى متلازمة المبيض الأيضية متعددة الغدد الصماءمؤخّرا ليس مجرّد تغيير في الاسم، بل هو اعتراف علمي متأخر بأنّ هذه المتلازمة لا تقتصر على وجود تكيّس في المبيض كما كان يُفهم سابقًا، وإنّما هو اضطراب أوسع يمسّ المنظومة الهرمونية كاملة لدى النساء، ويرتبط بشكل وثيق بعمليات الأيض والاستقلاب.
وتُضيف أنّ هذا الفهم كان حاضرا لدى أخصّائيي الغدد منذ سنوات، بحكم اشتغالهم المباشر على الهرمونات عند الأطفال والرجال والنساء، غير أنّ هذا التحوّل في التسمية يبقى خطوة مهمّة لما له من أثر إيجابي في رفع الوعي لدى النساء، وكذلك لدى الأطر الصحية، بما يساهم في تحسين التشخيص واقتراح علاجات أدق وأكثر ملاءمة.”
وتُشير الحمّوتي إلى “أنّ معايير التشخيص كانت في السابق تعتمد على مجموعة من المؤشرات السريرية، من بينها اضطراب الدورة الشهرية لدى النساء وظهور أكياس في المبايض. غير أنّ ابتداءً من سنة 2018 صدرت توصيات علمية عالمية أعادت النظر في هذا التصوّر التقليدي، بعدما تبيّن أنّ الاعتماد على عرض واحد فقط، مثل عدم انتظام الدورة الشهرية، قد يؤدّي إلى سوء فهم وتشخيص غير دقيق، حيث قد تُشخَّص الحالة بشكل خاطئ أو تُترك دون متابعة مناسبة عند الاكتفاء بتقييم جزئي للأعراض.”
وتُضيف أنّ “التعريف الكامل لهذه المتلازمة لا يقتصر على جانب واحد، بل يشمل مجموعة من الاضطرابات في الدورة الشهرية، سواء في شكل انقطاعها أو طولها غير الطبيعي أو عدم انتظامها. كما يترافق ذلك مع علامات مرتبطة بمقاومة الإنسولين وارتفاع هرمونات الذكورة. وتوضّح أنّ هذه الاختلالات تظهر في مجموعة من الأعراض مثل حبّ الشباب الهرموني، زيادة نمو الشعر في أماكن غير معتادة، تساقط الشعر، البشرة الدهنية، الصلع الأمامي، التعب، زيادة الوزن، واضطرابات أخرى متعدّدة. وتًُشير إلى أنّ “هذه الأعراض ليست أمراضًا منفصلة في حد ذاتها، بل هي انعكاس لاختلال هرموني عميق، يكون في كثير من الحالات مرتبطًا بمقاومة الإنسولين، كما أنّ هذا الاضطراب قد يكون له جانب وراثي، حيث يُمكن أن تكون بعض النساء مهيئّات جينيًا لحدوث مقاومة الإنسولين.”
وتوضّح أنّ مقاومة الإنسولين ترتبط بشكل وثيق بالسمنة، وخاصّة السمنة الدهنية المتراكمة في منطقة البطن، إذ تُساهم هذه الدهون في رفع مستوى مقاومة الإنسولين داخل الجسم.
وتشرح الطبيبة أنّ هذه الآلية تبدأ عادة خلال مرحلة البلوغ، حيث تزداد الخلايا الدهنية في منطقة البطن، ما يؤدي إلى ارتفاع مقاومة الإنسولين في الجسم. وعندما ترتفع هذه المقاومة، يستجيب البنكرياس بإفراز كميات أكبر من الإنسولين بهدف الحفاظ على توازن السكر في الدم. وتوضّح أنّ للإنسولين دورين أساسيين: الأول تنظيم مستوى السكر في الدم، والثاني المساهمة في نمو الخلايا. ومع استمرار ارتفاعه، تتأثّر الأعضاء التي تحتوي على مستقبلات له، ومن بينها المبيض، الذي يبدأ في الاستجابة بشكل غير طبيعي لهذه الإشارات، مما يؤدي إلى اضطراب عملية الإباضة وتراكم البويضات داخل المبيض.
تشير الطبيبة إلى أن آثار متلازمة تكيس المبايض لا تتوقف عند الأعراض اليومية التي تعاني منها بعض النساء، بل قد تمتد إلى مضاعفات صحية على المدى البعيد إذا ظلت الحالة دون تشخيص أو متابعة مناسبة. وتوضح أن استمرار اضطراب الدورة الشهرية أو انقطاعها لفترات طويلة يعكس خللاً هرمونياً مستمراً يحتاج إلى المراقبة والعلاج، خاصة أن المتلازمة ترتبط أيضاً باضطرابات استقلابية قد تزيد مع مرور الوقت من خطر الإصابة بمقدمات السكري أو السكري من النوع الثاني. كما تؤكد أن التعامل مع هذه الحالة لم يعد يقتصر على معالجة عرض معين أو التدخل فقط عند ظهور صعوبات مرتبطة بالخصوبة، بل يتطلب مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف الجوانب الهرمونية والاستقلابية المرتبطة بالمرض، من خلال المتابعة الطبية المنتظمة واعتماد نمط حياة صحي يقوم على التغذية المتوازنة وممارسة النشاط البدني.كما تلتفت الطبيبة إلى أن تأخر التشخيص يظل من أبرز التحديات المرتبطة بهذه المتلازمة، إذ تتوجه العديد من النساء إلى تخصصات مختلفة لعلاج أعراض متفرقة مثل حب الشباب أو اضطرابات الدورة الشهرية أو تساقط الشعر، دون الربط بينها باعتبارها مؤشرات لاضطراب هرموني واحد. كما قد تلجأ بعض المريضات إلى حلول تجميلية أو علاجات ذاتية تخفف الأعراض بشكل مؤقت دون معالجة أسبابها الحقيقية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تأخير التشخيص والتكفل المناسب. في المقابل، ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة في رفع مستوى الوعي بهذا الاضطراب، حيث أصبح عدد متزايد من النساء يتعرفن على أعراضه بشكل مبكر ويتوجهن إلى المختصين لطلب الاستشارة الطبية، الأمر الذي يساعد على تسريع التشخيص وتحسين فرص المتابعة والعلاج والحد من المضاعفات المحتملة.
من PCOS إلى PMOS: ليس مجرد تغيير في حرف بل إعادة تعريف للمتلازمة
بعد سنوات طويلة من الجدل العلمي والمطالبات المتكرّرة من طرف الباحثين والباحثات أُعلن رسميًا في ماي 2026 عن تغيير اسم متلازمة تكيّس المبايض (PCOS) إلى متلازمة المبيض متعدّدة الاضطرابات الهرمونية والاستقلابية (PMOS).
وجاء هذا القرار بعد مسار تشاوري دولي استمر قرابة 14 عامًا، شاركت فيه عشرات الجمعيات العلمية والمنظّمات المهنية ومجموعات المرضى من مختلف أنحاء العالم، في واحدة من أوسع عمليات التشاور التي شهدها مجال أمراض النساء والغدد الصماء. غير أنّ النقاش حول ضرورة تغيير الاسم لم يبدأ مع هذا الإعلان، بل تعود جذوره إلى تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تخرج أول توصية رسمية بهذا الشأن سنة 2012 عن منتدى تابع للمعاهد الوطنية للصحّة بالولايات المتحدة، الذي اعتبر أن الاسم المتداول لا يعكس بدقة حقيقة المرض وتعقيداته.
يؤكّد المختصّون والمختصّات أنّ مصطلح “متلازمة تكيّس المبايض” كان مضلّلًا منذ البداية، لأنّه يوجّه الانتباه إلى المبيض باعتباره مركز المشكلة، بينما تتجاوز تأثيرات المتلازمة هذا العضو بكثير. فعدد مهم من النساء اللواتي يتم تشخيصهن بالمتلازمة لا تظهر لديهن أكياس مبيضية بالمعنى الطبي الشائع، كما أنّ ما يظهر في الفحوصات ليس بالضرورة أكياسًا حقيقية، بل بويضات لم يكتمل نموها نتيجة الاضطراب الهرموني. إضافة إلى ذلك، ساهم الاسم القديم في ترسيخ تصوّر يربط المتلازمة أساسًا بالخصوبة والإنجاب، ما جعل الكثير من النساء لا يحصلن على تشخيص مبكّر أو متابعة شاملة إلاّ عندما يبدأن التفكير في الحمل.
وخلال السنوات الأخيرة، تعالت أصوات المريضات اللواتي اعتبرن أنّ الاسم القديم لا يعكس واقع معاناتهن اليومية، ولا يفسّر الأعراض المتعدّدة التي يعشنها، مثل الإرهاق المزمن، ومقاومة الإنسولين، واضطرابات الوزن، وحب الشباب، وتساقط الشعر، والقلق، والاكتئاب، وغيرها من التأثيرات التي تمسّ جوانب مختلفة من الصحّة الجسدية والنفسية. وقد لعبت هذه الأصوات دورًا محوريًا في الدفع نحو إعادة النظر في التسمية، بعدما أكّدت العديد من النساء أنّ اختزال المرض في المبيض أو في القدرة على الإنجاب جعل معاناتهن غير مرئية داخل المنظومات الصحية.
يهدف الاسم الجديد، بحسب القائمين على هذه المبادرة، إلى تقديم صورة أكثر دقة عن طبيعة المتلازمة باعتبارها اضطرابًا هرمونيًا واستقلابيًا متعدّد الأبعاد، يؤثّر على توازن الهرمونات وعلى طريقة تعامل الجسم مع الإنسولين والطاقة، وقد يرفع من خطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والشرايين. كما يأمل المختصّون والمختصّات أن يساهم هذا التغيير في تحسين وعي الأطباء والمرضى على حد سواء، وأن يشجّع على اعتماد مقاربة أكثر شمولية في التشخيص والعلاج، تنظر إلى صحة النساء ككل، بدل اختزالهن في وظيفة الإنجاب أو في أعراض معزولة عن بعضها البعض.
وبالنسبة للعديد من المدافعين والمدافعات عن حقوق المرضى، فإنّ تغيير الاسم لا يمثل مجرّد تعديل لغوي أو علمي، بل يُعدّ اعترافًا متأخّرًا بمعاناة ملايين النساء حول العالم، وخطوة رمزية وعملية في الوقت نفسه نحو فهم أعمق للمتلازمة، وإعادة الاعتبار لتجارب النساء اللواتي ظللن لسنوات يطالبن بأن يُنظر إلى صحتهن خارج إطار الخصوبة وحدها.
نضال من أجل الصحة
تحوّل التعايش مع هذا المرض إلى “نضال حقيقي من أجل الصحّة” تقوده النساء بأنفسهن محلياً وعالمياً. فبفضل إصرار مريضات عبر العالم رفضن تصنيف معاناتهن كمجرد “مشكلة في المبيض”، وشعرن بأنّ هذا الاضطراب أعمق بكثير من ذلك، رضخت المنظمات الطبية الدولية مؤخراً لتغيير اسم المتلازمة إلى “متلازمة الغدد الصماء الأيضية والمبيضية” (PMOS).
هذا التغيير التاريخي جاء نتيجة ضغط ونضال مستمر خاضته النساء عالمياً لإجبار المنظومة الطبية على الاعتراف بمرضهن والبحث عن علاجات حقيقية وشاملة تنهي معاناتهن اليومية.
وعلى الجانب الآخر، تتقاطع هذه المعركة العالمية مع واقع النساء والفتيات في المغرب؛ فبسبب غياب التشخيص الدقيق أو استمرار الأطباء في التقليل من خطورة الأعراض واعتبارها “أمراً عادياً لا يستدعي القلق”، تضطرّ المغربيات لخوض نضال موازٍ وصامت. يجدن أنفسهن مجبرات على تحمّل مسؤولية صحتهن بمفردهن، واللجوء إلى الإنترنت والبحث المستمر لمحاولة فهم أجسادهن وصحّتهن الجسدية، في خطوة ذاتية منهن لانتزاع حقهن في المعرفة وتحسين جودة عيشهن اليومي وسط منظومة صحية لا زالت تدير ظهرها لمعاناتهن.



















